الرئيسية | فنون جميله | الفن السياسي في مواجهة قوة تأثير الصورة

الفن السياسي في مواجهة قوة تأثير الصورة

مقدمة: علاقة الفن بالسياسة , سؤال يراود نفسي في كل مرة التقي بها مع شخص يفتقد إلى الثقافة السياسية على الرغم من كل تلك الأحداث التي تحاصر منطقتنا والمؤثرة على حركة التاريخ الذي نعيش جزءا منه الآن ,ويتكرر السؤال عند زيارتي لبعض المعارض التشكيلية التي تعبر عن أفكار جمالية أو شكلية بحتة دون أي علاقة بوجهة نظرنا إزاء القضايا والأحداث السياسية والتطورات والمفاهيم الجديدة التي تولد كل يوم من حولنا.

ومن هنا تأتي أهمية الثقافة السياسية للفنان باعتباره إنسان متفاعل مع الثقافة السياسية السائدة في المجتمع والعوامل المحلية والدولية والمتغيرات وتطور الايدولوجيات الكبرى في الغرب خاصة وانعكاسات هذه التطورات على منطقتنا العربية, هذا الغرب الذي أسس لعلاقة قوية مابين الفن والسياسة ومن هنا ازدادت قناعتي إن الفن ليس فقط عبارة عن لوحة مشبعة بقواعد علم الجمال ,وألوان تلمس أرواحنا ومشاعرنا , وأفكار تذهب بعيدا بنا إلى عوالم حالمة ماورائية هربا من الواقع المعاش بغية إراحة الإنسان من مشاكل وتناقضات الحياة اليومية ,,إنما الفن هو الخوض في قلب هذه المشاكل ,,وإعادة تقديمها من جديد بهدف الوصول إلى حلول واقعية لمشاكل الإنسان لا الهرب به إلى عوالم لونية وفكرية حالمة , الفن اليوم غير منعزل عن الجدالات السياسية الكبرى الدائرة خارج مدينة أفلاطون الفاضلة التي هربنا إليها فنيا ,فالعصر اليوم هو عصر التواصل والانفتاح ,,وهذه الأحداث ستصل يوما وبكل تأكيد إلى مدينتا الفاضلة , وستقتحم ماورائياتنا ومخابئنا الحالمة, وستنتهك كل قواعد علم جمالنا , وألواننا الدافئة السعيدة التي اتخذت من جسد الأنثى على سبيل المثال مخبئا نختبئ فيه تحاشيا لأي مواجهة مع الأحداث السائدة.
إن الفنان اليوم هو إنسان متفاعل مع حركة التاريخ بموضوعاته الحياتية اليومية ذات العمق الفكري , ووعي الفنان السياسي هو وسيلة التعبير المطلوبة لتحقيق غايات الإنسان وحاجاته الملحة.
وهذا الفنان الواعي سياسيا يكون منسجما مع مقتضيات العصر عبر دوره الإبداعي والفكري الذي يترجمه بأشكال بصرية مختلفة, ليصبح راصدا لكل التحولات الفكرية والوجدانية والعقائدية من حولنا.
ومن المهم برأيي غرس هذه الرؤية وتفعيلها لدى دارسي الفن في مراحلهم الأولى في الجامعة, ومن هنا جاءت الدراسة التي أقدمها اليوم والتي تناولت فيها العلاقة مابين السياسة والفن ,, والتنبه إلى وسائل الإعلام التي تمرر أفكار الغرب ورسائلهم إلينا باستمرار عبر قوة تأثير الصور التي تبث وفق دراسة دقيقة أعدت بعناية لتصيب وعينا وذاكرتنا البصرية وبالتالي الفكرية لاحقا, ومن هنا تأتي أهمية أعمالنا الفنية البصرية الفكرية في الرد على وسائل إعلامهم السوداء ومواجهة التأثير البصري بالتحليل والتدقيق وبالتالي حماية وعينا الفكري والوجداني.
لابد أن تؤثر السياسة على كل ماهو حولنا , وعلى ممارساتنا الفنية , وأعمالنا الفنية, ولا أدعو هنا إلى إن يتحول الفنان إلى رجل سياسة, ولكن أدعو إلى ضرورة إن يتأثر وعي الفنان الجمالي والفني بمجريات الأحداث اليومية.

