الرئيسية | أرشيف | الفنان شاكر المعداوي

الفنان شاكر المعداوي

رحيل شاكر المعداوى ( 1944م _ 2011م ) جنيناً فى رحم المكان : بين سحر الطبيعة وغواية الجسد

بقلم محمد كمال

عندما نتطرق إلى آليات الخلق الكونية ، لايستطيع أحد من الفلاسفة أوالمناطقة أوعلماء الجمال أن يغض الطرف عن الإنسان كتاج على رأس الحياه ، حيث خلقه الله من صلصال ، ثم نفخ فيه من روحه ، ليكرمه بخلق الأشياء كلها من أجله ، وتسخير كل مقومات العيش لاستمرار حياته ، قبل أن يكلفه بتدوير رحى البقاء كأمانة لم يقبل سواه بحملها ، لذا فعند تناولنا للمشهد البصرى والروحى يكون من غير البديهى الغوص فى أعماقه دون الإهتداء بتلك الطاقة البشرية على المستويين النفسى والجسدى ، حتى وإن غادر الكيان الآدمى الصورة ، لأننا نجده فى كل الأحوال ماثلاً ببصمته الغائرة على المفردات المرئية ..

وهذا البناء المتعاشق بين الإنسان وعناصر الطبيعة هو مايشكل عمود الإرتكاز الذى تتمحور حوله فلسفة الوجود وعجلة الصيرورة بقطرها الواصل بين نقطتى الميلاد والموت .. ولايخرج المبدعون عن هذا المحيط النابض عند أكثر لحظات الإلهام توهجاً ، محكومين بمثلث من الزمان والمكان والعقيدة كسياج يمر منه طائر الخيال فى فضاء المشهد ليصطاد منه ماتيسر من الصور ، وأعتقد أن هذا التوازن الفكرى هو مايغزل بخصوصية وتفرد شديدين سجادة الهوية بنسيجها المتين ووبرها الكثيف ..

وهناك نماذج من المبدعين تستسلم بوعى لتلك المعطيات الحتمية التى تثرى أوصال الصورة عبر القناه الواصلة بين الذاتين الفردية والجمعية ، مثل الفنان الكبير شاكرالمعداوى ( 1944م _ 2011م ) الذى رحل عن عالمنا مؤخراً بعد أن ترك لنا تراثاً تصويرياً ثرياً بين مائى وزيتى وإفريسكى ، أنجزه بتركيز واقتدار منذ تخرجه من كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية عام 1967م ، وحتى وفاته مع مطالع هذا الشهر ، مروراً بعمله فى هيئة قصور الثقافة ، ثم التحاقه بالتدريس فى كلية التربية النوعية بكفر الشيخ كأستاذ لمادة التصوير ، وخلال هذه الفترة التى تتجاوز الأربعة قرون ، ألقى شاكر بنفسه بين ذراعى بلدته الصغيرة ” معدية مهدى ” إحدى قرى محافظة كفر الشيخ ، فصارت بالنسبة له معيناً غنياً بكل عناصرها البصرية والروحية الحاملة للكثير من التراكمات الزمنية الكامنة بين فضائها وتربتها ..

فإذا دققنا فى أعمال الفنان سنجد أنه قد تفاعل مع يوميات المكان على الصعيدين الظاهر والباطن ، حيث يتمثل الأول فى المتعينات المحسوسة وتركيبتها الخاضعة لقانون الطبيعة المرئية ، أما الثانى فتتجلى فيه قدراته على إعادة صياغة مفردات المشهد اليومى بآلية تأويلية تزيد حرية التلقى ، وعلى هذين المحورين يوظف شاكر ألوانه الزيتية والمائية فى وشم تكويناته على ألواحه النسجية والورقية ، علاوة على تصاويره الإفريسكية التى درسها فى إيطاليا ..

