الرئيسية | فنون جميله | التعبيرية السياسية فى طرطور المهرج | رؤوف رأفت

التعبيرية السياسية فى طرطور المهرج | رؤوف رأفت

أعمال رؤوف رأفت ( 1948م _ 2005م ) خلف كواليس السيرك : التعبيرية السياسية فى طرطور المهرج بقلم: محمد كمال

تختلف المعيارية الإبداعية للعمل الفنى بداية من قدرته على نسج كيانه من خيوطه التراثية ، وحتى حلول الروح فيه من خلال الإنصهار مع معطيات اللحظة الراهنة ، ولكن مالا شك فيه أنه يندفع نحو حيز التوهج كلما كان مبحراً صوب مرفأ زمنى عائم ، ليتبادل معه الحركة عند كل دوران وجودى ، ليبدو كغواص ماهر يعى جغرافيا القاع ، فيتجه إليه بعد اختراق سطح الماء فى أية لحظة يبغى فيها بناء أفق جديد .. ولاأدرى لماذا فى هذا الظرف الحرج من حياة الأمة ، هرول قلمى إلى أحضان أعمال الفنان الكبير رؤوف رأفت (1948م _ 2005م ) ، ربما لأنها تشاركنا الآن أنات الوجع ، وتنتزع من صدورنا ذلك الصراخ المحبوس ، ومن حلوقنا تلك الزفرات المحمومة ، مثلما تشاطرنا أيضاً تهاليل النصرعلى نظام فاسد .. ولكن المؤكد أن هذه المسطحات الملتهبة إتكأت على واقعنا الراهن ، رغم إنجازها منذ وقت فائت ، بما يفسر أنها كانت تقف فى المنطقة الإبداعية الإستشرافية التى تميز رؤوف منذ انتمائه للحركة التشكيلية بعد تخرجه من قسم التصوير بمعهد ليوناردو دافنشى عام 1973م ، ورغم هذا فقد خاض المجال التطبيقى العملى ، إرتكاناً إلى دراسته الفنية ، حيث عمل مديراً عاماً لشركة ” سنتر لاين ” للتصميمات والطباعة عند منتصف السبعينيات ، ثم عمله كرسام صحفى بمجلة أكتوبر بين عامى 1977م ، 1981م ، بما أكسبه مزيجاً من مهارة التصميم الفنى وطزاجة الرسم الصحفى وحيوية البناء التصويرى ..

فإذا دققنا فى أعمال رؤوف التى أنجزها بين عامى 1999م ، 2000م ، سنجد أنه يرتكن فى بعضها إلى الرسم بالأحبار والأقلام الرابيدو على الورق ، بينما يعتمد فى أغلبها على مهاراته التقنية فى التصوير الزيتى والإكريليكى على التوال والكرتون ، حيث يندفع عبر تلك الوسائط المادية بطاقته التعبيرية الجامحة خلف كواليس السيرك ، كملهاة مسرحية شعبية شائعة ، يستطيع من خلالها الإشتباك مع الوجدان والعقل الجمعى ، علاوة على أنها قناة جيدة لتمرير أفكار الفنان عبر الرمز المانح لحرية التأويل عند مستويات التلقى المختلفة ، سيما وأنه يمتلك وعياً سياسياً حريفاً ، وهو مايمنحنا حق الإصطلاح على أعماله ب ” التعبيرية السياسية ” كفضاء حر يولف فيه عناصره العضوية والهندسية ، ليصنع منها نصلاً حاداً يرشقه فى حائط الخنوع ، مصحوباً برسالته المباغتة مفتوحة الدلالة ، والتى يشكل مهرج السيرك ( البلياتشو ) فيها عمود الإرتكاز التعبيرى ، حيث يدفع به رؤوف إلى بؤرة الرؤية ، ثم يحشد حوله بقية العناصر ، لإطلاق روح الفكرة من خلال سماته الشكلية والضمنية المألوفة فى التراثين المصرى والعالمى .. لذا نجد الفنان أحياناً يكثف رمزيته فى قطعة من ملابسه ، مثل الطرطور ، أو ملمح من تضاريس وجهه ، كالأنف المتكور والشفاه الغليظة ، وهو مايشير إلى مرونة وتمكن بالغين فى توظيف الدالة التعبيرية .

