الرئيسية | أرشيف | الفنان محمد حجي

الفنان محمد حجي

محمد حجّي … فنان زاده الخيال
– شغل الفلاسفة منذ آلاف السنين بالبحث في طبيعة الصدق وجوهر الحقيقة، وكانوا ينظرون دائماً إلى طلب الصدق على انه من أنبل مقاصد الإنسان .. وقد كان الوجدان الإنسانى تواقاً لمعرفة كل ما هو حقيقى .. قلقاً من اجل الوصول إليه .. على أن طبيعة الحقيقة هى استقصاء منطقى.. وقد يظهر أن البحث فى طبيعة الحقيقة عمل جمالى فى أساسه غير أن الحقائق ما هى إلا مدلولات لتجربة ذاتية مباشرة، ومن المميزات الخاصة بالفن التشكيلى انه يكشف هذه المدلولات بوضوح وتركيز ونقاء يرفعها إلى درجة خاصة من درجات الحقيقة وان الحلم أشبه
اليقظة وشبه الغموض الذى صاحب كتابات الروائى الكبير نجيب محفوظ فى `أحلام فترة النقاهة` المنشورة فى مجلة نصف الدنيا منذ يناير سنة 2000 وحتى الآن، قد تحول بيننا وبين رؤية الحقائق المحيطة بها وكأنها مجرد خيالات من الصعب الإمساك بها وهنا يأتى دور الفنان محمد حجى، الذى فتح أعيننا وخيالنا حتى صار ما يرسمه ويلونه له معنى حقيقى بالنسبة لنا، فإن الأشياء التى يحتويها كل رسم من رسومه التى ترافق أحلام فترة النقاهة تمتاز بأنها اكثر نقاء ودقة وتركيز من الأشياء التى نراها حولنا بالرغم من كونها فى النهاية من وحى الخيال لكنها تبدو وكأنها حقائق لا يرقى إليها شك، تمنحها شجاعة وقوة وتغدق علينا قدراً كبيراً من التمتع بالخط والشكل واللون.

– ولقد كانت طفولة محمد حجى هى المصدر الأول لهذه العناصر التى تتجول فى رسومه والتى رسخت فى ذاكرته أصبحت تميز أعماله حيث قضى طفولته وصباه فى الريف المصرى وسط دلتا النيل بالغة الغنى بالطيور والنباتات والفراشات والبشر، أما المصدر الثانى فهو تأثره بالرسوم الصخرية التى اكتشفت فى هضبة التاسيلى بجنوب غرب الجزائر والتى زارها الفنان مرتين، هذه الرسوم يرجع تاريخها إلى عشرة آلاف عام قبل الميلاد ويقول عنها بعض العلماء بأنها أحد مصادر الفن الفرعونى.
– وفى رأيى أن المصدر الثالث لرؤى الفنان محمد حجى الغنية هى ثقافته الموسوعية، بجوار تأمله الدقيق لفنون الحداثة التشكيلية وإطلاعه على إبداعات أساتذة الفن الكبار.
– هذه المصادر الثلاثة مكنت الفنان محمد حجى من ابتداع أسلوبا رمزيا استمد جذوره من تخيلاته الميتافيزيقية والأساطير القديمة التى تتماشى مع تفسيره الفلسفى لمصير الإنسان كما مكنته أيضا من التوصل لهذا الجو السحرى المغلف للعالم المرئى الذى يصوره فى رسومه .
– وقد أعاد محمد حجى تنفيذ رسومه التى رافقت أحلام فترة النقاهة على قماش التوال ولونها بالألوان الزيتية واختار لها مقاس المربع فى أحجام ضخمة مع إضافة بعض المفردات الضرورية لاستكمال الشكل العام، ونشاهد في النهاية لوحات الفنان وهى تطل من شرفته على المجهول مبتكراً عالما جديداً لم لم نشاهده من قبل … وهذه قمة الإبداع ويمكننا أن نصف محمد حجى بأنه فنان زاده الخيال وهو اصدق وصف لهذا الملاح الذى جذبه الفن لاغواره السحيقة.
الناقد / محمد حمزة

أحـلام معـتـادة
– كان الرسم الصحفى أحد علامات النهوض الفنى فى مصر منذ الخمسينات وحتى اقترب أواخر السبعينات من القرن الماضى قبل أن تنحسر مساحته في الصحف المصرية لأسباب عديدة. احترف الفنانين الأجانب هذا الفن فى مصر بداية من `ابن صنوع` فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى أوائل الخمسينات من القرن الماضى. ومع بداية ثورة يوليو التى أثرت تأثيرا عميقا فى تركيبة المجتمع المصرى وفى توجهاته اجتذب هذا الفن عدد كبير من انبع الفنانين المصريين اللذين حلّو محل الفنانين الأجانب. وتعد إنجازات الفنانون المصريون فى هذا المجال اكثر أصالة واكثر قربا من الناس والمجتمع كما أنها أيضا كانت اكثر تطورا من سابقيهم الأجانب. ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الحسين فوزى وسيف وانلى فى رسومهما لأعمال نجيب محفوظ، وحسن فؤاد فى رسومه لقصة عبد الرحمن الشرقاوى `الأرض` ومنير كنعان لوحاته عن العمل الفدائى فى القنال أثناء الاحتلال الإنجليزى .. وغيرهم كثيرون. ولقد تميزت أعمالهم جميعا بأنها أعمال فنية مستقلة بذاتها يمكن أن يتذوقها الإنسان بصفة منفصلة عن النص الذى ترافقه. وذلك لأن هؤلاء الفنانون كانوا يؤمنون بان المسئولية الفنية فى الرسم الصحفى اكبر منها فيما عداه، لان هذا الرسم يشاهده ألوف الناس كل صباح أما غيره فهو محدود المشاهدة، ومحدود التأثير. ولقد أخذت نصف الدنيا على عاتقها منذ صدورها أن تفسح المجال لهذا الفن المصرى الأصيل وأن تخصص من صفحاتها القدر الذى يتيح لجمهورها من النساء والرجال أن يستمعوا بجمالياته وهم يقرئون مجلتهم. ومنذ بدأ الفنان محمد حجى رسومه لـ`نصف الدنيا` التى رافقت أحلام فترة النقاهة لأديب مصر العظيم نجيب محفوظ فى يناير سنة 2000 والمستمرة حتى اليوم وهو يحافظ على نفس المستوى، ويقدم أعمالا فنية متميزة ومستقلة بذاتها عن النص الذى ترافقه وان كانت تعانقه فى حوار إنسانى عميق ولذلك فأنه من الطبيعى أن تتحول هذه الرسوم المعدة للطباعة إلى لوحات متحفية بكل المقاييس بعد أن عمل الفنان على تغيير مقاساتها وخاماتها وأعاد تنفيذها حتى تصبح صالحة للعرض على حوائط الصالات والمتاحف. وان مجلة نصف الدنيا وهى تقدم معرض الفنان محمد حجى تحت عنوان أحلام معتادة، إنما تقدم تجربة فنية رائدة تؤكد بها اهتمامها المستمر بالفن التشكيلى فى جميع تجلياته .
بقلم/أفكار الخردلى – رئيسة تحرير مجلة نصف الدنيا
مجلة نصف الدنيا
فنان يحلم بعيون يقظة أحلام وكوابيس محمد حجى فى مواجهة القبح
– عالم ضبابى غائم، تغلفه غلالة شفافة من الشجن والأسى الجميل، تتحدث فيه الزهور إلى الأقمار، وتقترن فى زواياه الطيور بالبشر ، تتهامس الأحجار مع النجوم وتتشكل النباتات والأشجار نساء جميلات فى الأفق فتخرج عليك امرأة من تقاطع الطريق تركب سمكة ويحمل الفارس الممتطى أوزة بعلم فلسطين وقد تحكى لك البطلة قصة حوارها مع الأسد ، إنه عالم الحلم الملئ بالرموز والأسرار والبهجة والحزن اللامعقول.
