الرئيسية | تصوير | الفنان محمد عبلة

الفنان محمد عبلة

محمد عبلة .. البحث فى جدية

إذا كانت حركة الفن التشكيلى الحديث بمصر ، قد شهدت منذ مولدها مع بدايات هذا القرن وحتى نهاية الستينيات ، ثلاثة أجيال متعاقبة بدأ الفن المصرى عن طريقها يرتبط بمفهوم الفن فى العصر الحديث، متحولاً عبر أجياله الثلاثة من الأكاديمية التسجيلية، فى البداية ثم الثورية المتمردة على القوالب التزيينية عن
طريق الجماعات المتعددة والمتحاورة فى ( صخب ) إيجابى مثمر ، برغم تعدد منابع الرؤية لديها ودوافع التغيير ، وصولاً بعد ذلك إلى الجيل الثالث، الذى استطاع أن يحقق ـ إلى حد كبير ـ سمات مصرية ومستحدثة معاً ، بدت برغم اتساع رقعة التباين والتعدد فى الرؤى والتناول ومستوى الإجادة ذات مستوى عام مرتفع القيمة إلى حد كبير .
– ومع بدايات السبعينات ، يبدأ الجيل الرابع ـ الذى هو جيل الشباب الآن ـ فى التوالد والظهور، مصاباً فى معظمه بما يشبه الإعياء ضئيل الجسم، مشتت الرؤى، متكاسل إلى حد كبير عن البحث الجاد مقطوع الصلة والحوار مع بعضه أو مع ما قبله تقريباً، اللهم إلا قلة قليلة جداً منه ، لولاها مع ما تكابده من عزلة ، لما كان هناك جيل رابع ولا يحزنون ولعل فناناً مثل ( محمد عبلة ) واحدمن تلك القلة التى تبحث ـ برغم التشتت والاغتراب ـ عن صياغة ورؤية معا تتيح لها أن تبلور التجربة لتحقق ما يصنع التواصل والاستمرار مع ما سبق .
– وإذا كنا إزاء تجربته نشعر بفارق كبير بين بدايتها ، ونتائجها الآن ــ برغم قصر مدتها الزمنية ــ أننا نلمح إشارات منبئة وصادقة تبشر ببداية الوقوف على أسلوب خاص ، فبعد ما هضم معطيات التجربة ( التصويرية) عند ( حامد ندا ) نجده يمر على نصاعة اللون عند (فرانز مارك ) لينتقل الى البحث فيما أرساه ( بول كلى ) من تجارب فى علاقة ( الشكل باللون ) ليتحول بعد ذلك الى البحث فى علاقة فعل الشكل عن طريق المصادفة بالحركة الانتشارية ( للون ـ اللمسة ) كما يفعل فنانو ( التاتشيزم ) وعلى رأسهم ( جاكسون بولوك ).
– أى أنه قد تحول فى رحلة ( بحث ) من التشخيص للتجريد منشغلاً أثناءها بتحقيق توازن بين ( التعبير والتشكيل ) سواء كان ذلك التعبير آتياً عن طريق الشكل أو عن طريق اللون بدرجات إشعاعه وتأثيره وسيطرته أو حياديته من ناحية ، سواء كان التشكيل قائماً على ( الرسم ) المرتبط بملامح الطبيعة ، أو عن طريق التجريد الخاص لملامح تلك الطبيعة من ناحية أخرى وتلك الجدية فى البحث والوعى بلغة الشكل ،اللذان يأتيان بعد اجتياز التدريب الأكاديمى الجيد هى ما تجلعنا ( نستشعر ) إزاء تجاربه المتعددة – مولد فنان جيد مبشر بالكثير .
فاروق بسيونى


!!الانفعالية .. مذهب جديد

هدفنا بالمقام الاول مناقشه عمل فني بما يحمله من قيم فنيه بجانب البعد الفلسفي
الفنان محمد عبله

مثقف عنيد وصوفي متعمق في دروب الصوفية ويمارس العلاج بالفن

يقول: حكامنا يريدون أن يكونوا آلهة دون أن ينجزوا شيئا وجميع مراحل الانحدار في الترايخ المصر تأتي عندما يفقد الحاكم هيبته للأرض

لم يكتف برصد ظاهرة الخوف من السلطة لدى المصريين وكان أول متظاهر يخرج إلى شوارع القاهرة عام 1991 ضد العدوان الأمريكي على العراق