تصنيفات الفن السياسي:
تقسم الأشكال التقليدية للفن السياسي باعتقادي إلى أربعة أقسام
*فن الوصاية : فالفنان هنا يطيع رمزا أو شعارا مهيمنا ويصبح فنه فنا شموليا لايخرج خارج هذا الرمز أو الشعار, وقد يكون الشعار اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا أو ماديا.
*الفن المتواطئ: ويصبح الفنان فيه وبشكل طوعي أو قسري همه الأول إرضاء توجه معين أو ذوق عام تحت ضغط اقتصادي اجتماعي ما.
*الفن المعارض: وهو الفنان الرافض لفن الوصاية والفن المتواطئ ولأي فكرة أو واقع أو نمطية سائدة.
*الفن الملتزم: وهو الفنان الملتزم بالقضايا التي يؤمن بها أو فكرة أو مبدأ أخلاقي الخ,, والتي قد تتقاطع مع قضايا الوطن والأمة,وليس بالضرورة إن يتبنى الفنان الملتزم شعارا ما , وإنما يكفي إن يمارس فنه ضمن حياته اليومية المعاشة بكل ماتحتويه من تفاصيل يعيشها مع أبناء مجتمعه بشكل يومي.

كيف يكون الفنان سياسيا لا مُسيسا؟
بدا تحرر الفنان يتبلور في القرن التاسع عشر, وبدا يتمرد على كل القواعد الأكاديمية لتاريخ الفن على الرغم من حاجته الدائمة لها ضمن مسيرته الفنية, وفي ظل مانشهده من تقلبات تاريخية متناقضة مابين ازدهار وانحطاط , تحول الفنان الرافض لكل القواعد إلى ناقد, أو صحفي ناقل للأحداث اليومية, أو مراقب سلبي لها فقط, ومن هنا يأتي السؤال, كيف يمكن لفنان هذا العصر,الناقم على القواعد, الناقد, الصحفي, المراقب,الملتزم بقضايا حياته اليومية, المتأثر بمحيطه السياسي والاجتماعي والاقتصادي أن يكون فنانا سياسيا لا مسيسا ؟ كيف يمكن له من خلق واقع جديد وتغيير المفردات الفنية والجمالية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة بعمل فني ضمن صالة عرض فنية يديرها تجار من كل الأصناف؟
هل من الممكن إن يقوم الفنان بعملية الإبداع وهو تحت مجهر وسائل الإعلام المسيسة غريزيا والسوداء ثقافيا؟ وكيف يمكن له إن يخرج من الدوائر المقدسة التي رسمتها وسائل الإعلام تلك وفي نفس الوقت التمسك بذات المقدسات وحمايتها من وسائل الإعلام الآتية من خلف البحار؟
الجواب عن كل هذه الأسئلة ليس بسيطا ,,ولكن كمقدمة للوصول إلى تلك الأجوبة ,,لابد من إن يتحلى فنان اليوم بالواقعية التاريخية, الواقعية اليومية, لايكفي إن يقوم هذا الفنان بنقل هذا الواقع عبر منحوتاته ولوحاته إلى داخل صالة العرض, فيصبح مابداخل الصالة نسخة عما يدور خارجها.
إن المهمة الأولى لفنان اليوم وقبل عملية النقل هو وبكل تأكيد الاختصار,, اختصار كل هذا الواقع وكل تلك التفاصيل, وكل هذا التناقض ضمن عمل فني مقروء,,قريب من الواقع,, والاختصار هنا ليس تعقيد الأمور,, وإنما تبسيطها, والتبسيط هنا لايقصد به الابتذال والمباشرة والوضوح ,, وإنما إعادة تقديم حياتنا اليومية ضمن زاوية مختلفة صادمة قوية تجعل الناس يقفون عندها ليس بهدف تفسيرها ,,وإنما بهدف البدء بعملية التفكير,,بذاته,,وبالآخرين,,وبقضاياه اليومية,,وعندها سيحق لنا بالبدء في الحديث عن إمكانية تغيير الواقع.