– هذا العالم الشفاف الشجى الجميل شكل ملامح تجربة الرسام محمد حجى الأخيرة، التى عرضت ضمن نشاط ملتقى `المغرب والمشرق`فى الكويت وضمت أعماله التى نشرت مصاحبة لـ`أحلام فترة النقاهة` لنجيب محفوظ، والتى عرضها `كلوحات زيتي` بمساحات أكبر، منفصلة عن النص `المحفوظى` مما ساعد كثيرا على تذوقها كمشروع فنى منفصل، خاصة وأن محمد حجى – كرسام صحفى – يرى أن الرسم الصحفى ليس مجرد ترجمة للنص الأدبى، بل إن الفنان أثناء العملية الإبداعية يستدعى مخزونة الثقافى والوجدانى الخاص ليتوازى عمله الفنى مع العمل الأدبى، أى أننا هنا بازاء عملين إبداعيين، الإبداع الأدبى والإبداع الفنى ،أى أننا إزاء حلمين لا حلم واحد، حلم نجيب محفوظ، وحلم محمد حجى.
– وبعيداً عن `النص المحفوظى` نحن فى هذا المعرض بازاء لوحات مستقلة تمام الاستقلال عن النص الأدبى يدفعنا استقلالها هذا إلى التعامل معها كمتذوقين من خلال `لغة الشكل` لتحليل بنيتها الفنية تحليلا ثقافيا فنيا نقديا كأعمال ذات وجود خاص بل ينبغى أن ننسى ونحن نشاهدها `نجيب محفوظ وأحلامه` تماما وأعتقد أن هذا قد تحقق لجميع المتذوقين من أول نظرة ألقوها على الأعمال فالحضور الطاغى لثقافة ووجدان وريشة محمد حجى قد حقق ذلك بنجاح كبير.
– عالم الأحلام :
– وقبل الدخول إلى عالم الحلم المرسوم فى معرض حجى أرى أنه من الضرورى أن نقف عند قضية `الحلم` كفعل إنسانى وفنى، فالإنسان ومنذ بدء الخليقة يعبر عن رغبته فى الانعتاق من أسر الواقع الدميم `بالحلم` بل إن هذا الحلم السحرى حرك خياله الكامن وفرشاته وأزميله وقلمه وأوتار آلاته البدائية التى شكلت ملامح فنونه الأولى، لتعبر عن رغبته العارمة فى التغيير وتشكيل عالم أفضل، وواقع أكثر جمالا، فالحلم والخيال معا هما الطاقة الكامنة وراء كل فن عظيم فبدونهما يفقد الفنان قدرته على التأثير، ويصبح مجرد مقلد أعمى للطبيعة، حتى أفلاطون الذى يعتبره مؤرخ علم الجمال `الأب الروحى` للأكاديمية المثالية، كان يؤمن بأن الفنان المبدع هو الذى يطور موهبته وروحه حتى ينبت له جناحان قويان يساعدانه على الطيران والانعتاق من الجاذبية الأرضية `عالم الظلال` ليحلق فى عالم الكمال المثالى كى يهبط مرة أخرى محتفظا فى `خياله الحلمى` بالجمال الأكمل وبعيداً عن رأينا فى الجمال المثالى الأفلاطونى نستطيع الجزم بأن الحلم طاقة إنسانية فريدة يستطيع الفنان وحده أن يفجر من خلالها آراءه وأحزانه وأفكاره وانفعالاته بل ويستطيع أن يشكل من تداعياتها مشروعا فنيا متكاملا كالمشروع الذى أنجزه الرسام محمد حجى، كما يحب أن يلقب نفسه.
– ورغم وضوح علاقة الفنان بالحلم والخيال فى تاريخ الفن إلا أن هناك `التباس` خطير أرى أنه يعطل عملية تذوق أعمال حجى الأخيرة ، فما أن نذكر `الأحلام` حتى يقفز إلى المشهد فرويد والفرويدية وتقفز أيضا السوريالية وكأن عمنا فرويد وصديقه أندريه بريتون قد سجلا `الأحلام` باسمهما فى الشهر العقارى ـ وكأن أى فنان يدخل اللوحة من باب `الحلم` مكتوب عليه أن يكون سورياليا ، دون أن يدرى أو يرغب .. المسألة `ملتبسة` وتحتاج إلى وقفه تأمل حاسمة.
– خاصة أن هناك إبداعات إنسانية عديدة منذ عصور ما قبل التاريخ اعتمدت على هدم `المعقول` المنظورى دون أن يصنفها مؤرخو الفن فى خانة `اللامعقول` أو السوريالية . فرسوم الكهوف فى حضارات ما قبل التاريخ تشعرنا بأننا إزاء أحلام ومشاهد مليئة بالفنتازيا فالكائنات طائرة لا تقيدها الجاذبية، كذلك رسوم `بهزاد` والمدرسة الفارسية التى زينت المخطوطات الإسلامية تشعرك بنفس الإحساس فهل إذا ما استلهمها فنان معاصر لابد وأن يوضع فى خانة المتأثرين `بشاجال` مثلا وسورياليتة ؟!
– المسألة بحاجة إلى وقفة خاصة أن محمد حجى قد ترك لأحلامه العنان فى معرضه الأخير مما يغرى الكثيرين بتصنيفه فى هذه الخانة بالذات ، ولكى نحسم الأمر، لابد أن نحدد المفاهيم. فليس كل من يرسم الأحلام `سورياليا` لأن السوريالية حدود ومجال حيوى واضح، بل وشروط أكثر وضوحا معرفيا وفكريا وثقافيا وفنيا.
– فالسوريالية كما عرفها `أندرية بريتون` هى `آلية نفسية ذاتية خالصة يستهدف بواسطتها التعبير إن قولا أو كتابة، أو بأى طريقة أخرى عن السير الحقيقى للفكر، إنها إملاء من الذهن فى غياب كل رقابة من العقل وخارج أى اهتمام جمالى وأخلاقى`.
– أى إن السوريالية كما عرفها بريتون هى انعتاق مطلق من كل عرف، بما يكفى للحيلولة دون إحضارها فى محاكمة العالم الواقعى كشاهد دفاع. أى إنها لا يمكن أن تبرر سوى حالة الانفصال التام عن الواقع التى هى هدف أساسى للسوريالية.
– وهذا يتناقص شكلا وموضوعا مع محمد حجى الواقعى المنتمى إلى ميراث شعبه الثقافى والمنحاز إلى المرجعية الفكرية الثقافية العربية والذى يؤمن بالعقلانية فى مواجهة إشاعة `الخرافة` فى مجتمعنا.
– خاصة أن السوريالية موقف فلسفى يخاصم العقل الذى أفرزته الثورة الصناعية وحروب الرأسمالية الأوروبية، لصالح تمرد الحلم واللاوعى، فهى تمرد دائم، وتخريب منظم كما يقول بريتون بل هى على حد تعبيره `النزول إلى الشارع وإطلاق النار عشوائيا` .