وسنحاول هنا التركيز على مائياته التى ميزته بين أقرانه ، بعد أن استثمر طبيعتها السيالة المتدفقة على السطح بحرفية بالغة جعلته واحداً من ألمع فرسانها فى تاريخ الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة ، حيث استطاع عبر هذا الوسيط الشفاف أن يغازل فتنة المكان من الطبقة الخارجية ، ثم يمرق من تلك القشرة لسبر أغوار النفس من خلال تكوينات وبناءات منصهرة مع سياقها البيئى ، وهنا سنلحظ أن المعداوى يقترب فى بعض تعاملاته مع المكان المرئى من أسطوات الألوان المائية حبيب جورجى وشفيق رزق وبخيت فراج ومحمد طراوى ، بينما يشترك مع عدلى رزق الله فى تجاوز مرئيات المكان ، باعتبارهما فى رأيى من أحدثا ثورة فى تطويع تلك الخامة صعبة المراس لصالح مشهد مغاير للمنظر الطبيعى السائد فى تناولاتها منذ أجيالها الأولى ..

شاكر المعداوى

وفى هذا المقام ترتكز الصورة عند شاكر على محورين ، هما الطبيعة بمعمارها الإلهى والإنسانى ، إضافة للجسد البشرى وعلاقته بالكائنات الأخرى ، وهما مايخوض بهما الفنان مغامراته على السطح الورقى لتشييد تكويناته بشفافية وطراوة كبيرتين .. ولايستطيع أحد أن يغفل الدور الحيوى للمكان فى إثراء الصياغة النهائية للمشهد التصويرى ، حيث يبدو المعداوى شديد التأثر بمعطيات موطنه الريفى فى ” معدية مهدى ” كمنهل بصرى وروحى زراعى الطابع يغترف منه ليسقى تكويناته الخصبة .. فعلى المحور المرئى تظهر علاقة الفنان بعمارة البلدة من بيوت وقباب ومآذن ومقابر ، علاوة على الشرايين المائية من ترع وجداول وشعيرات نيلية ، إضافة إلى الحلى الخضراء من أشجار ونخيل وأبسطة حقلية ، وهو مايشكل تلك العباءة المدثرة للفنان ، كى يظل دائماً عند درجة حرارة فنية مناسبة لنسج خيوط الشرنقة التى يمارس بداخلها عمليات التحول الإبداعى عبر الأطوار المختلفة ..

فعلى صعيد الصلة الظاهرة بين شاكر وبيئته ، نجده يفترش تلك المساحة بين عينه ومرئياته الصامتة داخل القرية ، فى ظل غياب كلى للجسد البشرى والكائنات الحية الأخرى ، مستسلماً لتراكيب المشهد الفيزيقى الجاهز ، حيث نراه يستخدم العمارة كدعامة أساسية للتكوين الذى يتألف من البيوت والقباب وأحياناً المقابر ، بما يشير فى مجمله إلى ميراث فكرى مصرى متواتر ..

والفنان هنا يعتمد على تأثيرية الأداء واللمسة المباغتة ، فى ابتعاد نسبى عن النزعة التنميقية التى تسلب المشهد بعض بكارته ، معتمداً على ركيزة معمارية يشرع غالباً فى كسائها بالثوب الأخضر من أشجار ونخيل يسود تلك المنطقة ، وذلك بلمسات تصويرية تفجيرية تستقى روح المرئى دون الوقوع فى فخ التفاصيل الدقيقة التى تدفع الصورة إلى حالة من التيبس ، حيث يعتبر المعداوى علامة بارزة فى فن المنظر المائى ، عبر حرصه على حيوية المسطح التصويرى بين الإنطلاق المحسوب والجموح المرغوب ..

ولاشك أن هذه الحكمة فى توظيف سيولة الخامة قد وصلت به إلى منطقة سخية من الإختزال والتكثيف فى اقتناص ملامح المنظر ، سيما العنصر الأخضر كالشجرة والنخلة اللتين يجسدهما بأقل مسحات للفرشاة على جسم الورق ، وفى هذا الإطار نجده يرتحل تبعاً لخصوصية الخامة من الفواتح إلى الغوامق ، علاوة على الأبيض الرافد من لحم الورق الخام قبل احتضانه للون ، بمايؤكد البعد الثالث للمنظر ..