وشخصية المهرج عند رأفت تتأرجح فى إيماءاتها بين الملهاة والمأساه .. بين حرية الجسد وأغلال الروح ، حتى أنه يرسمه بريئاً كالأطفال تارة ، ومصفداً كالأسير تارة أخرى ، إذ يبدو للحظات على قمة المشهد كحاكم متسلط وطاغية أبله ، ثم ينحدر لقاعه مقهوراً ذليلاً تحت وطأة حراب الكرسى . . وتكاد تشعر فى كثير من الأعمال أن ذات الفنان تتوارى خلف شخصية المهرج ، وتحرك من خلالها دراما الصورة وفورانها التعبيرى ، بما قد يفسر ارتداء المهرج دوماً لذلك الرداء ذى الصبغة الشطرنجية التى يكسى بها رأفت أركاناً بارزة فى مسطحاته التصويرية .. ففى عمل ” إستجواب ” يظهر المهرج فى أسفله بجانب دراجته ، وهو فى حالة إنفعالية ، سقط على أثرها طرطوره الأحمر ، وغاص فى الخلفية الشطرنجية الضبابية ، بينما بدت فى أعلاه أنهر ثلاثة محشوة بنماذج نحتية تتراوح هيئتها بين وداعة الطيور واستكانة القدور ، فى تناغم إيقاعى يجمع بين دورانها الجسدى و خمولها الروحى ، ويتجلى هذا فى وجه الرجل المهرج الذى يختلط فيه الجهل بالإنتهازية ، كمزيج سيال يغمر حياتنا النيابية ، وهو ما يتأكد فى عمل ” المبايعة ” المنفذ بتقنية الرسم بالحبر الشينى على الورق عام 1991م ، والذى يكشف عن القاعدة الفكرية والمنهجية لمنجز رؤوف الإبداعى ، حيث يجسد الحاكم ملفوفاً بأغلال شريطية فوق بزة أنيقة ، يظهر منها رأسه الفاقد للملامح ، والذى بدا هدفاً لمنقار ذلك الطائر المجرد المثبت من جناحيه بمسمارين ظاهرين ، وكأنه فى حالة إصرارعلى الأكل من دماغ ميت ، بينما جلس فى قاع المشهد ثلة من البشر ، بدت البلاهة على وجوههم ، متمثلة فى جحوظ عيونهم وغلظة شفائفهم وانبعاج رؤوسهم ، وقد انبروا فى التصفيق التلقائى ، دون الإلتفات إلى القابع على المنصة ، حيث ظلوا ينظرون إلى بعضهم بجهل متجذر فيهم ، جعلهم كمنحوتات خشبية تتوحد فى ملمسها وحسها وعقلها مع كراسيهم التى يجلسون عليها ، لذا فربما أفصح الفنان فى هذا العمل عن القاعدة الفكرية التى بنى عليها ملامح السلطان فى معماره التصويري اللاحق ، حيث شهوة السلطة التى تغلل جسده وعقله ، وتميت رأسه ، لتحولها إلى منهل للطيور الجارحة ، وهو مايرسخ له رؤوف فى المشهد بانصراف أنظار الجماهير عن ذلك القائد المغلول ، والذى بدا فاقداً لكل صلة معهم ، بعدما دفعهم لغياهب جب الغيبوبة التى جعلتهم يصفقون ويهللون ، خارج دائرة الوعى السياسى .

وفى مجموعة أعمال للفنان تحت عنوان ” من خفايا السيرك ” يظهر المهرج فى حراك إنسانى ينزاح معه الرمز مثلما يقتفى الظل أثر الضوء ، فتجده فى عمل ( 1 ) مرة غارقاً فى قبلة توحدية مع جسد أنثوى بض ، بين عدة لقطات لأجساد أنثوية شهية ، بعضها يركب جواد الرغبة ، والآخر يتلوى لاهياً كالأفعى ، وكلهن يسبحن فى جو أصفر عاصف ، وأسفل العمل يقبع وجه المهرج ، مستحماً بشلال ضوئى ، فى حين تبارح الصورة عجلة صغيرة على متنها طفل مرسوم بعفوية ، وكأن الذات تفر من صاحبها كما يفر الأسد من مروضه .. أما فى عمل ( 2 ) فينحنى المهرج مطأطىء الرأس تحت تأثير ضربة هائلة من قبضة شخص مفتول العضلات ، وأمامهما إحدى نساء السيرك ، وهى تتمايل مترنحة ، بينما اختفى وجهها خلف شعرها الطويل المنسدل ، وكلهم يغطسون فى فضاء أزرق متدرج الدكانة ، بما يوحى بالسقوط والإنهيار المتواتر .. وفى عمل ( 3 ) يبدو ذلك المهرج ذو الزى الأزرق الشطرنجى ، والراكع أمام نفس المارد وهو زائغ النظرات ، مصفداً بالحبال ، مستسلماً لمصيره .. وفى هذا البناء التصويرى يتجلى التجسيد الحى للمتضادات التى تسكن عبيد العروش ، مثل العنفوان والوهن .. العزم والدعة ، ليؤكدها تقابل بيولوجى آخر بين الثور العفى أعلى الصورة ، والقرد الذى يرتدى الطرطور على رأسه ، ويمسك الرق بيده اليسرى أسفل الصورة .. وهذه الأعمال الثلاثة ترسخ لتعبيرية سياسية لاذعة فى مشروع رؤوف رأفت الإبداعى ، عبر قالب بنائى رمزى مهجن بنوافذ متناثرة لأوجه متمايزة للتأويل . ويكرس الفنان لهذه القسوة الناعمة فى عمل ” لاعب الشطرنج ” الذى يظهر فيه ذلك الوجه الممسوخ ، والغارق فى مساحة حمراء دموية تكاد تبتلعه ، بينما ارتكن نصف رأسه الأعلى إلى رقعة شطرنجية ، ربض فى جانب منها قطعتا ملك ووزير بشكل متعاكس ، كرمز لتبادل الخداع بين الحاكم والبطانة .