– وكما أسلفنا يتناقض هذا التمرد التخريبى مع تكوين محمد حجى الفكرى خاصة وأن رسومه الصحفية منذ الستينات وحتى الآن ملتزمة إلى حد بعيد بالواقع، ومنطلقة من إيمان عميق بدور الفنان (الجدلى) مع مجتمعه من أجل تغييره وأن الفن فى حد ذاته رسالة (ثورية) فهل تنازل حجى عن واقعيته وتخلى عن مفهومه الثورى للفن؟
– اللهم اجعله خير :
– المدخل الوحيد للإجابة على هذين السؤالين ،ومحاولة تفسير أحلام وكوابيس محمد حجى الفنية، هو البحث عن الجذور، فالرجل لم يتخل عن واقعيته ، أو ثوريته ولكنه مع نضج التجربة الفنية أصبح أكثر حرية وأكثر قدرة على الغوض المتأمل فى الواقع ،وأصبح يمتلك قدرة على شجاعة التعبير عن `المكنون الكامن` فى قاع الواقع وآلياته ، فحجى كفلاح `دقهلاوى` أصيل اكتشف أن الحلم هو الضيف اليومى الذى يحل على أحاديث `العشاء` فى الريف المصرى يدخل الى الحوار اليومى بعد العبارة السحرية `خير اللهم اجعله خير.. أنا شفت فى المنام .. وتبدأ الأم فى السرد ويدور حوار الجالسين حولها محاولين التفسير، وفق رغباتهم وآمالهم وأمنياتهم وما أن ينتهى حلم الأم حتى تبدأ أحلام الجالسين تتوالى، أحلام متشابكة أبطالها من الغائبين والراحلين، وأولياء الله الصالحين والجيران أو البهائم والأشجار والطيور، تأتى لتحسم خلافا على بناء جدار أو زواج أو سفر يترجمها الرواة والمفسرون والأصدقاء وفق مقتضى الحال وعلى ضوء ما يتمنونه فى الحياة، هذه الخلفية الاجتماعية البيئية التى استطاع محمد حجى أن يستحضرها من مخزون طفولته بوعى ليمزجها مع حكايات التراث الغرائبية فى ألف ليلة وليلة، والسير والملاحم الشعبية ويخلطها برسوم الكهوف البدائية التى تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، ليشكل `عجينة ضخمة` من الحكايات والخيالات والأحلام يغمس فيها فرشاته فيعبر من خلال قدرته الأدائية العالية فى `التصميم` وبراعة البناء المعمارى للوحة، عن أحلام وأمنيات وآلام وأحزان واحباطات الإنسان المعاصر فتأتى اللوحة محملة بالشجن ،أو الألم أو الفزع وعبر أبجديات الشكل من لون وخطوط وكتلة وفراغ وتوازن .. يصل الى لغة شكلية تستطيع أن تخاطب المشاهد بسهولة ودون أى تعقيد مستغلا براعته فى التشخيص وإتقانه الأكاديمى للنسب، فى تفكيك العلاقات الواقعية بين الأشياء وإعادة تركيبها بطريقة تبدو خيالية، وتبدو حلميه، لكنها رغم خيالها الجامع وحلميتها المتمردة تحتل مدارا واقعيا جديدا أو بتعبير أدق تصبح اقتراحاته ذات وجود واقعى خاص وكأن `الفانتازيا` هى الواقع نفسه، فتشعر مثلا أنه من الطبيعى أن يركب الرجل والمرأة سمكة كبيرة يتنزهون بها فى قاع بحر غامض أو أنه من الواقعى تماما أن تصبح النباتات نساء جميلات فى آخر الأفق وربما كان من المفروض أن يكون `الديك` المزركش` أكبر من أهرامات الجيزة، وأنه من المفروض أن يركب المقاتل الفلسطينى أوزة ليحارب بها العدو الصهيونى هنا يصبح `الحلم` حيلة فنية يقصد به الفنان تحليل الواقع بعناصره، والغوص فى مكوناته بغرض إعادة ترتيب المشهد الواقعى `المختل` لفضحه أحيانا، وإدانته أحيانا أخرى أو التبشير برؤيا تستشرق آفاق مستقبل جميل تحلم به البشرية، وهنا بالتحديد تكمن `ثورية` حلم محمد حجى، وتكمن أيضا خصوصيته الفارقة التى تفصله عن `السوريالية` فالفنان السوريالى يرسم `بعفوية` ويترك العنان للاوعى كى يرسم نفسه على سطح اللوحة، كما يقول `بريتون` لابد أن ترسم الفرشاة ما يريده اللاوعى دون أى وعى، ولابد أن تكتب الجملة التى تليها.
– ولكن محمد حجى يحلم (بعيون يقظة) ويستخدم الحلم `كقناع` أو `كحيلة فنية` ليكشف `بوعى` عن قبح الواقع، ودمامته أو كما أسلفت ليحلم مع متذوقيه بواقع أجمل وأكثر بهاء للشعوب المقهورة؛ وهنا تظهر بوضوح `واقعيته السحرية` المعتقة؛ التى شكلتها أحلام الريف المقهور، وأحلام حكايات الجدات، وأبطال الملاحم الشعبية البواسل، دون افتعال أو إعادة إنتاج، إننا نشم رائحتها فى الألوان والخطوط والتكوينات دون أن نراها، إنها حاضرة غائبة أو غائبة حاضرة لتعبر عن انتماء الفنان الحضارى، ووعيه بواقعه المعاصر، وإيمانه العميق بأن الفن رسالة تستهدف تطهير الروح والتعبير بجمال جميل عن أحزان وآمال البسطاء وأعتقد أنه نجح إلى حد بعيد فى إشاعة هذه الروح الرمزية الساحرة التى تصل فى ذروتها إلى الملحمية المستوحاة من الميراث الحضارى الضخم للفنان ، فتصبح هذه الملحمية فعلاً ثوريا فنيا جميلا يأتى بتلقائية دون افتعال وأعتقد أنه تحقق فى أغلب لوحات المعرض.
أسامة عفيفى
مجلة شموع
` لقاء الأحلام ` بين نجيب محفوظ ومحمد حجى
– فى تاريخ الفنون ظاهرة حميدة .. هى ظاهرة التآخى والتفاعل بين الأشكال المختلفة للإبداع .. خاصة العلاقة التناغمية بين الأدب والفنون الجميلة .. بين الكلمة والصورة ، والمعروف أن مكونات الشعر الأساسية وهو من فنون الكلمة، الموسيقى والإيقاع و` الصورة ` .. ومن القديم وفى كل الحضارات والثقافات، وخاصة فى الفن العربي الإسلامى، تلازم الفنان، الكلمة والصورة فى المخطوطات القديمة التى ضمت النص المكتوب إلى جوار الصورة المنمنمة المصاحبة له.
– وفى العصر الحديث كانت العلاقة الحميمة بين الأدب والفن سببا أساسيا فى ظهور المدارس الحديثة فى كليهما، وأبرز مثال على ذلك العلاقة التبادلية بين شعر `آندرية بريتون` مؤسس الحركة السريالية ومنظّرها وبين لوحات الفنانين السرياليين ومن أبرزهم `سلفادور دالى`
– ومؤخرا ( فى السبعينيات من القرن الماضى ) أنجز الفنان العراقى ضياء العزّاوى مجموعة رسوم قيمة مستوحاة من شعر أبى الطيب المتنبى.
– وفى نفس الفترة ( عام 1971 ) اتفق الأديب والناقد رجاء النقاش مع نجيب محفوظ على نشر مجموعة كتاباته المعروفة باسم `المرايا` وقد طلب رجاء النقاش من الفنان أحمد فؤاد سليم ترشيح فنان كبير ليضع رسوما تليق بهذه الكتابات التى كانت تصف بعض الشخصيات الهامة بطريقة غامضة، لا تفصح عن اسم صاحب الشخصية، وقد رأى أحمد فؤاد سليم أن فنان الإسكندرية الكبير سيف وانلى هو الأقدر على تصوير كتابات نجيب محفوظ. وقد سافر سليم إلى وانلى فى الإسكندرية حيث يقيم وتم إنجاز نشر الرسوم مصاحبة للنصوص فى عام 1971 بمجلة ` الإذاعة والتليفزيون `.
– ونحن نقدم هنا آخر التجارب فى مجال تفاعل الكلمة والصورة ..
– فقد تم الاتفاق بين الكاتبة والفنانة سناء البيسى رئيسة تحرير مجلة ` نصف الدنيا `.. وبين نجيب محفوظ على نشر ما يكتبه بعد توقفه عن الكتابة فترة طويلة ، وقع له خلالها حدثان مزلزلان .. حصوله على جائزة نوبل للآداب .. وتعرضه لمحاولة اغتيال (!!)
– وكان أول هذه الأعمال ما سماه محفوظ `أحلام فترة النقاهة` والتى بدأت المجلة نشرها فى أول يناير من عام 2000 ، أى فى أول أيام القرن الواحد والعشرين .. وكانت سناء البيسى قد زارت الفنان محمد حجى ، والفنان الصحفى الكبير الذى نشاهد أعماله على صفحات `وجهات نظر` منذ بداية صدورها.