ولايتكىء شاكر على الطبقية اللونية فقط لإبراز عمق الصورة ، بل يعتمد أيضاً على تنوع ثخانات الكتل والخطوط المتمثلة فى البنايات وما فوقها من أسلاك وأجهزة استقبال فضائى إكتسحت الريف مؤخراً ، علاوة على الأشجار بفروعها مختلفة الأحجام والأطوال ، بين مكتسيات بالأوراق وعاريات ، والنخيل بارتفاعاته المتباينة وزعفه المترامى المجدول كشعور الأفريقيات ، حيث يوظف الفنان كل هذا الثراء البصرى داخل التكوين عبر تعاشقات أفقية ورأسية متماسكة ، تتدرج معها العين من أسفل إلى أعلى والعكس ..

ورغم بساطة مفردات منظر المعداوى ، إلا أنه استطاع أن ينسج منها بناءاً متيناً مغلفاً بلمسات سيالة خاطفة تشى بالسمت الفريد للخامة التى ينشىء من خلالها تكويناً شفافاً متوحداً مع الفنان نفسه .. ففى بعض المناظر نجده ينسج السماء الصافية من خام الورق غير الممسوس باللون ، وهو مايحدث أيضاً فى بعض مواضع تكويناته التى يترك بداخلها تلك الخيوط البيضاء البكر كنوع من الإيقاع الخطى داخل ثنايا المشهد الذى يكشف عن ملكات شاكر المعداوى فى المواءمة بين الصنعة والإبداع .. بين الحرفة والدهشة ، ليظل كامناً فى رحم المكان ، ملتحماً مع مفرداته ، شارباً من خصوبته البصرية المغلفة بروافد وجدانية مقبلة من بطن الماضى نحو صدر الواقع .
وإذا كان الإشتباك مع معطيات المكان الظاهر يحتاج إلى حالة من التأمل والخشوع الروحى ، فضلاً عن السيطرة على الحراك الذهنى ، فإن استكناه القدر الأكبر من ملامحه يستوجب رغبة جامحة فى الإنصهار مع جل ثوابته ومتغيراته ، عندما يتحول المكان كما أشرت سالفاً إلى حضانة بصرية وروحية ووجدانية تأوى الفنان كجنين داخل الرحم ، وهو مايساهم بشكل كبير فى صياغة الصورة النهائية للمشهد التصويرى ..

وقد تطرقنا بإسهاب إلى الجانب المكانى الظاهر لدى شاكر ، بمفرداته الماثلة داخل الحيز الفيزيقى ، ليقف التكوين عند حدود المنظر المطرز بقوانين الطبيعة ، أما العامل المكانى الباطن عنده فيشكل ذلك الجزء الأهم فى تجربته مع الألوان المائية ، حيث يمرق عبر جلد المكان إلى دهاليز الجسد برغباته المكبوتة وصراعاته النفسية الملتهبة ، علاوة على نزوعه إلى الإنسحاب أحياناً ، وحتمية التمرد فى أحيان أخرى ، الأمر الذى يؤدى إلى الرحيل فى بيداء العطش البدنى عدواً نحو بئر الإرتواء ، فى ترددية لحظية بين ميراث الكتمان والتوق إلى البوح ..

بين نزق الجسد وطهر الروح .. بين نيران الإشتهاء ونور النفس ، لذا نجد المعداوى غالباً مايجنح إلى غزل شرنقته الإبداعية من خيوط المكان المجدولة من حرير الذاتين الفردية والجمعية ، وهو مايرسخ لذلك الذوبان بين روحه وفضائه البيئى المحيط .. وهنا يتحول الصمت إلى أوركسترا صوتية تجمع بين الهمس والصراخ .. بين الحفيف والصياح ، حيث يبرز على سطح المشهد مفردات جديدة ، مثل البقرة والثور والديك والكتكوت والسمكة والحصان والقط والعصفور ، فضلاً عن الأنثى البشرية كمحور ارتكاز دائم فى أعمال الفنان ، والتى تتأرجح بين كاسية وعارية ..