ولأننا نتحدث عن الواقع , لابد لفنان اليوم أن يتداخل مع الفضاء المحيط به واستثمار الحيز المادي (ارض,شارع,زاوية,صالة,,الخ,,) والحيز الفضائي (وسائل الإعلام,صحف,انترنيت,,الخ,,) من اجل مشاركة فنية فاعلة يتداخل فيها الفن مع السياسة والاقتصاد ووسائل الإعلام وفق تناغم يحدده الفنان نفسه دون إن يصنف نفسه ضمن التصنيفات التي ذكرتها مسبقا للفن السياسي.
إن استثمار العمل الفني ضمن النسيج المحيط به هو شكل من أشكال الفن السياسي , ونقل الواقع بطريقة مختصرة عبر عملية تفاوض تبدأ على الأرض والمكان والزاوية التي سيتم بها انجاز العمل الفني وعرضه لاحقا وتنتهي بالنقاشات الجماعية التي سيولدها هذا العمل مابين الناس.
إن الخوف من تسييس الفن هو هروب من الواقع و تمهيد الطريق أمام الانعزال الفني وبالتالي الذهاب إلى عوالم حالمة لاتمت لواقعنا بصلة, لايجب أن نخاف من كلمة تسييس طالما إن الفنان هو مُسيَس نفسه ومُسَيس أعماله ضمن الواقع الذي يعيش به , إن كان التسييس خارجيا فسنتحول بكل تأكيد إلى عبدة مساكين لرموز مقدسة, أما التسييس الداخلي المتأثر بالواقع من حولنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا هو بداية صحيحة باتجاه تحسين حياة الناس وواقعهم, متحديا ومفاوضا في الوقت نفسه لوسائل الإعلام السوداء مع افرازاتها العولمية الآتية من خلف البحار, وابتزاز صالات العرض والمتاحف , وتعالي النخب الفنية والسياسية والثقافية والاقتصادية عند رؤيتهم لأعمال فنان شاب لايروق اسمه وحماسه وموهبته لديناصورات الفن الحديث والذين نعرفهم جميعا.

علاقة الفن بالسياسة
إن رؤية العيوب السياسية هو احد مجالات الفنون البصرية والتشكيلية,, فالسياسة تمارس من قبل السياسيون, والسياسيون بالنسبة إلينا هم صور تبثها وسائل الإعلام,, صور مدروسة جيدا على الطريقة الهوليودية القادرة على التأثير في وعي المتلقي,, ومن هنا تأتي أهمية الفن السياسي القادر على فهم واستيعاب هذه الصور والتصدي لقوة تأثيرها وتحليلها تحليلا فنيا وفهمها جيدا لنكون قادرين على منع تسلل معانيها السياسية ومرورها من خلال العين إلى تاريخنا وثقافتنا وحضارتنا.
إن الرد على وسائل الإعلام تلك,,وعلى قوة الصور يكون عبر اعمال بصرية ذات رسالة واضحة : كفى ,, دوافعكم ليست بريئة, وربطات عنق سياسيو الغرب الجذابة لا ولن تبرر حروبكم علينا تحت أسماء جميلة, حرية, حقوق إنسان, ديمقراطية.
من قال إن السياسة ليست حاضرة في المساحات الثقافية الغربية, ومن قال أنها ليست حاضرة في اكبر صروحهم الفنية والثقافية؟ وحاضرة في اكبر متاحفهم؟ من قال إن ترتيب اللوحات والمنحوتات في تلك المتاحف هو ترتيب فني جمالي فقط؟ إن السياسة حاضرة بقوة في أروقة هذه المتاحف التي رتبت ضمن معنى سياسي قد لايكون واضحا للوعي ,,ولكنه وبكل تأكيد مؤثر في اللاوعي على المدى البعيد, ولايقتصر الأمر على المتاحف, أيضا هناك صالات العرض, عرض الأزياء, الموسيقى الطرقية ,,الخ,,, اغلبها مُسيس بطريقة خفية متقنة على الرغم من الانطباع الجميل الذي تتركه عند الناس لدى زيارة هذه الأماكن والفعاليات باعتبارها مساحات تقدم للمشاهد تجربة شعورية متجددة .