– شاهدت سناء البيسى عند محمد حجى مجموعة من الرسوم بالأسود والأبيض تدور أيضا حول الأحلام، سماها الفنان `أحلام وكوابيس`.. وربما أوحت لها مشاهدة هذه الرسوم بتكليف الفنان بعمل رسوم تصاحب `أحلام` نجيب محفوظ.
– قام حجى بإنجاز (135) رسما نشرت على مدى أربع سنوات .
– كان حجى قد قام برسم `أحلامه وكوابيسه` أثناء إقامته وعمله فى تونس بجامعة الدول العربية عندما كانت هناك، وقد قام خلال هذه الإقامة بعمل دراسة لرسوم الكهوف فى منطقة `الناسيلى` (أى الصخور الملساء باللغة البربرية) والموجودة فى جنوب شرق الجزائر، ويعتبرها خبراء `فن الصخور` من أغنى وأنضج رسوم الإنسان الأول فى العالم ويعود تاريخها الى حوالى عشرة آلاف سنة وقد تركت مشاهدة ودراسة هذه الرسوم الفطرية أثرا هاما على أسلوب محمد حجى.
– وقد اختار الفنان مؤخرا مجموعة من رسوم الأحلام وأعد رسمها بالألوان الزيتية على لوحات مربعة (80 × 80سم) معتبرا رسومه التى أعدها للنشر بمثابة `لإسكيز` أو الرسم التمهيدى للوحات ..
– ويستضيف المجلس الوطنى للفنون والآداب بدولة الكويت لوحات حجى هذه لعرضها بقاعات ابتداء من السادس من ديسمبر من هذا العام، ونعرض مختارات منها هنا.
حلمى التونى
مجلة وجهات نظر 2004
فى معرضه الأخير تحرر من واقعيته محمد حجى : الدولة مسئولة عن عدم وجود مستهلك للفن التشكيلى
– محمد حجى خريج مدرسة الحياة قسم الرسم الصحفى الذى جعله قريبا من الناس والشارع والقضايا اليومية الساخنة، ولكن فى معرضه الأخير يعود للتحليق مع أحلامه وكأنها استراحة محارب !
– حجى حدد موقفه من الحياة عندما فطن أنه لم يختر الفن ولكن الفن هو الذى اختاره ولذلك لم يحاول أن يكون أى شئ آخر غير فنان خصوصا انه تخصص فى الرسم الصحفى الذى جعله موصولا بالشارع ومعجونا بترابه ومشاكله وقريبا من الأحداث ومتأثرا بوهجها .
– الرسم أو الفن لم يمنح حجى أفكاره وفلسفته فى الحياة ومنظوره الخاص الذى يطل من خلاله على العالم وجعله أقرب إلى مناضل أو ثائر ولكن أيضا قادة إلى عالم من الخيالات والرؤى والأحلام بالشكل الذى حوله إلى حكيم أو فيلسوف !
– وحجى – كما يقول – نشأ فى بيئة ريفية تعطى للحلم مكانة كبيرة فى تفسير الحياة وتعتمده أسلوبا فاعلا للتأثير فى مجرياتها لذلك `انصب اهتمامى منذ فترة مبكرة على ضرورة دراسة الأحلام وتأملها، وقد استطعت عبر دراسة علمية أن أفهم رموزها المعقدة وأن أفسر مداولاتها الملتبسة ومع ذلك لم يشغلنى هذا قط قدر ما شغلنى الإحاطة بعالمها السحرى المتحرر من كل قيد.. ذلك العالم الذى يشى بمعان جريئة وغامضة تقبع فى مناطق بعيدة عن أعماق النفس .
– ويضيف .. عندما بدأت أرسم أحلامى كنت فى قمة تمسكى ودفاعى عن المدارس الواقعية التى سادت فترة الستينيات من القرن الماضى حيث كنت أدرس فن التصوير فى كلية الفنون الجميلة وأعمل رساما صحفيا فى نفس الوقت.. ولم أحاول نشرها أو عرضها على أحد فقد كنت أشعر وكأنها متنفس لى مما أعانيه عند قيامى بتلك الرسوم الواقعية المكبلة بمتطلبات الطباعة وظروفها التقنية والتى لابد أن تراعى فى الوقت نفسه أحوال الصحف التى كانت تنشر بها وهى أحوال معقدة ومتنوعة .
– ويضيف : لقد كنت أتصور حينذاك أن أحلامى المرسومة أمر شخصى بحت لا يهم أحدا سواى وكان هذا خطأ لم أتنبه إليه إلا عندما كلفت فى السبعينيات برسم قصص الأنبياء لمجلة `صباح الخير` والتى بدت لى وكأنها أحلام إنسانية عميقة المغزى .. النصوص كتبها محمد جاد الرب وكانت نصوصا موحية غنية بالرموز والدلالات ثم تبعها تكليفى برسم مقالات الدكتور مصطفى محمود فى محاولته لـ`فهم عصرى للقرآن` .. هذه الرسوم حررتنى تماما من تأثير المدارس الواقعية التى كنت ألتزم بها التزاما شديدا فى عملى الصحفى وجعلتنى أحلق عن شوق ورغبة فى عالم الحلم، حيث تنتفى النسب والمسافات والأحجام وتتحرر الألوان من صلتها بالأشكال والتخلص من قواعد المنظور والأبعاد وكل ما يحمله الفنان على ظهره من قواعد الرسم .
– ويقول حجى عند هذه المرحلة بدأت أعطى اهتماما كبيرا لما لدى من مسودات وأحولها إلى رسوم متكاملة لأحلامى معدة للعرض أو للنشر إلى أن التقيت الفنانة والكاتبة سناء البيسى التى كانت ترأس تحرير مجلة نصف الدنيا وأطلعتها على هذه الرسوم وكانت قد اتفقت مع أديبنا الكبير نجيب محفوظ على أن تنفرد المجلة بنشر أعماله بعد حصوله على جائزة نوبل وكان أول هذه الأعمال `أحلام فترة النقاهة` التى كلفتنى بإعداد الرسوم المناسبة لها .. حدث ذلك فى الثانى من يناير عام 2000 أى مع بداية القرن الحادى والعشرين ومازلت أرسلها ثلاثة أحلام أول كل شهر .. وقد بلغت الآن 180 حلما ورسما .. واللوحات التى يتضمنها معرضى الحالى فى الأوبرا الذى يقام تحت رعاية الكاتبة الصحفية فى أفكار الخرادلى `رئيس تحرير مجلة نصف الدنيا الحالى ` قمت بتنفيذها بمواد أخرى `توال – ألوان زيتية – أكريليك` وعلى مساحات أكبر مستندا إلى الرسوم التى نشرت فى نصف الدنيا مرافقة لـ`أحلام فترة النقاهة` مستمتعا بما أمدتنى به هذه الأحلام من حرية لا حدود لها ومستعينا بما لدى من أشواق وما تجمع فى وجدانى عبر مسيرة الحياة من خيالات وأطياف .
– ولكن الحوار مع حجى بدأ من نقطة ساخنة بعيدة عن نعومة أحلامه ورومانسيتها حيث تطرح مسألة أساسية فى الإبداع .. نحن نبدع لمن ؟ ومن هو المستهلك الحقيقى لما نبدعه .. من وجهة نظر حجى أن الدولة هى المسئولة عن عدم وجود مستهلك حقيقى للفن التشكيلى .. لأنها لم توفر عددا كافيا من قاعات العرض يتناسب مع عدد السكان وبالتالى فالقاعات الموجودة ليست متاحة لمستهلكى هذا الفن فضلا عن أن اقتناء الدولة للأعمال الفنية ضعيف للغاية وهذا الاقتناء هو الذى يشجع على الإبداع فعندما لا تكون الدولة هى نفسها أكبر مستهلك للفن تصبح هناك مشكلة .. فالموسيقى والأغنيات وجدت طريقها إلى أكبر عدد من المستهلكين عندما كانت الدولة أول مستهلك لهذه الفنون !