ثم ينفجر بالون السخرية السياسية فى عمل ” صراع السلطة ” لاثنين من المهرجين يقفان فى يمين الصورة داخل طوق كبير على خلفية سوداء ، بينما فى اليسار يظل الكرسى الشطرنجى ذو الأرجل الرخوة هائماً فى مساحة ضبابية مضيئة شطرنجية أيضاً .. وفى هذا العمل يبرق الرمز ببعديه الجمادى والحى . . المادى والعضوى ، والبعدان يصبان فى بوتقة الرسالة التعبيرية السياسية ، والتى تعتمد هنا على المقابلة بين حركة المهرجين وسكون الكرسى ، كركيزة تاريخية تعد من أبرز معالم الميثولوجيا العربية .. وربما كان النسيج الشطرنجى الرابط بين الكرسى وخلفيته الضبابية فى العمل ، هو لتأكيد انسجام عرش الحكم مع فضائه الوهمى ، أما المهرجان والطوق ، فلترسيخ فكرة استمرار الكوميديا السياسية داخل بلاط سلطوى هش ، وهو مايتجلى على جسر الشهوة الإستبدادية الجوفاء فى أعمال ” داخل جدران السيرك ” ، ” خيال المآتة ” ، ” عرى السلطة ” كتجسيد لحالة الشبق نحو جسد العرش .. والمدقق ملياً فى أعمال رؤوف رأفت ، سيجد أن عناصر الدائرة والعجلة والطوق تمثل البعد الزمنى للصراع داخل رحم المشهد ، بما يمنحه دائماً الطاقة الثورية حسياً وحدسياً فى حالتى الحركة والسكون . ويظل رأفت يركض خلف المهرج ، دافعاً به إلى مركز التعبير فى أعمال ” حلم النجومية 1 ، 3 ” ، ” إنعكاس ” ، ” إعتقال مهرج ” ، مختبئاً وراءه تارة ، وموظفاً إياه تارة أخرى ، وهو ماظهر جلياً فى سمات المهرج الشكلية التى كشف بها عن بعض كنائن نفسه ، من خلال تصويره لعدة وجوه له بزوايا وبناءات وأداءات تعبيرية متنوعة ، بين سخرية ملهبة وبهجة وهمية وخوف مستتر وحزن دفين ( أعمال المهرج من 1 إلى 6 ) ، حتى يصل به إلى قمة الدراما الظاهرية والباطنية فى عمل ” حلم النجومية _ 2 ” ،

