الرئيسية | فنون جميله | لماذا قطع ڤان جوخ اذنه؟

لماذا قطع ڤان جوخ اذنه؟

كتب علاء حجازي
الرسام الهولندي فنست فان جوخ، بعد مرور أكثر من مائة عام على وفاته مازالت تهمة إلصاق الجنون إليه تجتذب الكثير من الباحثين ومؤخراً أعلن أطباء أمريكيون أن فان جوخ لم يكن مصاباً بالصرع وإنما كان يعاني مرضاً في الأذن الداخلية دفعه إلى قطع إحدى أذنيه وفي النهاية إلى الإنتحار وهو في السابعة والثلاثين واستند خبراء المركز الطبي بولاية كولورادو في النتيجة التي توصلوا إليها للملفات الطبية لـ فان جوخ من رسائله والمرض الذي يقدر الأطباء انه كان مصاباً به.

هذا الداء يعرف طبياً بدوار فيير ويحدد بخاصيتين الأولى: ظهور ثلاثة أعراض بوقت واحد هي دوار وطنين وصمم والثانية: تطور حدة الآلم وتحولها لنوبات حادة يفصل بينها فترات من الهدوء والراحة المؤقتة هذه الأعراض مجتمعة تعرف بدوار فيير ويمكن للطبيب الاعتماد عليها في تشخيص حالة المريض لمعرفة ما اذا كان مصاباً بهذا الداء وسط العديد من أنواع الدوار المختلفة وتظهر هذه الأعراض على المريض نتيجة اصابة غشاء تجويف الاذن الداخلية التي تؤدي بدورها الى مرض يصيب دهليز الأذن والمنطقة المحيطة بها.

ورغم أن الاطباء مازالوا يبحثون عن السبب المباشر لهذا المرض ورغم تطور التقنيات الطبية الا انهم يجمعون على ان من أسباب دوار فيير حدوث إرتفاع ضغط مفاجئ في السائل الليمفاوي الباطن مسببا تمدد حاد في غشاء الاذن الداخلية وهذا الخلل القوي هو المسبب لنوبة الدوار ويرتكز التشخيص بدرجة كبيرة على حدة وقوة النوبة وتواترها ثم حالة الهم والاكتئاب التي تنتج عنها والاثار السلبية التي تطال حالة السمع وتزداد سوءاً كلما تكررت النوبات.

الأن أمامنا وسيلة جديدة يمكن الإستعانة بها في فهم شخصية فان جوخ وحقيقة مرضة الكامن في أذنه وقد عُولج في مستشفى سان – ريمي دو بروفالس الفرنسي على انه مصاب بمرض نفسي بعد ان قطع جزءاً من اذنه اليسرى في عام ١٨٨٨ وأشرف على علاجه الدكتور غاشيه وهذا الأخير خلده الفنان بعدة رسومات له واعتبره صديقه وقد قال عنه إنه صديق وبشكل من الأشكال كأنه شقيق جديد ومن المعروف أيضاً أنه رسم نفسه ٢٢ مرة إذ كان كلما أراد التعبير كان يستخدم الموديل الوحيد المتاح وهو وجهه بلا مقابل ووسيلته هي المرآة وأدواته هي ألوانه وضرباته المختلفة القوة والتقطيع والقسوة أحياناً .

وإذا كان الأطباء في ذلك العصر قد أخفقوا في تحديد مكمن الداء عند الرسام إلا انه استطاع تحديد داءه بنفسه وأشار لمصدرة عندما عمد إلى قطع جزء من اذنه لقد قطع الرمز – الأذن الخارجية – وظل يعاني من الآلام التي تسببها الأذن الداخلية.

ولو أعتمدنا على أعراض المرض التي ذكرناها نجد ان النوبة كانت حادة وعنيفة وان كان يعقبها مرحلة من الهم والإكتئاب واذا عدنا للفترة التي انتحر فيها نتيجة اليأس الكامل من شفائه نجد ان الخبر كتب كما يلي: أطلق فنست النار على نفسه من بندقية صيد بعد نوبة طويلة من الإكتئاب في ٢٧ يوليو ١٨٩٠ وتوفى بعد يومين
اذن العلاج لم يجدي نفعاً ومع ذلك فإن فان جوخ كان يظهر كل قدرته الفنية في فترات الهدوء التي كانت تعقب النوبات وظل قادراً بين نوبة وأخرى على تقويم وضعه وفنه برؤية واضحة فخرجت من بين انامله تلك اللوحات التي لم تُعرف قيمتها الحقيقية.

وفي المعرض الوحيد الذي أقامه في بروكسل باع اللوحة الأولى والأخيرة في حياته وعن لوحاته يقول: لوحاتي لا يشتريها أحد وأنا لست مسؤلاً عن ذلك وسيأتي يوم ويكتشف الناس ان هذه اللوحات أغلى من حياتي فأنا أرسم للمستقبل وبالفعل كان يرسم للمستقبل ووحده عرف قيمة فنه وذاته ومع انه زامن التأثيرين الا انه تجاوزهم ولامس الطبيعيين والرمزيين ومن السخرية انه عاش في البؤس والعوز والفقر معتمداً على عون أخيه ثيو كل ذلك في سبيل شغفه برسم الأشخاص حيث كان يقول: أحب أن أرسم الوجوه ولا أريد أن أنقلها نقلاً فوتوغرافي ولكن حسب طريقتي في رؤية الأشياء وفي إستخدام الألوان باعتبارها وسيلة لتجاوز ما أراه ويصف الطبيعة قائلاً: حين أكون في الطبيعة أفقد وعيي وتأتيني الصور كما لو أنني في حلم.

 واليوم ربما يمكننا ان نعرف سر الضربات القوية الحادة والعاصفة أحياناً في فرشاته والتي تعود ربما لحدة تلك النوبات التي كان يعاني منها وحتى أخر أيام حياته استمرت قدرته الخلاقة على الإبداع ولم يطلها الوهن وظلت تعابيره الفنية راكزه ومليئة بالحيوية والتكوين المتماسك

علاء حجازي