– ويضيف : إن ندرة المستهلك جعلت قليلا من الفنانين يستطيعون العيش من ربع أعمالهم فمعظمهم ينفق وقتا أكبر للبحث عن عمل يدر له الدخل الأساسى الذى يعيش منه رغم أن الأساسى فى الموضوع هو ضرورة التفرغ للفن .. فضلا عن أن فنوننا جميعها أو معظمها مازالت تدور فى الفلك المحلى نتيجة عدم قدرة الدولة على تسويق هذه الفنون فى الخارج.. إضافة إلى نقطة بالغة الأهمية وهى أن وسائل الإعلام لا تلعب الدور المناسب فى ترويج الأعمال الفنية خصوصا بالنسبة للفن التشكيلى الذى مازال يعانى من أمية شديدة عن المتلقى .
– لم يكن ممكنا أن يحترف حجى عملا آخر غير الرسم الصحفى فهو لديه قناعة أن الفن اختاره لهذه المهمة وهو لم يختر شيئا ويقول `كانت لدى موهبة مبكرة فى هذا النوع من الرسم .. كنت مغرما بالرسوم والصور فى الكتب والمجلات..
– كانت نشأتى فى بيئة ريفية تحرص على الإبداع حتى لو كانت أذهان أصحابها بعيدة عن الفن ولذلك كانت دهشة الجميع عندما وافق والدى الفلاح البسيط على دراسة الفنون فى مصر فى وقت كان يحلم الجميع لأبنائهم بوظيفة `يأكلون منها عيش` .
– ويقول : كنت أرى أن الرسم الصحفى له مميزات قد لا تتوافر للفن التشكيلى الذى يكتفى بعرضه فى المعارض .. أولها قدرته فى الوصول إلى عدد أكبر من الناس .. فهناك الملايين الذين يطالعونك فى الصحف والمجلات فضلا عن الإحساس بالمسئولية .. وكونك لابد من أن تمتلك الجرأة والشجاعة للدفاع عن أفكارك، ثم إننى اتجهت إلى هذا الفن فى وقت كان يمر بأكثر عصوره ازدهارا وكانت هناك أسماء لامعة فى كافة الصحف والمجلات فهناك مدرسة روزاليوسف التى انتميت إليها حيث يوجد أسماء مثل أبو العينين وحسن فؤاد وجمال كامل وغيرهم وكان هناك منذ بداية الأربعينات فى دار أخبار اليوم رسام عملاق مثل كنعان وطوغان وغيرهما وفى الأهرام الحسين فوزى .. وكان هؤلاء جزء لا يتجزأ من منافسة الصحف والمجلات إلى أن جاء جيل من قادة الصحف غير مشغول بهذه القضية ولكنه مشغول بالحفاظ على انتماء الجريدة السياسى فضلا عن وجود مخرجى الصحف من خريجى كلية الإعلام غير المتحمسين لهذا النوع من الفن .. وبالتالى بدأ هذا الفن فى الانسحاب أو التوارى .
– ويرى حجى أن حق الكاريكاتير تأثر ولم يعد له دولته ونفوذه السابق واختفى أغلب رسامى الكاريكاتير الموهوبين والعظام ولم يعد هناك نجوم مثل صلاح جاهين وحجازى والليثى وغيرهم ولم تعد عينك تقع على كاريكاتير.
– حجى رأى فى هذا المناخ الطارد للإبداع أن عليه البحث عن حلول لا تضطره إلى تنازلات .. وكان هناك حلان .. الأول أن يرسم ويجمع ما يرسمه فى كتب.. ولكن لأسباب خاصة نشرت هذه الكتب فى الخارج .. خصوصا أن حجى شغل منصب مدير الشئون الفنية بجامعة الدول العربية الأمر الذى أتاح له فرصة أن يعيش فى تونس نحو عشر سنوات وهى السنوات التى شهدت إصدار أكثر من كتاب من خلال دار نشر تونسية منها كتب ورسومات عن طبيعة بعض بلدان المغرب مثل تونس وليبيا وهى مهمة جدا بالنسبة للسياح الأجانب وبعض هذه الكتب وزع نحو 35 ألف نسخة .. ومن أهم الكتب التى كان ينوى إصدارها رسومات مستوحاه من الآيات والقصص فى القرآن الكريم حيث استلهم معانى القرآن فى 33 لوحة ولكن الأزهر لم يوافق على الكتاب وبالمناسبة فإن الذى قدم هذا الكتاب هو وزير الثقافة الأسبق والمثقف الكبير ثروت عكاشة .. كان ذلك هو الحل الأول للهروب من هذا الجو القاتم فكريا وفنيا. وأما الحل الثانى فهو إقامة المعارض رغم أن فكرى كان يصطدم دائما بفكرة إقامة معارض دورية أو شبه دورية خصوصا أن هناك إدراكا أن سوق الفنون التشكيلية تمر بأزمة وافتقاد المستهلك منذ عصر الباشوات .. وحتى طبقة الباشوات القدامى كانت تفضل شراء الأعمال الأجنبية ويكفى أن نشير إلى أن محمود خليل الذى له فضل كبير على الحركة الفنية فى مصر من خلال متحفه الذى يضم أعمالا لفنانين عالميين كبار مثل ` جوجان ` و ` رمبرانت ` و ` فان جوخ ` لم يكن يقتنى أعمالا لفنانين مصريين إلا قطعة خزف للفنان سعيد الصدر .
– فى النهاية يقول محمد حجى : إنه ليس مهتما بتصنيف نفسه من حيث المدرسة أو الأسلوب فهذه مهمة النقاد وهو لا يريد أن يشغل نفسه بعمل يقع فى اختصاص هؤلاء النقاد وهو لا ينكر أنه تأثر بمدارس ورسامين عديدين وهو يحترم جدا فنانا مثل محمود سعيد .. ولكن إلى وقت قريب لم يكن يقتنى لوحة لأى فنان ولا حتى لنفسه حتى قامت بهذه المهمة السيدة زوجته وهى كيمائية ولكن تهوى الفن وتمتلك قاعة لعرض الفنون اسمها ` المرسم ` ..
– محمد حجى بعد رحلة طويلة من الرسومات الصحفية عاد فى معرضه الأخير إلى دائرة أحلامه .. يتأملها ويعيد صياغتها على نحو يفاجئنا ويدهشنا .
محمد مرسى
مجلة نصف الدنيا 2005
إطلالة على العالم الرحب للتشكيلى المصرى محمد حجّى: الفنان الذى حاول رسم القرآن .. فمنعه الأزهر
– يشهد الفنان والناقد التشكيلى محمود بقشيش بأن محمد حجى هو أمهر طالب التحق بكلية الفنون الجميلة منذ نشأتها بالقاهرة عام 1908 وحتى الآن، من حيث مقدرته الخارقة فى المحاكاة ونقل الواقع على سطح اللوحة جاء ذلك فى كتابة `نقد وإبداع` الصادر عن الدار المصرية اللبنانية عام 1997.
– والحق أن رؤية اللوحات ` الواقعية ` التى يرسمها محمد حجّى تصيب المرء بالدهشة لهذه الإمكانية المذهلة فى اصطياد أدق التفاصيل ، لكنها لا تغرق فى مستنقع الفوتوغرافيا الفجة ، بسبب شحنة الإحساس التى تسرى فى أوصال اللوحة. وإذا كان بقشيش قد كتب ذلك – وقد كان زميلا للفنان محمد حجى طوال سنوات الدراسة وتابع من خلال نشاطه النقدى الهام تاريخ الفنانين المصريين وإمكاناتهم ومواهبهم ، فإن الناقد الكبير بالأهرام حنين قد اخبرنى أن محمد حجى يستطيع أن يرسم أى شئ كما هو بالضبط وبمقدرة لافته للنظر ، هذه بداية كان لابد منها ، بسبب ما يروجه أصحاب السلطة التشكيلية فى مصر من أن ` المهارة ` وامتلاك الأدوات التقنية أمر لا ضرورة له فى العمل الفنى ! ودليلنا على ذلك هذه الجوائز السخية التى يغدقون بها على ` فنانين ` اتسمت أعمالهم بانعدام الحد الأدنى من أصول الصنعة !