في النهاية لامفر من الاعتراف بان السياسة حاضرة بقوة بيننا,, وهي ليست مجالا نمارسه في الدوائر والمؤسسات والمحافل السياسية المحلية والعالمية, وإنما هي نمط حياة يبدأ منذ الولادة وينضج داخل كل شخص ضمن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحيطة به.
يقول بعض السياسيون بان السياسة فن,, وأقول إن الفن سياسة,,, هما مترابطان بشكل وثيق , والدراسة التي أقدمها اليوم هي جزء من قناعتي هذه ,,القناعة التي تقول بان السياسة تظهر في الفن بشكل عفوي,,وتؤثر بها,, وبان العملية الفنية ضرورية عندما يمتلك صاحبها الفهم السياسي الكافي من اجل التصدي لأي طرح فكري مسيس هدفه تغييب الإنسان عن حقوقه وحضارته ودينه وثقافته.

الفن ووسائل الإعلام الغربية
في تجربة ذاتية بدأت منذ الولادة , وتبلورت منذ اليوم الأول لوصولي إلى فرنسا وتحديدا عندما صنف أحد أساتذتي في المدرسة الوطنية العليا للفنون في مدينة بريست ما أقوم به من أعمال فنية تحت عنوان الفن السياسي ,, وقفت طويلا عند هذا التصنيف ,, أسبابه ,, مصدره ,, ونشأته ومن هنا بدأت الحكاية.

أنا إنسان انتمي إلى منطقة الشرق الأوسط ,, والجميع يعلم أن هذه البقعة من الأرض تعد من أكثر الأماكن سخونة وغليانا وتعقيدا سياسيا واجتماعيا ودينيا , فالحروب عندنا لم تنته بعد , ومازالت الحقوق مغتصبة , والقضايا مبهمة , والمفاهيم مزدوجة وفوضوية كفوضوية الحرب ,, ومازلنا نعيش ثقافة الفعل ورد الفعل , والمعايير المزدوجة ,ننام على صوت قذيفة ونستيقظ على ولادة مفهوم جديد يبرر سقوط تلك القذيفة,نغفو على سقوط القنابل فنستيقظ على ولادة عمامة ودقن جديدة لم تكن موجودة أصلا, أي ببساطة مازلنا نعيش ثقافة الحرب في الوقت الذي قطع فيه العالم المتقدم أشواطا بعيدة في ثقافة الاستقرار والنمو والازدهار , وأصبحت الحرب بالنسبة إليهم ربما مجرد ذكرى يتذكرونها أو لا يتذكرونها عندما يمرون بجانب نصب تذكاري أو متحف ما يجسد تلك الحرب التي قامت وانتهت منذ زمن بعيد.وفي نفس الوقت يقومون بتغذيتها في مناطقنا عملا بنظرية الدوائر الوقائية ,فكلما اتسعت دوائرهم وابتعدت عن مراكزهم ,كلما ازداد أمنهم وتعزز ازدهارهم واستقرارهم , والدائرة هنا ليست مجرد شكل هندسي ,وإنما نهب واحتلال وقتل ودمار.

صدمتني وسائل الإعلام منذ اليوم الأول لوصولي إلى فرنسا , وزادت من حالة الضياع التي أعاني منها أصلا ,حاصرتني وسائل الإعلام تلك بما تبثه من قشور عربية وإسلامية معدة مسبقا لكي تظهر الواقع على عكس حقيقته تثبيتا وتبريرا لدوائرهم,ومن هنا بدأت الأسئلة, هل يجب علي أن اكتفي بمشاهدة وسائل الأعلام تلك؟ وأكتفي بحوار بسيط يظهر بعضا مما عندنا من ثقافة وحضارة؟ , أم يجب علي أن أدافع؟ ولكن أدافع عن من ضد من؟ ,, اولسنا جميعنا ضحايا هذه الوسائل؟ ,,, بدأت بطرح الأسئلة ,وكلما طرحت الأسئلة ازداد الحصار ,إلى أن اختصرت كل الأسئلة بسؤال واحد قد يكون صادما بالنسبة للكثيرين ,, ولكن كان لابد من نقطة بداية قوية أبدا منها ,, فكان السؤال الذي دفعتني وسائل إعلامهم السوداء إلى طرحه
هل أنا إرهابي يقوم برسم اللوحات ؟ ,, أم أني فنان يقوم بالإرهاب؟