متمرد على القهر في لوحاته ويشير في أحد معارضه إلى تغول السلطة وسيطرة الأمن على الحياة العامة

عبارة يرددها دائما.. الأطفال والفنانون وحدهم هم القادرون على إنقاذ العالم

محمد عبلة ليس مجرد فنان تشكيلي يمتلك قطعة أرض وبيتا في جزيرة القرصاية راح يدافع عنها إلى جانب جيرانه من أهالي الجزيرة في مواجهة اعتداء الحكومة على أراضيهم لمصادرتها، بل إن تلك القصة مجرد فصل في رحلته الطويلة دفاعا عن القيم النبيلة.. عن الأسرة المصرية، عن دور الفن في المجتمع، عن إنسانية المصريين، عن الطبقة الوسطى التي تعرضت لضربات شديدة على مدى ربع القرن الماضي، بلوحاته ومعارضه التي تخرج بالفن من جدرانه المتحفية، وعزلته المفروضة عليه فرضا، إلى عيون الناس العاديين، باستخدام لغة فنية بسيطة يدركها الجميع.. اختيارات محمد عبلة الفنية والإنسانية تؤهله لأن يكون أحد شخصيات العام.

مشكلة مصر حاليا كما يراها عبلة هي “اختفاء الطبقة الوسطى من المشهد.. من التأثير.. من التعبير عن نفسها، الأغنياء ليسوا مهتمين بالبناء، والفقراء لا يقدرون عليه، والطبقة الوسطى هي الوحيدة القادرة على البناء، وضربها يعني ضرب الثقافة والمستقبل”.
في معرضه “العائلة” الذي مثل بالنسبة لكثيرين في وسط الفن التشكيلي خروجا على المألوف، يلتقط عبلة إحساس تلك الطبقة بنفسها، اعتزازها بذاتها، ترى أفرادها في لوحاته – كما في واقعهم قديما- ينظرون إلى عينيك مباشرة دون انكسار، على خلاف سكان المدن الآن الذين رسمهم عبلة من قبل بلا وجوه، أو ينظرون إلى الأرض. هكذا ببساطة يشخص الفنان محمد عبلة حالة مجتمعه.
هو يذكرنا بتآكل الطبقة الوسطى بجمالها الإنساني وتوحدها وزهوها بنفسها، ويحن إلى عائلته وطفولته، لكنه في نفس الوقت يتمنى أن تنتقل “قيم العائلة – الأسرة” إلى الأجيال المقبلة وكأنه يبحث عن لغة للمستقبل، ويؤكد من خلال شخوصه أن فترة الأربعينات والخمسينات هي أكثر الفترات التي يظهر فيها إحساس المصري بوجوده وهويته.
والعودة إلى القديم والتاريخي والأسطوري عند عبلة لها ما يبررها موضوعيا، فبعد حريق مبنى سفر خانة عام 1997 والذي قضى على 500 عمل فني له أنجزها في عشرين عاما، انتابته حالة من الغربة الشديدة، وتوقف عن الرسم لفترة، كانت صدمته التي لازمه تأثيرها فترة طويلة، فعمل بجنون لإنجاز عدد كبير من الأعمال وعدد كبير من المعارض، بعد أن شعر بأنه “يقف عاريا بلا تاريخ فني”.. كان كل ما يشغله أن يحيط نفسه بالدفء الذي تمنحه اللوحات.. وكان قد أنجز قبلها تمثال سيزيف ليوضع في وسط مدينة فالسروده في شمال ألمانيا، وهو تعبير شخصي جدا عن حالته، أن يحاول مرة تلو الأخرى ولا تتوقف مثل سيزيف، الذي يدفع الحجر إلى أعلى الجبل دون كلل.
واختياره للإقامة على جزيرة في وسط النيل لها دلالتها الرمزية، كما يقول عبلة ضاحكا “أحيط نفسي بالماء حتى إذا اشتعل حريق مرة أخرى يكون من السهل إطفاؤه”، وهي استجابة لحلم قديم وبداية لمرحلة جديدة من إنجاوه الفني.. مرحلة من التأمل في التاريخ وفي تاريخه الشخصي، بدأت بمجموعة من الأعمال عن المراكب القديمة مستوحيا رسوم الصخور ومجموعة أعمال القاهرة حيث بدأ استخدامه للصور الفوتوغرافية تتناول القاهرة كمدينة، رسم فيها الناس بخطوط بسيطة وبدون ملامح تقريبا كأنه ميبحثون لأنفسهم عن طريق.
بعد ذلك الحريق اتجه عبلة لقراءة التاريخ وكأنه يبحث لنفسه عن جذور، وذهب إلى واحات مصر في الصحراء الشرقية ليجري أبحاثا فنية ذات طابع تاريخي وإنساني، تلك الدراسة جعلته يدرك ميزات أساسية للمصريين، يدرك أن “ثقافة المصريين شيء قائم بذاته منذ قديم الأزل، يقومون بالبناء والتشييد ولديهم إحساس واضح جدا بالأرض وجميع العناصر التي يتعاملون معها لها علاقة بمكانهم وبيئتهم، ويتسمون بالجرأة والجد في العمل، في كل بيئة يصنعون حضارة مختلفة”.