حيث يصوره داخل سراديب السيرك المظلمة ، مرتكناً إلى عجلته ، قابعاً تحت شلالين من الضوء الأبيض ، أحدهما سقط عمودياً على رأسه ، فى حين مال الآخر من أعلى صوب الضلع الأيسر للصورة ، وقد اخترقا السواد كشهب عابر أضاء حيز المشهد ، فى مباغتة خاطفة ، ورغم هذا فقد بقى طرطوره الأحمر كنار اندلعت فى جنح الليل ، وربما كان هذا التضاد الشكلى والضمنى بين النور والنار ، هو ماجعل العمل يقف على الصراط الفاصل بين حلمى البلياتشو المقبل والمدبر .. بين طمعه فى الخلود الأبدى على مقعد السلطة ، والحسرة الموجعة على الرحيل المنتظر .. ثم تتأكد فكرة هشاشة كرسى الحاكم البلياتشو فى عمل ” نهاية مهرج ” ، والذى يسلط الفنان فيه نفس الضوء على رأس المهرج ذى الأنف الحمراء ، وهو مسجى على ظهره ، فى إيحاء بالوفاة الإنسانية والسياسية ، لتتحول أدواته إلى أطلال متفرقة ، مثل الطرطور الملقى بجوار رأسه كتاج نزع من سلطان ، وملابسه المدلاة من الأريكة كبقايا كفن ، بينما كادت العجلة أن تخرج من يمين الصورة ، فى ترميز لزوال الملك ، والعمل يهبط بالدراما البصرية والروحية إلى سفح هرمها المشتعل ، فتنحو للإنطفاء مثل سيف غمد فى بطن الهزل السياسى . ويظل رؤوف رأفت يركض فى فناء الوطن ، تواقاً للحرية بصحبة ذاته الثائرة ، حيث يحاول وأد معاول التضليل الجماهيرى ، والتنقيب عن جسد الحقيقة عبر قارىء صحف السراب ، وذلك فى عمل ” البحث عن خبر ” الذى يجدل فيه ضفيرة إبداعية من الذات الفردية للفنان ومثيلتها الجمعية ، لمزيد من فاعلية الخطاب التعبيرى الرمزى السياسى الساخر ، من خلال ذلك الشخص المتصفح لجريدة باللون الترابى المصفر ، ترميزاً للتخلف الزمنى عن مواكبة العصر ، حيث احتوت على إيماءات تصويرية ، مثل علامة ( × ) والعين البشرية وأحد ألواح ضرب الرصاص ، وقد ربط بين تلك العناصر بخطوط متقطعة وسط حشد جماهيرى أسود غائم حول الصحيفة ، فى رغبة لتأطير لهيب سياط الحاكم الفكرية والمعرفية على شعبه ، مثلما بدا ذلك أيضاً فى عملى ” معاينة حادث فى الطريق العام ” ، ” إجتماع لجنة التخطيط ” .. ثم نجد الفنان وهو يميط اللثام عن سياط أخرى مازالت تلهب جسد الأوطان العربية ، كما بدا فى عمل ” رجل رقم 2405 ” ، إذ يكشف فيه عن قبح العولمة وتأثيرها على الخصوصية الإنسانية ، عبر ذلك الوجه الرجولى الذى بدا متحولاً إلى سلعة مرقمة ، رغم اكتسائه ببزة أنيقة ، ورباط عنق أحمر متوهج ، بينما احتفظ رأفت بمفتاحه الرمزى الماثل فى المنديل الشطرنجى المطل من جيب بزة الرجل ، فى إشارة لعدم انتهاء اللعبة بعد ، سيما وأنه استحضر فى يسار الصورة معادلاً رمزياً ، تمثل فى الشوكة والهرم الفرعونيين ، كجذور تقاوم فناء الجذوع . . ثم يؤكد الفنان هذا الصراع المحتدم بين المتاريس التراثية والعواصف الإستعمارية فى أعمال ” النسبة والتناسب ” ، ” الهدف ” ، ” عناصر من مخزون العقل ” ، ” البحث عن الذات ” ، حيث يبقى من خلالها على ذلك التناغم الموسيقى بين الرمزين الظاهر والباطن ، إلى أن يميل صوب نزع القناع الإمبريالى كاملاً فى عمل ” الحلم الأمريكى ” الذى يدفع فيه بتمثال الحرية الشهير إلى بؤرة المشهد ، فى هيئة عاهرة ذات ثدى ناهد عار ، وشفائف حمراء غليظة ، من أجل تجسيد حمأة رمزية صارخة لعهر الإدارة الأمريكية التى أمست تبيع الهوى للأمم العريقة ، وقد ظهر التمثال مرتدياً البنطال الجينز ، وعلى ساعده الأيسرالمرفوع لأعلى بعجرفة ، طبع العلم الأمريكى ، فى حين اصطف تحته طابور من البشر، كتبت أعلى ذراع كل منهم باللغة بالإنجليزية عبارة ( waiting ) ، بما يشير بوضوح للرغبة الأمريكية فى تركيع الشعوب ، بناسها وحكامها وتاريخها وجغرافيتها ، وهى الرؤية النبوئية التى أطلقها الفنان عند مطالع الألفية الثالثة ، وتتحقق رويداً حتى الآن على أرض الجبروت والطغيان ، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ، بعدما سقطت ورقة التوت عن عورة رعاة البقر والحكام العرب فى آن واحد .. ورغم رحيل الفنان الكبير رؤوف رأفت عن حلبة الدنيا إلى فضاء العالم الآخر فى عام 2005م ، إلا أن أعماله ظلت رابضة عند النقطة الحدية على المنحنى التعبيرى السياسى ، لتتبارى مع المتغيرات الزمنية داخل الملعب الشعبى ، مرتدية زى الوعى اليقظ المتربص دائماً بكل عشاق القهر والسحق الإنسانى ، عبر تسلح بالعزم العقلى والروحى المستعر الذى يعرى كتائب المهرجين ، ويطيح بكل الطراطير . محمد كمال دراستى فى جريدة القاهرة _ الثلاثاء _ 20 / 7 / 2004م نفس الدراسة بتوسع وإعادة صياغة _ مجلة أدب ونقد _ عدد يوليو _ 2011م