الفن السياسي والحرب
كان لابد من تحديد موقعي ,فالحرب ورائي ,ووسائل الإعلام السوداء أمامي ,فكان لابد أن احدد موقعي بالنسبة لهما قبل كل شيء , فتح لي هذا السؤال أفاقا واسعة في البحث , بدا منذ تصنيفي كممارس للفن السياسي, ولم ولن ينتهي أبدا طالما هناك المزيد والمزيد من الحروب والكوارث , واستمرت الأسئلة

هل للحرب جانب جميل؟ أين علم الجمال من الحرب؟
من هو الإرهابي؟ ومن صنع الإرهاب؟
هل هناك حوار حضارات؟ أو صراع حضارات؟ وهل الحضارات تتصارع أصلا؟ أم أنها الثقافات والسياسات وحدها من تتصارع؟أم نحن حملة تلك الثقافة من بشر من يتصارع ويتقاتل.
من هما طرفا الحرب؟ وهل هناك طرف ثالث؟ من هو الضحية الحقيقية؟
أين أنا, وأين انتم من هذه الحرب؟ , والى أي طرف من الأطراف الثلاثة ننتمي؟ هل نستطيع أن نحدد موقعنا؟ وان حددنا هذا الموقع فهل هذا يعني بأننا صرنا طرفا ؟

واليوم , وبعد كل هذه التساؤلات ,قررت تسليط الضوء على ثقافة القوة , وعلى من يمتلكون تلك القوة ,وأصحاب القرار, واللذين هما طرفا الحرب دائما ,أما الطرف الثالث أي الضحايا قمت بتأجيل دراسته لإعطاءه الحق الكامل في البحث والدراسة لقناعتي التامة بأنه مشروع قائم بحد ذاته .
أما الآن سأركز على صراع القوى ولكن بشكل مبسط دون الخوض في لعبة المصطلحات ومن بدا أولا كمثال البيضة والدجاجة وهل الحرب نتيجة للإرهاب أم العكس , ومن هو الإرهابي ومن هو صانع الحرب , وأسباب نشوء كل منهما ,والتمييز بين الإرهاب والمقاومة , والخ من المفاهيم التي ساهمت في تضييع القضية على الطريقة الغربية على الرغم من تمسك قادتنا بتعريفاتهم حول كل ما سبق ,لأننا أبناء هذه المنطقة ,ونحن الأقدر على التعريف والتمييز,أما هنا فانا بصدد تبسيط القضية وتقديمها للإنسان الغربي البسيط وبشكل فني من موقعي كشخص يمارس الفن وليس إلى النخب السياسية والفكرية .
كان هاجسي منذ البداية هو المكان ,*,وهذا هو هاجس أي أجنبي يحمل ثقافة معينة يأتي بها إلى بلد ذو ثقافة مختلفة*, والعثور على هذا المكان , والمقصود بالمكان هنا هو المساحة العقلية أي المكان النفسي والعقلي والثقافي والحضاري قبل المكان السياسي والاقتصادي وهو ليس المكان المادي بكل تأكيد.
من يملك القوة ولا يستطيع السيطرة عليها لن يستطيع بكل تأكيد أن يجد له مكانا وموقعا ثابتا , وكلما زادت قوته كلما ضاق المكان به وأصبح بحاجة إلى مواقع جديدة من اجل توسيع هذا المكان بما يتلاءم مع قوته المتعاظمة ,ومن هنا جاءت حاجته إلى شن حروب جديدة دائما ,وخلق دوائر جديدة.
صاحب القوة تلك قد يكون ديكتاتورا يشعر بان مكانه وموقع كرسيه مهدد دائما من قبل أعداء النظام , وقد يكون صاحب القوة رئيسا منتخبا بانتخابات حرة يشعر بان الديمقراطية مهددة من قبل أعداء الحرية , أو قد يكون صاحب القوة تلك إرهابيا متطرفا يشعر ان كيانه الثقافي والديني مهدد دائما من قبل الأخريين المختلفين دينيا ومذهبيا وفكريا .