بين خجولة وشبقة ، ثم نجده يدفع ببعض المدخلات الجمادية الملائمة لحالة الفوران الذاتى ، مثل الناى والعود والرق والزير والشيشة وقفص الدجاج وموقد الكيروسين ووابور الجاز والبلاص والقلة ، بما يسمح له بتباديل وتوافيق رمزية تستنطق صوت اللاشعور داخل العمل .. ورغم سيلان خامة الألوان المائية على السطح الورقى ، بما يعرقل السيطرة الكلية عليها ، إلا أن شاكر يستطيع دائماً بحرفية وتمكن تقنى مكتسب أن يدمج كل تلك المفردات الحية والجامدة فى تكوينات تعاشقية تتسم بمتانة البناء وشفافية الملمس ونفاذية الرؤية معاً ، فى قفز واضح فوق أسوار المتعينات المرئية التى سيطرت عليه عند تناوله للمنظر الطبيعى ، وهو ماساعده على الجمع كما أسلفنا بين المتنافرات المادية من الشفافية والمتانة .. الرقرقة والرصانة .. الإنسكاب والتماسك ، بقدرة واضحة على استكناه بواطن المشهد .
والمعداوى يحاول دائماً بناء تكوين أرابيسكى النسيج يسيطر على العين بشكل تصاعدى ، محركاً إياها من الكلى إلى الجزئى والعكس ، حتى أن الصورة عنده تبدو فى بعض الأحيان كقطعة من الزجاج المعشق يربض هو خلفها ليستشف ذلك الضياء الذاتى المنبعث من شخوصه وكائناته الذائبة فى جسد المكان .. وفى هذا السياق ينزع شاكر إلى تقمص ملامح مفرداته الحية أحياناً ، والإنسلاخ منها أحياناً أخرى وقتما يلعب دوره التصويرى على الصعيدين الحسى والحدسى ، حيث يمكن لنا أن نتلمسه مختبئاً وراء أحد عناصره ، فى حين يحرك بقيتها داخل الصورة ، فالمدقق المتأمل قد يتحسس الفحولة الذاتية للفنان فى حضور الديك والثور والحصان وهم مقترنون بجسد الأنثى الناطق بأنين الرغبة والفواح برائحة الغواية ، ثم تشعر بنفس الذات كامنة داخل الزير الراشح الممتلىء بالماء وقد أقبلت نحوه امرأة مطوقة بمسامير الظمأ الجسدى ، فى منطقة رمزية فاصلة بين ظهر الواقع وباطنه .. وفى تكوينات أخرى تتوهج بها الرغبة الذاتية ، نجد الفنان هو نفسه الديك والحصان اللذين تمتطى ظهرهما الأنثى المندفعة صوب اللهب ، والتى ترقد أيضاً فوق قفص من الديوك فى انتظار الديك الصائح بدافعية ذكورية .. وأعتقد هنا أن المعداوى يتحرك على المسطح الورقى تحت سيطرة داخلية من ينابيع اللذة الجسدية التى تخصب أرض الصورة ؛ فيحدث ذلك التنامى الفطرى فى جسم التكوين ..

وعند هذا المنعطف الأدائى نجد السلوك الإبداعى للفنان فى حالة امتزاج كلى بين النوازع الوجدانية والفسيولوجية والمؤثرات الخارجية ، وهو مايتجسد فى الحراك البندولى بين المتعة الحسية ومعطيات الواقع داخل حيز الشخصية أثناء عملية الخلق .. وهذا البحث عن التوافقية التعبيرية الذاتية هو مايدفع شاكر إلى فعل التفريغ والبوح الجسدى عبر مفرداته البيئية الكائنة داخل سياج بصرى يساعده على الأداء بسهولة ويسر ، علاوة على طبيعة الخامة السيالة التى تتفق منهجياً مع أسلوبه فى التدفق النفسى على الورق ؛ فيحدث ذلك الإلتحام بين الجانبين الذاتى والتقنى على المسرح التعبيرى الناطق بهوية الفنان النابعة من خصوصية المكان .
وغالباً لايتحقق إنسجام المنتج البصرى دون شخصية حيوية البنية تنتقل من الهى ( id ) إلى الأنا ( ego ) إلى الأنا العليا ( super ego ) ، وهوالإنتقال التدريجى من اللذة الطفولية الغرائزية إلى الإشتباك مع الواقع الخارجى على جسر الوعى ، حيث تضطلع الأنا بالدفاع عن الشخصية وتوفيقها مع البيئة لخفض توتراتها وإبراز ملكاتها ، وذلك بدفعها إلى التعبير وجدولة الدوافع تبعاً لمستوى الطموح ، وفى هذا الصدد قد تتصارع الأنا العليا مع الأنا ، وقد تتحالف معها لمنازلة الغرائز .. فإذا تأملنا أعمال شاكر المعداوى عبر هذا المفهوم ، سنجده يدخل العمل من نافذة غريزية يرتمى بعدها فى أحضان الورق ، ثم يبدأ فى الحوار البصرى مع مفردات الواقع المرئى ، لإدراك التوازن النفسى والإبداعى من خلال ترشيد الإلحاح الجسدى ، وأظن أن مايساعده على الوصول لتك التعادلية هو قدرته على التكور الجنينى داخل الذات ، علاوة على الكمون لفترة طويلة داخل رحم المكان بمفرداته المألوفة التى يجيد الدخول فيها والتوحد معها ، ثم مغادرتها إلى نقطة المروق ثانية ، وقد يفسر هذا إجادة شاكر لرسوم الأطفال المضفرة مع موهبته فى الحكى والإسترسال الخيالى الشفاف بإزاحة متدرجة من من الهى إلى الأنا المدعومة بالأنا العليا ، لذا فهو قادر أيضاً على الإمساك بحلم اليقظة عند منتصف المسافة بين الوعى الكامل والإغراق فى الغيبوبة ، بما يؤهله لصناعة صورته على الصراط الفاصل بين الحقيقة والخيال .. بين صدر المرئى وباطنه ..

ولاشك هنا أن السيولة الفياضة للخامة وقدرتها على التشرب السريع تساهم بدور محورى فى الإلتقاط العفوى للمشهد من صندوق اللاوعى ، ودفعه مباشرة إلى السطح الورقى دون السقوط فى فخ التفاصيل ، حيث انعدام فرصة محو اللمسة الأولى ، وتبعاً لهذا نجد الفنان يوظف خام الورق الأبيض أحياناً لشد خيمة منيرة بيضاء حول الأشكال التى يطرز حوافها فى أغلب الأعمال بنفس البياض الذى يتخذ هيئة خطية منيرة تكسب العمل نغماً موسيقياً بصرياً ، فتارة نجد فلاحاته مكسيات بلباسهن الريفى التقليدى وهن يحملن الجرار فى سير إيقاعى متواتر ، ثم فجأة يظهرن عرايا وهن يعزفن على الناى والعود ، وينقرن الدف فى حضرة صياح الديك ومواء القط وصهيل الحصان ، وعلى جانب آخر نجدهن يرافقن مجموعة من الأسماك بين حمل واحتضان وتعاشق زخرفى ، وعند أقصى حدود الإشتعال الجسدى ترى أنثى المعداوى تتلوى بين فعلى الشروع والمقاربة الجنسية مع ضروب من الفحولة تتبادل الحضور داخل المشهد عبر ارتحال بين صور الديك والحصان والثور ، فى وجود الزير والزلعة كأوعية مشتركة ترمز إلى الإستعار الشبقى المستتر ..

وهنا يشارك الوسيط المائى فى صياغة الصورة الحالمة الهلامية التى يسيطر عليها الفنان من برج الوعى ، ناسجاً منها تكويناً متماسكاً رصيناً مثل قارورة شفافة مملوءة بماء رائق تسبح فيه مفردات الحلم الملون .. وفى عودة إلى ساحة الواقع يطوع الفنان عناصر أخرى مألوفة داخل آلية اليومى ، لصالح رمزية غريزية ترتحل بين الهى والأنا ، مثل الشيشة ووابور الجاز ، حيث اقترن وهج الأولى بلهيب الفحولة المتمثل فى الثور الذى ينفث دخانها ، بينما لازم وقود الثانى صهد الأنثى ، حيث يوجد تارة تحت السرير الذى اضطجعت عليه ، وتارة أخرى بين ذراعيها وجسمها الممطوط ، وفى بعض الأحيان يبدو موقد الكيروسين وقد أشع نوراً وناراً بتوازن بين حاجات الروح والجسد ..