بداية مشرفة
– فى إحدى القرى التابعة لمدينة المنصورة فى شمال الدلتا، ولد محمد حجى عام 1940 لأسرة بسيطة من فقراء الريف، وبدأ انشغاله بالرسم عندما كان طفلاً صغيراً، فقد اخبرنى : لا أذكر بالضبط متى بدأت امسك القلم والورقة لأرسم.
– فى عام 1958 التحق محمد حجى بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة ، وكان ذلك الحديث غريبا على أسرة ريفية فقيرة ، لا ترى مستقبل ابنها إلا فى المهن المرموقة الشائعة مثل الطب والهندسة والمحاماة مثلا ، ومع ذلك لم يعترض الأب رغم أن الكدر اعتراه .
– وكان انتقال الفتى محمد إلى القاهرة والإقامة فيها للالتحاق بالكلية يعنى مزيدا من الإرهاق المالى لاسرة ذات دخل شحيح، مما دفع الفتى إلى الاجتهاد حتى يحصل على مكافأة التفوق.
– قال لى محمد حجى : ظللت طوال فترة الدراسة احصل على المركز الأول ، وأتقاضى مكافأة شهرية لذلك قيمتها خمسة عشر جنيها مصريا ، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمان ، حيث أن راتب خريج الجامعة كان ستة عشر جنيها ،أى بفارق جنيه واحد عن مكافأة التفوق .
– واعتقد – والكلام للفنان الكبير- أن هذا النظام الذى وضع فى عهد عبد الناصر للمتفوقين الفقراء إمكانية مواصلة الدرس والاجتهاد فى ظروف اكثر إنسانية وكرامة أما بالنسبة لى – والكلام مازال لحجى – فأنا مدين بشكل شخصى لجمال عبد الناصر، أتمنى أن ارسمه وأنا احتضنه واحميه من أولئك الذين ينهشون ذاكرة منذ وفاته .. مثلما حمانى وأنا فى بداية الطريق` .
– بعد التخرج عام 1963 كانت مصر والأمة العربية تعيش حالة نهوض قومى منعشة، وأحلام العدل الاجتماعى تراود الناس والفنانين والمثقفين. ولم يكن أمام الشاب الواعد محمد حجى إلا أن ينحاز للبسطاء بحكم تكوينه الفكرى ووضعه الطبقى وحساسيته الفنية .
– اختار محمد أن يرسم فى الصحافة حيث وضع لى السبب :`الصحيفة يقرأها الآلاف بينما اللوحات المعلقة فى معرض لا يراها إلا العشرات`، وكانت مجلة `المنصورة` هى أول من استقبل رسوم محمد حجى ثم انضم إلى أسرة `روزاليوسف` ورسم فى مجلة `صباح الخير` ثم روزا بعد ذلك، تحقيقات صحافية باللون الأسود على سطح الورق الأبيض اثبت خلالها مقدرة فائقة فى التعبير المسلسل والممتع للقضايا التى عالجها.

– رسوم من ليبيا :
– فى عام 1973 خرج محمد حجّى مع الخارجين من مصر هروبا من بطش السادات، واختار العمل فى ليبيا التى استقر فيها أربع سنوات كاملة، كان من حصادها مجموعة كبيرة من اللوحات التى تصور مشاهد من الحياة اليومية فى ليبيا من أول الشوارع والازقة والحوارى، حتى الحرفيين والعمال والفلاحين ورجال البدو مرورا بالحيوانات والأسلحة المستخدمة والنباتات والأشجار والنخيل .. لقد جاءت هذه اللوحات التى جمعها فى كتاب فاخر الطباعة، يمتاز بالأناقة، لترسم بانوراما عريضة .. لرجل انفعل مع أهل البلد وقدر التعبير عما رآه، حيث جمع البلد كلها فى كتاب واحد !
– اللافت للنظر أن جميع هذه اللوحات قد نفذها باستخدام ألون `الفلوماستر` ذات الإمكانات المحدودة، حيث يصعب مثلا تنفيذ الظلال والدرجات اللونية بها، ومع ذلك فقد لاحت لنا هذه اللوحات كنماذج كامل الأوصاف، لما يجب أن تكون عليه اللوحة. ففى لوحة `منظر من ليبيا` نرى لقطة عامة تصور مسجدا بسيط البناء يحيط به من النخيل، بينما زرقة السماء تغلف المشهد كله . يهمنا فى هذا العمل شيئان، الأول هذه الطزاجة اللونية والدرجات الظلية التى حققتها ألوان الفلوماستر، خاصة فى قبة المسجد وسطح الأرض، أما الشىء الثانى فيتمثل فى قوة التصميم المدعومة بشبكة من الخطوط الجريئة والعريضة، والتى لم تصادر على تحقيق الانسجام بين مساحات الظل والنور، لقد تمكن الفنان الكبير فى هذه اللوحة، كما فى بقية اللوحات – من إخضاع الخامة العنيدة وتحطيم تمددها حتى لانت وكشفت له عن أسرارها الداخلية، واعتقد انه ما من فنان مصرى استطاع أن يصل بألوان الفلوماستر إلى هذا المستوى من المهارة والجمال .
– عند زيارتى لمنزل محمد حجى، تعجبت من عدد اللوحات الكثيرة المعلقة على الحائط أو مكومة فى ركن من الأركان، حيث أن تنوع المدارس والاتجاهات التى تمثلها اللوحات لشيء بان لها أكثر من صاحب، أو أن الفنان مازال يبحث عن طريق أو أسلوب يرتاح إليه … وكان لابد أن اطلب منه التفسير، خاصة وأنه اقترب من الستين سنة.
– قال محمد حجى : أننى أرسم … ولا اعرض، ليس تعففا، وانما واقع الحركة التشكيلية المصرية لا يسمح باستيعاب كل ما ينتجه الفنانون، بسبب انشغال الناس فى البحث عن لقمة العيش وتراجع الاهتمام بالفنون الجميلة فى العشرين سنة الأخيرة .. لذا – والكلام للفنان – فأنا اخرج من مدرسة لأدخل فى أخرى استجابة لتطورى الفكرى والفنى والانفعالى بالأحداث العامة والخاصة، دون أن أحظى بنعمة نقد لوحاتى، كل ما أفعله أنها تتكوم عندى ` شاهدت عددا من اللوحات تستلهم الحرف العربي ومن المعروف أن المدرسة الحروفية ظهرت فى العراق ومصر فى الخمسينات من هذا القرن الآخذ فى الرحيل، كتعبير تشكيلي عن هوية عربية، ثم لاقت رواجا فى السبعينيات عندما اقبل الخليجيون على اقتناء لوحات تحتفى بالحروف العربية، برغم أن معظم هذه اللوحات سقطت فى مستنقع الزخرفة والرياء عندما استهدف إرضاء المزاج النفطى!
– فى لوحة ` حروفيات ` قدم محمد حجّى صياغة فريدة لعدد من الحروف تداخلت وتشابكت وأنتجت تكوينا مثيرا اقرب إلى إيقاعات موسيقية تفوح فى الفضاء الرحب، شاهدنا فى حروف العين والباء والسين، تمتعنا بهذه الكوكبة من علامة التشكيل والنقط، خاصة وان الفنان التزم فى إنجاز هذا العمل على إبراز التوازن بين الكتل المختلفة للحروف، فضلا عن إدارة الصراع بين الظل والنور بحكمة وتمكن سمحت من استقبال لذة المشاهدة بيسر. وإذا كانت اللوحة السابقة قد أظهرت كفاءة الفنان فى تطويعه لألوان الزيت، فانه فى لوحة `الزهور الزرقاء` قد وصل بها مستوى رفيع ومشرق. فها هى مجموعة من الزهور والأوراق تحور شكلها قليلا تستولى على سطح اللوحة، تاركة مساحة صغيرة رمادية للخلفية، بينما بعض الوريقات الخضراء منثورة ومتداخلة مع غابة سيقان الورد. أن الملامس المتنوعة التى حققها محمد حجى منحت العمل ثراء ودفئا، خاصة انه لم يهمل أبدا القوانين التى تجعل من اللوحة متعة بصرية يجب الالتفات إليها .
– فى عام 1980 التحق محمد حجى بالعمل فى جامعة الدول العربية وهو الآن يشغل منصب مدير عام مطابع هذه الهيئة التى نتمنى أن يزدهر دورها فى هذه الأيام الشائكة !
– فى تجربة مثيرة وجريئة، خاض الفنان محمد حجى مغامرة لم تر النور، حيث عبر عن قراءته للقرآن الكريم بمجموعة من الرسوم الجميلة وجمعها فى كتاب `رسام يقرأ القرآن` لكن مؤسسة الأزهر الشريف رفضت الكتاب وصادرته، برغم أن وزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة هو الذى كتب مقدمة الكتاب ! ولقد كنت سعيد الحظ لأننى اطلعت على النسخة الأصلية لهذا الكتاب الفريد والذى حرمت منه المكتبة العربية بسبب ضيق أفق بعض الموظفين.
– يحتل فن البورتريه أو الوجه مكانا مرموقا فى خريطة إبداع محمد حجى فهو رسم آلاف الشخصيات منهم من حظى بنعمة الشهرة ومنهم ينتظر !
– وإذا أخذنا جمال عبد الناصر كنموذج لهذا الفن عند حجى، نكتشف مدى البراعة التى وصل إليها الفنان، من أول اصطياد الملامح حتى تعرية النفس التى تلوح فى التفاصيل الدقيقة، فوجه الزعيم هنا شامخ برغم الحزن الساكن فى العينين يستشرف المستقبل بنظرته الهادئة مع ابتسامة بسيطة محسوبة، نفذ الفنان هذا العمل بالحبر الصينى الأسود على ورقة بيضاء، وقد التزم محمد حجى التزاما صارما بانضباط النسب التشريحية للوجه، مع نزعة قوية نحو تأكيد حلاوة الظل والنور. أن وجه عبد الناصر بملابسة الكلاسيكية يمنح المتلقى ذكرى عطرة لزمن جميل رحل… زمن العزة والكبرياء.
– محمد حجى .. فنان نادر المثال، انشغل بالناس، وسعى نحو التعبير عنهم بإخلاص واستشهاد يعد بحق من اغزر فنانى مصر إنتاجا .. امتلك أصول الصنعة امتلاكا ، وحظى بموهبة خارقة وصبر راهب قديم، لذا جاءت لوحاته عامرة بالحلاوة والعذوبة، تفتن المشاهدين، ولا تحرمهم من متعة التساؤل، وإذا كان الناقد محمود بقشيش قد شهد انه امهر طالب كما قلت فى أول المقال، فاستطيع أن اشهد أنا أيضا بأنه اكفأ فنان، وأنه نموذج لما ينبغى أن يكون عليه الفنان فى العالم الثالث .. وأظن أننى لا أبالغ !
ناصر عراق
جريدة القدس اللندنية 1998
…عودة الغائب
– اختار الفنان `محمد حجى` موضوعاً لمعرضه الذى تحتضنه قاعة `أفق واحد` يمس أوتار أفئدة الأمة، وضميرها الحى الذى كشفت عنه الأيام القاسية الماضية بعد تداعيات محنة الشعب الفلسطينى البطل، حيث جاءت الأعمال لتساهم فى رسم جزء من تيار الوعى المتنامى لإبعاد الملحمة التى يسطرها كافة أفراد الشعب الفلسطينى، سواء كانوا أطفالا أو كباراً أو أمهات انفطرت قلوبهم على فلذات الأكباد .
– بحساسية الفنان ..تأتى المجموعة التى جسدها الفنان لتكشف بشكل جلى، تعدد صور النضال اليومى عندما صور الطفل الذى يواجه دبابة بحجر ، بينما أفترش طفل آخر النجيلة الخضراء لمذاكرة دروسه فى الوقت الذى خضع فيه طفل صغير لتدريب فتى على حمل السلاح، وجلس رضيع فى المواجهة، واتحد السلاح والابن والأم معاً فى جسد واحد، وارتفعت أصابع طفل بعلامة النصر، وتجمع الكل حول ألوان العلم الفلسطينى، وارتفعت الأيادى بالشهيد الجديد وأصرت الأم على إرضاع وليدها فى أتون المعركة، بينما نرى نظرات التحدى فى عيون طفل الانتفاضة، فيما انتظرت الفتاة بأسى عودة الغائب، وسجل الفنان عودة الطفل من المدرسة إلى المخيم الذى تباعد كأنه الأمل فى الغد .
– اتسمت أعمال الفنان بحساسية خاصة فى استخدام الألوان لتزاوج بينهما وبين المضمون، فلم تخرج عن ألوان العلم الفلسطينى على الرغم من الصعوبة التى تكتنف هذه المعالجة، إلا أنه التحدى الذى يتناسب مع الموضوع المفعم بالألم .
أ. د. / أحمد نوار

….فنان الملاحم الشعبية المعاصرة
– تثير حافظة الشعب العربى كل يوم .. كل يوم .. صور المجازر الوحشية للمحتل الصهيونى ..على أبناء فلسطين..التى نشاهدها على وسائل الإعلام المختلفة .. وما تفعله قواته المدججة بأحدث الأسلحة.. وبجوار تسديد بنادقهم فى صدور الشيوخ .. والنساء ..والشباب .. والأطفال.. يهدمون البيوت.. ويتلفون الزراعات .. ويقتلعون أشجار الزيتون .. حتى يجوع الشعب.. ولا يجد سبيلا غير الإستسلام.. أول الهجرة .
– ولكن الشعب البطل لا يزال صامدا منذ نصف قرن.. ضد هذا العدوان ..الذى لا يوجد له مثيل فى العالم بإنتفاضتة الملحمية الرائعة.. وابتكاراته النضالية التى بدأت بالحجارة.. وصولا إلى تصنيع المتفجرات اليدوية الموقوتة وإطلاق الصاروخين قسام (1 ) وقسام ( 2 ) فى مواجهة الترسانة الحربية الإسرائيلية.. وما لديها من أحدث أدوات القتل والإبادة من طائرات ..ودبابات ..وجرافات.. وسفن وغيرها .
– وهنا عبر الإنسان العربى ..عن هذه المأساة التراجيدية المستمرة فى الشعر والأدب والموسيقى والفن التشكيلى.. بأساليب واتجاهات متنوعة.. لنشاهد الفنان محمد حجى.. ينحو نحوا مغايراً ..فى إنتاجه رسوم غزيرة (تعد بالمئات) عن الإنتفاضة.. مسجلا بصدق الأحداث المتوالية للمأساة.. من خلال تتبعه اليومى لصور هبة الشعب.. وتشييعه المئات من الشهداء إلى مثواهم الأخير .. نتيجه لوحشية الجيش الصهيونى وصلف جنوده الغير إنسانى .
– إستخدم الفنان حجى الوسائط الحديثة.. من صور حقيقية .. يشاهدها كل العالم فى التليفزيونات.. والفضائيات ..والجرائد .. والمجلات ..فهو يعتمد على الواقع.. وليس على الخيال فى تجسيد لوحاته السريعة، التى تحمل شحنة كبيرة من وجدانه، تنعكس بشكل مباشر على المشاهد..كما تلهمه شخصياً .. لإنجازها فى لوحات صرحية ضخمة بالألوان الزيتية بعد ذلك .