الجميع هنا يشعر بأنه مهدد وغير مستقر ,وغير قادر على تحديد مكانه بعد , ومن هنا جاءت الحرب , فالحوار بحاجة قبل كل شيء إلى أن يأخذ كل طرف كرسيه ومكانه على طاولة الحوار ,لكي يبدأ الحوار كل من مكانه المحدد .

لغة الجسد وأهمية المكان في الفن السياسي

من اجل هذا ركزت على أهمية تحديد المكان , وان نحدد جميعنا موقعنا تجاه هذه القضايا , لا أؤمن بكلمة حياد , فمن لا يريد أو لا يستطيع تحديد موقعه ومكانه سيكون ضحية بكل تأكيد, وعدم إيماني بالحياد هنا يختلف طبعا عن شعار بوش القائل من ليس معنا فهو ضدنا ,لأنه بهذا الشعار يخلق عدوا جديدا, أما حيادي أنا فقد جاء خوفا من إن نتحول إلى ضحية ,ضحية الشعارات كشعار بوش ,الذي صنف حياديتي النابعة من رفضي للحرب ومن أن أكون ضحية على أنها عداوة وطلبا للحرب ,وبناءا على هذا, إن قمنا بتحديد أمكنتنا دون أن نقرر أين نحن من تلك القضايا فسنكون ضحايا بكل تأكيد .
إن تحديد المكان هو شكل من أشكال التعبير ,, وللتعبير أدوات ووسائل غير منتهية , وفي هذا البحث قمت باختيار ابسط شكل من أشكال التعبير الإنساني , وهي حركة اليدين , تلك اليد التي أصبح لها علما وآلاف الكتب الخاصة بها لتفسير دلالاتها الرمزية نظرا لأهميتها في التواصل اللغوي الجسدي .
قمت بجمع آلاف الصور التي تظهر حركات أيدي زعماء ورؤساء من كل أنحاء العالم , وأيضا حركات أيدي رجال السياسة والاقتصاد والدين والاجتماع المؤثرة على حركة التاريخ والمجتمع, وقمت بدراستها جميعها دراسة فنية ونفسية , وكانت النتائج مذهلة ,كان لابد لي وقبل كل شيء أن أنسى وجوه السياسيين ,ومراقبة الأيدي بمعزل عن الوجه كي تكون الدراسة حيادية , فالوجه بصريا هو أيقونة جاهزة في ذاكرة الناس وثقافتهم , عند رؤيتنا لوجه جورج بوش مثلا سنراه قبيحا حتما ,لأنه ارتبط في ذاكرتنا وثقافتنا بالحروب والعدوانية وبالتالي لن يكون في وسعنا دراسة دلالات حركات يديه التعبيرية دراسة حيادية إن لم نقم بإلغاء الوجه ,وكذلك الأمر عند رؤيتنا لوجه مارتن لوثر كينغ والذي سنراه حتما وجها جميلا لما نحمله في ذاكرتنا من انطباعات جميلة مرتبطة بمبادئ لوثر السامية في مجال دفاعه الدائم عن حقوق الإنسان, وعند حجبنا للوجوه سنميز الفرق نفسيا بعيدا عن تأثير الانطباع البصري الجاهز , وللمفاجأة وبعد حجب تلك الوجوه لاحظت في بعض الحالات تقاربا حركيا مابين أحد دعاة السلام , ومابين أحد دعاة الحروب , ومن هنا يخطر ببالي السؤال, من هو الكاذب ومن هو الصادق وكيف نميز بينهما نحن كشعوب وكضحايا؟.
وبعد أن قمت بتعتيم الوجوه اكتشفت أن حركات الأيدي تلك الكثيرة والمتنوعة هي متشابهة عند الجميع في نهاية المطاف , فالديمقراطي والديكتاتوري , اليساري واليميني , الاشتراكي والرأسمالي ,الغربي والشرقي , المتطرف والعلماني ,جميعهم متشابهون في حركات أيديهم عندما يتكلمون من على منصاتهم إلى الشعوب , نعم قد تختلف فيما بينها ,فحركة اليد التي تعبر عن الحرية غير تلك التي تعبر عن المحبة ,ديمقراطية , حقوق ,عدالة ,حوار , كل مفهوم له حركة يد معينة ,ولكن النتيجة واحدة دائما ,وهي الحرب.
وفي الطرف الأخر , طرف الشعوب ,أي الضحايا ,تعددت أيضا حركات الأيدي في المظاهرات الرافضة للحروب ,ولكنها أيضا متشابهة في النهاية , انه الغضب فقط .
ومن هنا قمت بالتركيز على حركات الأيدي تلك , وعلاقتها بالأشياء المرافقة لأي خطاب سياسي أو ديني , ومع حركة الأيدي تلك ,كان لابد من التركيز على الأشياء المرافقة لأي خطاب سياسي أو ديني كالمنصة الخشبية مع المايكروفون على سبيل المثال , قد تبدو جديدة لامعة على شاشات التلفاز ,ولكن إن تخيلناها كائنا حيا ينبض بالحياة يمكننا عنذئد تخيل تلك الأشياء كم هي متعبة ,متهالكة ,تركت حركات أيدي رجال السلطة آثارها عليها , وكل تلك الحروب والصراعات والكلمات الرنانة التي لاتاخذنا إلا إلى الحروب قد ظهرت على تلك المنصة , وفي الطرف الأخر,طرف الشعوب والضحايا بحثت عما يقابل تلك المنصة شكليا وماديا ولفت نظري شكل التابوت الخشبي الأبيض المصنوع من الخشب والذي ينجز بشكل سريع من اجل تجميع بقايا الأجساد التي تعرضت لقصف من هنا أو هناك ,مع رمز يدل على رقم التابوت ,لا على اسم أو هوية الضحية,تلك الضحية التي نظرت إلى منصات السياسيين عبر شاشات التلفاز ذات يوم ,وراقبت حركات أيدي السياسيين المتصارعة ,والتي حددت موقعنا نحن الضحايا ضمن توابيت خشبية مرمزة .