ورغم أن مفردات المعداوى شديدة الألفة مع العين ، إلا أنه استطاع ببراعة إعادة هيكلتها لخلق معمار متجدد مع كل تكوين ، جامعاً بخبرته بين الحى والجامد .. بين الساكن والمتحرك ، لبث النبض الإنسانى فى أوصال المشهد .
فإذا اجتررنا فكرياً تصاوير شاكر المعداوى الزيتية والإفريسكية والمائية ، بتركيز على الأخيرة كما أسهبنا فى التحليل ، سنجد أنها جميعاً تعتمد على المرئيات المتعينة المحسوسة التى تشكل جسراً بين الفنان وسياقه الجمعى ، حيث يوظفها كخيوط نسيجية يغزل بها نوعين من الصورة ، الأولى ترتكن إلى معطيات المنظر الجاهز بوعى حرفى يراوغ مصيدة التفاصيل ، أما النوع الثانى فهو الذى يحتاج للقدر الأعظم من الطاقتين الروحية والذهنية لمقابلة البناء النفسى الباطنى المركب ، وهو مايؤدى إلى ذلك النص البصرى التعبيرى المعقد ظاهرياً رغم صعوبة ترويض الخامة المائية السيالة .. واللافت هنا هو أن شاكر يتميز بالأداء السهل والقدرة على البوح الفياض ، لذا فإننى أعتقد أن هذه الحركة الترددية بين الظاهر والباطن فى جسد الطبيعة يمكن إرجاعها إلى معمار شخصية المعداوى نفسه التى ترتكز على حراك ثلاثى متتابع ، حيث الصعود من الطفولة إلى الصبا ، ثم الإستواء المتسم بالخبرة والنضج ، ثم الإنحدار المتجسد فى انقباض العاطفة ، مع الحفاظ على الرباط الإجتماعى المحيط بالفنان الذى يصيغ المنظر عبر رصيد حرفى مكتسب ونشاط ذهنى فاعل ، بما يوقفه عند مشارف القشرة البصرية ، عكس اللقطات التعبيرية التى تتمايل جيئة وذهاباً بين وتدى الإستواء والإنحدار ، حيث الإنكماش العاطفى الذى يسمح للنفس بالإجترار الطفولى والإنكباب الجنسى على السطح التصويرى من خلال وصال إجتماعى شديد الخصوصية ، بما يعظم من دور المكان كحضانة بصرية وروحية جعلت الفنان يجول بين سحر الطبيعة ومفرداتها الآسرة ، وبين غواية الجسد ورغباته النزقة ، على مسطحات نسيجية وإفريسكية يوشم عليها ختم الزمن بالعجائن اللونية ، وأخرى ورقية يمرح فوقها الماء كوسيط رقراق يفضح جموح البدن وتوهجات الروح ..

ولم يكن الفنان الكبير شاكر المعداوى إلا سباحاً فى بحيرة خاماته المتنوعة المفعمة بطاقة الإبداع الذاتى ، مشاركاً إياها بكمونه الجنينى فى رحم المكان الذى اختار أن يدفن فيه أيضاً عقب رحيله الجسدى ، بعد أن ظل طوال مشواره الفنى يقتات عبر حبل سرى على روافده الملهمه التى كان يأتنس بها فى لحظات الوعى ، ويغوص معها إلى أبيار اللاوعى ، كى يسبر أغوار النفس ويشيد فيها عالمه المسحور من طين ونار ونور .
محمد كمال
دراستى بجريدة نهضة مصر _ صفحة فنون جميلة _ الخميس _ 15 / 9 / 2011م
” فصل من كتابى القادم تحت الطبع بعنوان ” طيور تأبى الرحيل