تلك الرحلة في بيئات مصرية قديمة ومتنوعة مازالت تحتفظ بطزاجتها كونت لدى عبلة مفردات وقاموسا فنيا غنيا انتقل بالطبع إلى لوحاته، وكونت أيضا معرفة جيدة بالمصريين وإيمانا عميقا لديه بقدراتهم الكامنة التي جرفتها أحيانا “عوامل التعرية” الثقافية، وأدرك أنهم في كل الظروف يستطيعون أن يصنعوا كيانا ووجودا، وأدرك عبلة أيضا أن تحول مصر إلى بلد طارد لسكانه جعل أبناءها يشعرون بالقلق، وفقدان الإحساس بذاتهم.
قراءة عبلة للتاريخ ميزته كفنان ومثقف، وأعطت للوحاته ومعارضه عمقا أكثر من أبناء جيله من الفنانين، وجعلته لا ينسى أبدا ضرورة أن يكون لها “مضمونا ذهنيا” وليست مجرد تجارب في الشكل والتقنية الفنية، هو يرى أن فكرة الحاكم “المحترم” مفصلية في نهضة مصر أو تراجعها، “فرمسيس الثاني بنى مجده وهو يحتضن شعبه، الاتجاهان سارا في خط واحد، وكان المصريون يعملون لديه ليس لأنهم يخافونه بل لأنهم يحبونه باعتباره “ظل الإله” الحقيقي في الأرض، يشق الترع ويبنى السدود لتحافظ لهم على حياتهم ويحارب الأعداء ليحميهم، وفي نفس الوقت يقيم المعابد لتخليد نفسه.. عندئذ صنع المصريون حضارة لأن فكرة الحاكم كانت مندمجة مع فكرة الوطن، أما اليوم فحكامنا يريدون أن يكونوا آلهة دون أن ينجزوا شيئا.. أن يأخذو كل مميزات الحاكم، ومن الطبيعي ألا يعمل الشعب بذمة وضمير، ومن الطبيعي أن يحدث التفكك عندما لا تكون عينه على البلد.. جميع مراحل الانحدار في الترايخ المصر تأتي عندما يفقد الحاكم هيبته للأرض”. وفي البرلس تعلم عبلة أن المصريين عندما يكونوا غير مرتبطين جغرافيا بالعاصمة.. “بالسلطة المركزية غير العادلة” يحدث نوع من الازدهار الاجتماعي، فتلك المنطقة مرت عليها فترات كانت منفصلة تماما عن الدنيا بسبب ارتفاع منسوب المياه، وبعيدة عن “السلطة المركزية” بكل سوءاتها، هناك كانت تبدو ملامح الترابط في المجتمع واضحة.
من خبراته بالأماكن والبشر المقيمين فيها تعلم عبلة أن فكرة الخوف من أن تقول رأيك وأن تكون حرا عطلت كثيرا من الإبداعات، ولم يكتف برصد ظاهرة الخوف من السلطة لدى المصريين، بل مارس التمرد عليها، وكان أول متظاهر يخرج إلى شوارع القاهرة عام 1991 ضد العدوان الأمريكي على العراق، عندما كان الصمت والذهول يخيم على الجميع ولم تخرج تظاهرة واحدة في مصر تعبر عن مشاعر مواطنيها تجاه ما يحدث، فخرج عبلة وابنه وزوجته يحمل لوحة لوحة بسيطة على ظهره يقول ببساطة “لا”، يقول عن ذلك الموقف “كان الناس ينظرون لي باعتباري مجنونا.. منذ زمن طويل لم يشاهدوا مظاهرات.. لكنهم في داخلهم يريدون السير معي.. لم أكن أشعر بالخوف، وإنما كنت أشعر بأنني إن لم أفعل ذلك سأجن.. كنا نتابع أخبار ضرب العراق.. وامتلأنا بشحنة لا بد من تفريغها في فعل إيجابي”. التمرد على القهر يمارسه عبلة في لوحاته أيضا، في أحد معارضه الأخيرة يشير يشير بوضوح إلى تغول السلطة وسيطرة الأمن على الحياة العامة، بإشارات ذكية لا تخرج الفن إلى “خطابية زاعقة”.
فهو لا يجد عبلة فرقا بين الفن ومواقف الواقع، “الإنسان لابد أن يعبر عن نفسه، وكلما زادت مساحة الحرية ازدهر الفن”.. الفن عنده كاليوميات. لا ينفصل عن الحياة، ومن الممكن أن يغير حياته من أجل الفن، عندما أتى إلى جزيرة القرصاية كان يريد تغيير مساره الفني، فغير طريقة حياته، وذهب إلى أوروبا لمعرفة الفن والثقافة الأوروبية فتعلم الألمانية والإنجليزية، ودرس بهما في النمسا وألمانيا والسويد.
هو مثقف عنيد صاحب قضية جاد دؤوب.. صوفي متعمق في دروب الصوفية، درس علم النفس، ومارس العلاج بالفن، وهو أخ أكبر لشباب الفنانين يأخذ بيدهم يشجعهم، ويخوض معاركهم ومعاركه دون أن يتحسب للعواقب أو الخسائر، لا يهتز أو يتوقف أمام الأزمات، منخرط طول الوقت وسط أبناء مجتمعه ومهموم بأفكار زمنه، يصر على أن يمثل الفن رؤية الفنان لزمنه ومعايشاته وواقعه ومجتمعه، لا أن ينفصل عنه ليمثل أفكار ثقافة أخرى أو رؤى الآخرين. هو كما تقول أدبيات السياسة “مثقف عضوي”.
لم يتوقف عن العمل من أجل إصلاح المؤسسة الثقافية في مجال الفن التشكيلي، يهزمونه تارة ويقصونه عن الساحة تارة أخرى، لكنه لا يلين، بل يزداد إصرارا على هدفه، ومن بداياته الأولى في أواخر السبعينات كان حريصا على ألا يكون “ربيب” المؤسسة، بل مستقلا عنها قادرا على نقدها ومعارضة “سياستها –التي تبناها بجدارة وزير الثقافة الحالي- في تفكيك وتفريغ الحركة التشكيلية المصرية من محتواها” والدفع بها إلى زوايا بعيدة عن اهتمامات الناس وقضايا الوطن، إلى عزل الفنان في قوالب فنية عبثية مستوردة، إلى تشويه هويته المحلية والمعرفية.
وهو يرى أن الحركة الفنية المصرية شهدت إجهاضا للشباب، وعندما تضرب المؤسسة الثقافية الشباب وتعلمهم الخضوع والخنوع سيكون المستقبل مليئا بالمنافقين، “للأسف تمتلك المؤسسة 80 بالمئة من أوراق اللعبة أي أنها تسيطر على الساحة، وقاعات العرض الحكومية خسارة مادية نتيجة دفع رواتب ذلك الجيش من الموظفين دون مردود حقيقي، ومن الأفضل تحويلها إلى قاعات خاصة، ومن مظاهر فساد تلك المؤسسة أيضا إفساد النقاد وشرائهم بتحويلهم إلى رسامين واقتناء لوحاتهم، لتكون “حسنة” مقابل كتابتهم عن الوزير وإنجازاته وإبداعاته العظيمة، وتوقفهم عن انتقاد سياساته”، وقد دفع عبلة ثمن مواقفه استبعادا لسنوات من العرض
في قاعات الدولة.
الأطفال والفنانون وحدهم هم القادرون على إنقاذ العالم، عبارة شكلت وجدانه منذ صغره عندما دخل كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية على عكس رغبة والده الذي كان يريده أن يدخل الكلية الحربية عندما كانت صور ضباط ثورة يوليو مازالت منتشرة في كل مكان، وفي الإسكندرية بدأ عبلة مواجهة الحياة منفردا، وهو القرار الذي لم يندم عليه أبدا، كانت الإسكندرية في بداية السبعينيات مازالت مدينة تحمل بقايا طابعها “الكوزموبوليتاني” المتعدد الثقافات، بقايا الجاليات الأجنبية بكنائسها ونواديها وأشعار كفافي لا تزال تتردد في شوارعها القديمة، كانت أيام الدراسة بالنسبة له رحلة مع السعادة، شعور غامر بالنشوة لخمس سنوات رغم مصاعب الحياة وقلة الموارد، وأنهى دراسته بمشروع التخرج الذي أعده عن رحلة عمال المراكب في النيل، ورغم حبه للبحر وللإسكندرية إلا أن موضوع النيل فرض نفسه بقوة من خلال استدعائه لذكريات الطفولة حينما كان يشاهد المراكبية يأتون من جنوب مصر على مراكبهم بأجسادهم النحيلة يتراقصون عن بعد في حركة دائبة أثرت خياله البصري، بالإضافة إلى رحلة الأقصر التي أمضى فيها شهرين على مقربة من مقابر البر الغربي برسومها الفرعونية التلخيصية التي تركت أثرها في اعماله حتى الآن، وظل النيل والناس موضوعات تلازمه على مدى مشاوره الفني.
ثم أنهى دراسته وسافر إلى أسبانيا، حيث بدأت صدمته الثقافية وراح يبحث عن إجابة على سؤاله حول علاقة الشرق بالغرب ودور الفن ووظيفته، تساؤلات حول الإجابة عنها بتجاربه، الدهشة الأولى أمام عالم الفن، وارتياد المتاحف والتعرف على أعمال كبار الفنانيين الغربيين، وعن علاقته كمصري بكل ذلك وبماذا سيعود إلى مصر.
أتيحت له فرصة العرض الأولى في ألمانيا بجاليري هوهمان وكان النجاح الذي حققه فرصة لعروض أخرى ومكنه من القيام برحلات إلى دول أخرى في أوروبا الشرقية عندئذ، ورغم النجاحات كان يشعر دائما بأنه ينقصه الكثير لكي يتعلمه، وأن يفهم المجتمع الغربي، كيف بنى نفسه وحقق طفرات في مجالات كثيرة.
الطابع الرمزي غلب على أعماله المبكرة فكانت شخوصه ملائكة وأطفال وطيور وأشخاص وحيدين في فراغ اللوحة، وأثر زواجه وإحساسه بالاستقرار مع عودته إلى مصر في شكل ومضمون أعماله، فبدأت تمتلئ بالعناصر مرة أخرى، وبدأت “مرحلة الزحام” التي رسمها كثيرا، وهي تعبير عن الرغبة في الالتحام بالناس في مصر والرجوع إلى حضن الوطن، وظلت تلك المرحلة تعويذة يعود إليها كلما أحس بالوحدة أو اليأس.
عاد إلى مصر ليلتحم بالأحداث السياسية والاجتماعية.. حرب الخليج، تغيير المجتمع وفساد الذوق، لينجز العديد من المعارض التي تعبر عن رؤيته النقدية لتحولات المجتمع، مثل معارض “السلم والثعبان” و”حفريات المستقبل” و”قاع النيل” وشارك مع مجموعة من الفناين خارج المرسم في “مشروع كوم غراب”، عندما قرر هو ومجموعة من الفنانيين أن يجملوا حوائط قرية بكاملها.
الفنان محمد عبلة مشغول بالصورة الفوتوغرافية، منذ بداياته كان يستخدمها كجزء مكمل لبناء اللوحة مع قصاصات الجرائد، وما تحويه أعماله من إسقاطات سياسية واجتماعية واضحة هي شكل من أشكال الرسالة التي يصر على توصيلها بطريقة غير مباشرة.
في سنوات شبابه كتب عنه الناقد الراحل فاروق بسيوني “مع بدايات السبعينات بدأ الجيل الرابع من الفنانين فى الظهور، مصاباً فى معظمه بما يشبه الإعياء مشتت الرؤى، متكاسلا إلى حد كبير عن البحث الجاد، مقطوع الصلة مع بعضه أو مع ما قبله تقريبا، اللهم إلا قلة قليلة جداً منه، لولاها لما كان هناك جيل رابع ولا يحزنون ولعل فناناً مثل (محمد عبلة) واحدا من تلك القلة التى تبحث عن صياغة ورؤية معا تتيح لها أن تبلور تجربة فنية تحقق التواصل والاستمرار مع ما سبق.
وفي تجربته الفنية نشعر بفارق كبير بين بدايتها، ونتائجها ــ برغم قصر مدتها الزمنية ــ إلا أننا نلمح إشارات منبئة وصادقة تبشر بامتلاك أسلوب خاص، فبعد ما هضم معطيات التجربة (التصويرية) عند (حامد ندا) نجده يمر على نصاعة اللون عند (فرانز مارك) لينتقل إلى البحث فيما أرساه (بول كلى) من تجارب فى علاقة (الشكل باللون) ليتحول بعد ذلك الى البحث فى علاقة الشكل عن طريق المصادفة بالحركة الانتشارية للون واللمسة كما يفعل فنانو (التاتشيزم) وعلى رأسهم (جاكسون بولوك).
أى أنه قد تحول فى رحلة بحث من التشخيص للتجريد منشغلاً أثناءها بتحقيق توازن بين (التعبير والتشكيل) سواء كان ذلك التعبير عن طريق الشكل أو عن طريق اللون بدرجات إشعاعه وتأثيره وسيطرته أو حياديته من ناحية، سواء كان التشكيل قائماً على الرسم المرتبط بملامح الطبيعة، أو عن طريق التجريد الخاص بملامح تلك الطبيعة من ناحية أخرى، وتلك الجدية فى البحث والوعى بلغة الشكل، اللذان يأتيان بعد اجتياز التدريب الأكاديمى الجيد هى ما تجلعنا نشعر إزاء تجاربه المتعددة بمولد فنان جديد”.
محمد عبلة ليس مجرد فنان تشكيلي هو الترجمة الواقعية لشخصية “محمد أبوسويلم” في فيلم الأرض ليوسف شاهين.. أصيل كالأرض التي نبت منها، وإنساني إلى أبعد الحدود، وزعيم بالفطرة.. هو ذلك الفرز الطيب الذي مازالت تجود به مصر أحيانا رغم كل ما يعتورها من تشويه لشخصيتها التاريخية.