تأثير الصورة واختلاف ثقافة الصور في الفن السياسي
كنت أظن بان للحرب مفهوم واحد يلتقي فيه الشرق والغرب , ولكني فوجئت بأنها ليست كذلك عند كل الناس وكل الثقافات , وشهد التابوت الأبيض الخشبي البسيط نقاشات حادة بيني وبين بعض دكاترتي في فرنسا ,فالتابوت عندهم هو ذلك الصندوق المزخرف الجميل المصنوع من شجر الصنوبر ,كان من الصعب إقناعهم بان الموت في الحروب عندنا مختلف عن ذلك الموت الهادئ الذي أتى على عجوز وقور في قرية جميلة بالقرب من شواطئ المحيط الأطلسي ,حاولت إظهار الموت عندما يأتي مع قذيفة في وسط الصحراء فوق رؤوس الأبرياء , ولان الموت هجم فجأة على قرويين أبرياء لا حول لهم ولا قوة ,ولد ذلك التابوت الخشبي المصنوع من أصناف خشبية عادية وعلى عجالة دونما زخرفة بغية استيعاب هذا الكم الهائل من الأشلاء المتمزقة , لم يكن من السهل إقناعهم بهذا التابوت ,وبهذا الموت ,ربما لأنهم بعيدون جغرافيا وثقافيا عن مناطقنا الساخنة ,وعن ثقافة الحروب ,أو ربما لأنهم يريدون وبكل بساطة نسيان كل تلك الثقافة ,والتي عانت أوروبا منها طويلا أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية ,,ومع ذلك كان لابد من لغة مشتركة أتحدث بها إلى الأخر وأستطيع من خلالها أن أوصل ما أريد فعلا قوله ومن هنا جاءت فكرة البحث بدلالة الصور التي نراها عبر وسائل الإعلام ,وحركات أيدي الزعماء ,على أمل إيجاد نقاط مشتركة ثقافيا عبر العين بما تراه من دلالات عبر الصور ,والجسد عبر حركات الأيدي , وكان التباين في الفهم الثقافي لدلالات تلك الصور وذلك الجسد تبعا لاختلاف الجغرافية مشوقا جدا من الناحية الفنية بكل تأكيد,وصولا إلى قناعة قد تتبلور عند الجميع باختلاف ثقافتهم بأنه ومع كل هذه التباينات هناك نقاط مشتركة كثيرة على اعتبار أن الحرب من الناحية الإنسانية وحتى الثقافية هي واحدة في كل مكان , فالإنسان هو إنسان مهما اختلفت الجغرافيا .