– ولا نكاد نتعرف على ملحمة مأساة الشعب الفلسطينى التى سجلها بريشته على الورق.. ونستجلى رموزها حتى نستسيغها ونأنس لها ..ثم تنكشف شخصيته فى التعبير بالرسم .. بواسطة أقلام `الفلوماستر ` الصعبة المراس، والتى تظهر بين يديه وكأنها صنعت من أجل ابداعاته الفنية.. وأنها تلين أمام حماسه وعاطفته الصادقة نحو ما يقوم برسمه، وكأن محمد حجى يعيد صياغة الفنان الشعبى.. مع الفارق الثقافى.. والتقنى الكبيرين.. بأمانيه فى الحياة..ونهجه فى التعبير الفنى.. بصورة حديثة.. وكأنه ينقب وسط عالمنا وخباياه..عن معان مجازية مستترة وراءها ..فنراه يستعين فى حالات كثيرة بأشكال فى غاية البساطة… يرتبها وفقاً لنمط معين..كأنها لغة إشارات يحدثنا بواسطتها..فتأتى تعبيراته الواقعية فى مناظر آدمية مصاغة فى قالب بسيط قريباً جداً من فهم عامة الناس وحسهم .فهو لا يرسم أبطال الملاحم العربية.. عنترة .. أبو الفوارس ..أو أبو زيد الهلالى ..أو الزير سالم ..بل رسم أبطال الإنتفاضة من أطفال يلقون الحجارة.. أو شبابا يحملون السلاح .. أو يستشهدون من أجل قضيتهم التى يؤمنون بها..بالإضافة إلى الأمهات اللاتى يربين أولادهن وبناتهن ويرضعونهم حب الوطن .. ويدفعونهم للنضال فى سبيل الحرية.. والرجال الصامدون فى وجه الغاصب المستبد..
– إنه يجسد فى أعماله الفنية كل المفاهيم السياسية والاجتماعية النابعة من روح أهل فلسطين .. والسيرة الباحثة عن الحقيقة فى حياة الإنسان العربى.. كأنه الراوى..السارد لقضايا المجتمع .. حيث صاغه بأسلوب تنويرى جديد .
– لم يذهب حجى إلى الأرض المحتلة، سوى مرة واحدة، زار فيها غزة قبل حرب 1967 بأربعة أشهر.. ولكنه ذهب إلى الأردن عدة مرات، والتقى فيها بأهل فلسطين المهاجرين قسراً فى عدد من المخيمات وعاش لفترات متفاوتة مع رجال المقاومة الفلسطينية فى قواعدهم المتقدمة واختزن المأساة فى ذاكرته منذ احتلال العصابات الصهيونية لأرض فلسطين.. واستشهاد الكثير من العرب وعلى وجه خاص من أهل مصر ..أثناء الحروب المتعددة .. مع إسرائيل ..لدرجة أنه لا يوجد بيت مصرى لم يشترك أحد أبنائه فى تلك الحروب … وكان بينهم شقيق الفنان، الذى استشهد أثناء حرب الاستنزاف..فهل ينسى أى عربى أبطاله وشهدائه فى تلك الحروب والمجازر على أرض فلسطين وبلاد الجوار؟ ` ..خاصة وأن المعركة لم تنتهى بعد.. ومن الممكن امتدادها لتعم العالم العربى بكامله.. وما نراه اليوم .. من مجازر لا نهاية لها لأهل فلسطين من رجال وشيوخ ونساء وشباب..والأطفال فى أرحام أمهاتهم وما نتابعه يومياً من قوافل الشهداء إلى مثواهم الأخير كل صباح ومساء فى الأرض المحتلة ويؤكد ذلك حجى فى رسومه الملونة عن الإنتفاضة.
– لقد انحاز الفنان محمد حجى منذ بداياته المبكرة إلى البسطاء ففى قريته بوسط دلتا النيل، أستلهم من أهلها الرسوم الجدارية على الحوائط الطينية للقرية.. وكانت وسيلته الألوان الجيرية كما كان يفعل الفنان الشعبى فى موسم الحج.. ولكن بموضوعات تجذب الانتباه وبإسلوب جديد يجلب البهجة والمتعة.
– وعندما التحق بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة اهتم باتقان اللغة الأكاديمية..حتى تكون رسومه أكثر إقناعا.. وواقعية وفى `مجلة المنصورة ` قام بالتجريب فى الرسوم الصحفية المشفوعة بالتحقيقات التوثيقية القريبة من أهل الريف .. ثم وجد سبيله ومادته الثرية فى مجلة روز اليوسف على نطاق الأمة العربية فأخذ يجول ويصول فى موضوعات درامية محورها الأساسى الكادحين البسطاء. وأثناء عمله الصحفى فى ليبيا انجز كتابه الشيق ( رسوم من ليبيا ) الذى تضمن أكثر من 250 رسماً ( عن الحياة هناك ) عبر فيها عن البيئة العربية الصحراوية.. مصوراً خصائص حياتهم الشعبية..متعاملا معها بلمسات إنسانية رائعة .
– وبعدها صار فن الكتاب المرسوم هدفه ومناله..أثناء عمله فى جامعة الدول العربية مديراً للفنون والنشر .. ولقد شاهدت عن قرب آلاف الرسوم الملونة..وبالأبيض والأسود أيضاً .. التى لم ترى النور .. والمكدسة داخل البومات عديدة ضخمة .. شملت رسوم أخرى عن ليبيا .. وتسجيله للرسوم البدائية المكتشفة فى هضبة التاسيلى التى استوحى منها الغرب الكثير.. هذا بالإضافة إلى كتابه المرسوم الهام ( رسام يقرأ القرآن ) وهو أول كتبه المصورة وقد سبق أن نشرت هذه الرسوم مع مقالات للدكتور مصطفى محمود فى مجلة (صباح الخير ) وأيضاً كتابه الثالث ( شمال يمين ) والرابع ( ذكريات ريفية ) والخامس ( رباعيات عامية ) مستوحاة من أشعار عامية لابن عروس وغيره من الشعراء الشعبيين .
– أما كتابه (رسام يقرأ القرآن) فقد استطاع حجى بمهارة فائقة ترجمة أحاسيسه نحو القرآن من خلال ثلاثة وثلاثين آية اختارها بنفسه، وصورها فى لوحات غاية الروعة، ولقد تحمس الدكتور ثروت عكاشة لهذه التجربة الفريدة وكتب مقدمة الكتاب ولكنه للأسف أمرت إدارة بحوث الأزهر عام 1984 بمصادرته مع أنه يمكن أن يعد بحق أحد وثائق التنوير لتناوله معانى القرآن بأسلوب عصرى جميل.
– وهو يهتم الآن بموضوع `ضيوف أم هاشم ` أهل الريف البسطاء الآتون من كل قرى مصر للإحتفال بمولد السيدة زينب.. واقترابه من الجماعات الصوفية ورسم ألوانها ورموزها باحترام واجلال.. مع تسجيله بشحنة وجدانية سريعة قبل انفلات غالبية ما يحدث فى هذا الاحتفال السنوى.. ولقرب رسومه الملونة من ذوق العامة اختار أن تكون أعماله بسيطة.. بل فى غاية البساطة .. معبراً فيها عن مشاعره.. وانفعالاته الصادقة.. لتدخل مباشرة إلى قلوب المشاهدين.. مع استعماله الألوان الزاهية فى أصولها الأولى.
– إن الفنان محمد حجى لم يبعد كثيراً عن بيئتة الريفية التى اكسبته طابعاً خاصاً مميزاً.. والمحملة بقيم المجتمع المصرى الثقافية والفكرية والفنية ولاهتمامه الكبير أن يصل فنه إلى البسطاء من الشعب العربى العريض اتجه إلى الواقعية الحديثة بصراحتها مستغنياً فى أداءه عن التفاصيل الغريبة عن نبض الشارع دائماً لتصبح رسومه حقيقة صادقة لما يحسه ويشعر به .. تدخل إلى قلوب الناس مباشرة دون واسطة .. وكان رصيده الحى لاحداث الإنتفاضة قد جعلت من رسومه شاهداً على عصرها دون أن تفقد عمقها الدرامى أو تتجاوز الحياة الواقعية التى يعيشها الشعب العربى فى فلسطين ولذلك استحق محمد حجى أن نطلق عليه فنان الملاحم الشعبية المعاصرة .
الناقد/ محمد حمزة – 11 مارس 2002

منقول من:
fineart.gov.eg/arb/cv/About.asp?IDS=604