أيمن شرف – الدستور يناير 2008
– تتيح تقنية ( المونوتيب ) لاعمال الفنان ( عبله ) مذاقا خاصا لا يتبع الرسم المباشر ولا فن الحفر التقليدى لانه لا يستخدم سوى أحبار الطباعة السوداء ولوح زجاجى يسقط فوقه ملاحمه ثم يقوم بطبعها على الورق مرة واحدة فقط ، ولذلك لا تدخل هذه الطريقة فى نطاق فن الحفر الذى يحصل الفنان بواسطته على عدة نسخ متشابهة تمام التشابه .
– ان هذه المعركة الضارية بين الفنان والشكل التى لا يحكمها ( سوى الانفعال) اللحظى ورد الفعل المباشر يمكن ان نطلق عليها (الانفعالية ) لانها ليست موقفا عاطفيا كالتعبيرية ، ولا انبهار بصريا كالتاثيرية ، ولكنها موقف جدلى بين ندين متكافئين ، الفنان والشكل ، نسيجه تلك المراوغة الماكرة والتصرف العفوى الذى يعتمد على قدرة وخبرة وذكاء الفنان فى تسخير رد الفعل المباشر من اجل تحقيق قيمة تشكيلية اشبه بالصدمة الكهربائية التى تفيق المتلقى من غفلة السلبية وغيبوبة اللامبالاة او الرفض .
الفنان / حسين بيكار
جريدة الأخبار

تشكيلى مصرى يرسم أشخاصاً من وراء حاجز بلاستيك

– ابتكر طريقة جديدة للعلاج النفسي الجماعي
– ابتكر الفنان التشكيلي المصري المعروف محمد عبلة , المدرس بجامعة سالزبورغ النمساوية , تجربة إبداعية جديدة في مجال الرسم في إطار ما يعرف بالفن التفاعلي , تعتمد الفكرة على رسم الاشخاص على ستار أو حاجز رقيق من البلاستيك أو الزجاج أو