والآن , أتمنى من خلال هذا البحث أن اعثر على التساؤلات الكثيرة التي طرحتها , وان احدد مكاني وموقعي بالنسبة لهذه الأسئلة ,وان يحدد الجميع موقعهم ,لكي نكون قادرين على إجراء حوار ثقافي صريح وواضح دون الحاجة إلى اللجوء لحركات الأيدي التي لم نر منها سوى الكوارث ,,,
وان نتحدث عن ثقافة الحياة بعيدا عن أصوات القنابل والموت والدمار.

الخاتمة

تنوعت حركات أيدي الزعماء من على منصاتهم ,,وبحجب الوجوه أمكننا تفسير حركاتهم نفسيا وبسهولة اكبر ,,تعددت الشعارات وتلونت ,,, زعماء أمريكا اللاتينية يمتلكون حركات أيدي ثورية عفوية متحدية ,,وزعماء الولايات المتحدة يمتلكون حركات أيدي استعراضية مدروسة ومقنعة بالنسبة إلى الشعوب المدجنة ,,,إما حركات زعماء أوروبا فجاءت حركات أيديهم فيها مايشبه المسرح والأوبرا من موسيقا وتناغم مابين الفكرة والحركة ,,والنتيجة من كل هذه الأمثلة هي واحدة ,,الحرب فقط.
هذه بعض الأمثلة ,,ولا يقصد من هذا البحث التعميم أبدا ,,إنها محاولة بسيطة للخروج من سيطرة وسائل الإعلام بصريا وفكريا ,,, وان فرضت علينا هذه الصور ,,فلابد من دراستها دراسة محايدة بعيدا عن تراكمات الثقافة والذاكرة ,,حتى لانصبح عبيدا لتلك الصور وسجناء الأفكار المسبقة ,,مما يهيئ الفرصة أمام الآخرين في سوقنا ونحن منومون مغناطيسيا إلى حروبهم بصورهم وحركاتهم وخطبهم الرنانة أو طاولات حوارهم ونحن غائبون عن الوعي لأبسط حقوقنا ومتنازلين عما تبقى منها دون إن ندرك بأننا الضحايا ,,,نحن فقط الضحايا ,,وهم القتلة ,,فقط هم القتلة أصحاب الحروب.
إن امتلاك الفنان للثقافة السياسية , سيجعل منه واعيا لكل الصور التي تحيط ببصرنا في كل مكان , الصور التي تبثها وسائل الاعلام بطريقة مدروسة بهدف تدمير وعينا تمهيدا لشن حروب ثقافية واقتصادية وسياسية .
إن الفن السياسي هو سلاح فطري يمتلكه كل انسان ينتمي الى منطقة الشرق الاوسط , يبقى إن نعي اهمية هذا السلاح , وان نطلقه في اللحظة المناسبة ,عبر اعمال فنية بصرية قادرة على التصدي لحملاتهم البصرية والفنية اليومية.

أمية المقداد
محاضر في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق