الرئيسية | أرشيف | الفنان إسماعيل الرفاعي

الفنان إسماعيل الرفاعي

الفن المفاهيمي …الخطاب والتقنية يكرسه جيل جديد من التشكيليين في الامارات
من خصوصية الفن التشكيلي في الامارات، أنه انطلق متأخرا عن بقية الابداعات في الساحة الثقافية المحلية، ومن دون عمق زمكاني في الجذور، وكانت انطلاقته على شكل محاولات فردية واجتهادات لنفر من التشكيليين الذين حصلوا على معارفهم الاكاديمية من عواصم عربية وغربية، وبلوروا تجاربهم وقدموا اعمالهم واقاموا معارضهم من خلال ما توافر لهم من امكانات فنية ومادية غاية في التواضع، مع الافتقار الى ذلك المناخ الملائم الذي يتيح للفنان التواصل مع المتلقي المدرك والمكمل عمله الفني، خصوصا ان التحولات التي طرأت على المجتمع الاماراتي والتي عصفت بالكثير من الثوابت التقليدية فيه على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ظلت على الكثير من تقليديتها ومناعتها امام الابداع التشكيلي.

إلا ان الحركة التشكيلية استطاعت رغم كل المعوقات وفي سنوات قليلة، ان تتعدى الحدود المكانية منطلقة لتحقق حضورها على المستويين العربي والعالمي، وهو ما لم تفعله بقية الابداعات، حتى صار الفن التشكيلي في الامارات من اغنى ابداعات المشهد الثقافي متمثلا في كل تياراته واتجاهاته وتجاربه سواء الكلاسيكية التقليدية أو الحداثوية.
ويمكن القول ان بينالي الشارقة للفنون أصبح في فترة لاحقة الحاضنة الشرعية التي اسهمت في ما وصل اليه الفن التشكيلي من مواكبة الاتجاهات والمدارس الفنية عالميا، اذ لم يقتصر دوره على افساح مجال للأعمال التشكيلية المبدعة وخلق مساحة اكبر للعرض، وبالتالي زيادة مساحة التواصل بين الفنان وعمله الفني مع المتلقي، بل ساعد في الاطلاع على التجارب التشكيلية الاخرى، سواء كانت تصويرية أو نحتية أو غيرها عربيا وعالميا، حتى بات البينالي ظاهرة وتظاهرة تشكيلية في آن واحد، أوصلت الفنان الاماراتي والعربي المقيم في الدولة الى الضفة الأخرى للابداع العالمي، وفتحت المجال امام الفنان التشكيلي في الامارات الى مواكبة التجارب العالمية المتنوعة فنيا وفكريا وانسانيا.
كما كان البينالي هو ايضا النافذة التي سمحت لجميع رياح الفن بكل توجهاتها ان تتلاقى وتتفاعل من خلال توفير الامكانات الفنية والمادية التشجيعية، خصوصا في دورته الاخيرة، التي تمحورت حول “الفن المفاهيمي” أو “فن الفكر”.

التهجين بين الثقافات والمذاهب اصبح القاعدة المهيمنة

وتعود بدايات الفن المفاهيمي الى محاولات مرسيل ديوشان في مطلع القرن العشرين، حيث تأصلت في الستينات مرسخة ان الفن يقوم اساسا على ترجمة الفنان فكرته باستخدام أي وسيط يراه مناسبا للتعبير عنها، والحرية في اختيار أي نوع من الخامات التي تخدم الفكرة، من دون التقيد بالأسس الفنية التقليدية والمألوفة، على أساس ان العمل الفني ليس منتجا جماليا، بقدر ما هو منتج فكري مترجم تشكيليا. وقد استغل التشكيليون ما حدث في الخمسة عشر عاما الماضية من تطور تقني وتكنولوجي غير محدود، مع ثقافة الصورة الصناعية منطلقين من مفهوم ان الفن الحديث والمعاصر لا بد ان يكون متصلا بالواقع، وبالتالي فهو مرتبط ومعني تماما بهذا الفيضان التكنولوجي الحديث.
وهذا ما اتاح للفنان المفاهيمي ان يتمتع بحرية لا يتمتع بها الفنان صاحب الاتجاهات الاخرى، فله ان يتأمل ويفكر ويجرب حتى يصل الى اكمال فكرته.
وبدايات ما يسمى الفن المفاهيمي في الساحة التشكيلية في الامارات، تعود أساسا الى الفنان حسن شريف، الذي احس مبكرا بالفجوة بين اللوحة والنحت التقليدي، فقرر الخروج الى الحياة، وعندها تحمل وزر نشر هذا الفن، ولم يبال بعلامات الاستفهام المغلفة احيانا بالاستهجان، ووحيدا كان حسن شريف يؤكد انه لا بد من مواكبة ما افرزته المتغيرات والتطور العلمي الحديث، بتوظيف هذا التطور في اعادة بناء الفنان والتجربة الفنية معا، من خلال الاشتغال على ايقاعات متنوعة من الفنون التلقائية والمفاهيمية المتحركة والصوتية الى جانب الفيديو وغيرها، ولكن بمفهوم عال للوعي مع ادراك وظيفة الفن الحقيقية وموقف الفنان نفسه.
الاسئلة تلك لا تزال مطروحة، وهي ليست في مجملها الآن رافضة أو معترضة، انما متحفظة أو غير متفهمة، هذه الاسئلة تواجه هذا الفن المفاهيمي الذي يفرض نفسه بقوة نتيجة استقطابه شريحة واسعة من الفنانين الواعدين من الشباب والشابات في الحركة التشكيلية في الامارات.
و”الخليج الثقافي” كعادته في رصده الظواهر الابداعية ثقافيا وادبيا وفنيا، يحاول استجلاء المشهد التشكيلي في الامارات، والاجابة على اسئلة مشروعة حول صدقية الفن المفاهيمي، امام من يتحفظون عن هذا الانسياق غير المتسلح بجذور المكان، ويرون أنه ظاهرة غالبا ما تخبو كغيرها من الظواهر الفنية التي تلاشت ولم تعمر طويلا، وذلك من خلال آراء وافكار ومواقف بعض الفنانين في الساحة التشكيلية.

لا يقين في الفن
الفنان محمد كاظم يتميز في مجمل أعماله بربط المظاهر بالخيال، أي ترجمة المظاهر غير المدركة للعامة من الناس، الى عمل فني، بعد وضعها في سياق الفن، لذا فهو يرى ان الفن المفاهيمي من حيث المصطلح حالة تشكيل فكرة ما، أما من حيث المظهر الجوهري فهو الاشارة الى الذات السيكولوجية لتشكيل فكرة ما وجعلها ملموسة، لأنه حتى نكشف الغموض في موضوع ما، أو تصرف ما، علينا ان نتتبع العلامات الدماغية غير المنتظمة أو الخارجة عن القياس، وفي هذه الحالة تصبح للانسان القدرة الابداعية القادرة على رؤية كل ما هو واقع وراء نطاق البصر، بمعنى ان العملية الابداعية تشبه الشبكة التي تلتقط هذه اللحظات الخارجة عن القياس وتحولها الى فكرة ابداعية داخلة في سياق الفن، ولهذا تبدو هذه الفكرة أو التصرف غريبة بالنسبة للانسان العادي.
ويقول محمد كاظم: ان الفنان الحداثي هو من يوظف كل التقنيات التكنولوجية الحديثة، اضافة الى المواد التقليدية في عمله الفني، لأن العمل الفني اصبح منذ الثمانينات يشبه الكتلة المتشابكة، ومن الصعب جدا تفكيكها أو الامساك بخيطها، لأنها اعمال هجينة تأخذ من مدارس وتيارات مختلفة.
والفن المفاهيمي من الصعب تحديده، لذا فأنا اشتغل بتماس مع كل الاتجاهات، من دون الالتزام بمدرسة فنية بعينها، وهو ما يتيح لي مساحة اكبر من الحرية، وكون الفن يأتي بعد الفلسفة، لأن الفن في جوهره ليس في الاشياء، ولكن في مفهومي عن هذه الاشياء، وهو ما أسهم في ان يكون العمل عبارة عن مشروع فكري أي مفاهيمي، بعد ان كان حتى وقت ليس ببعيد عبارة عن تجريد بصري محض، هذا الفكر من وجهة نظري يختلف عن الفكر السياسي أو الاجتماعي بمفهومه الايديولوجي التقليدي، والا أصبح مفهوما وهميا يقود الى متاهات ايديولوجية.
والفن المفاهيمي هو الفكرة الملموسة التي توصل المتلقي الى ذات الفنان، وأنا أؤمن بأنه اذا استطاع المتلقي قبول “الفكر المحض” فهو بالضرورة ينتقل الى بعد آخر، بعد جديد يستطيع ان يرى من خلاله ويدرك العالم من حوله بطريقة جديدة. والفنان في الفن المفاهيمي يستخدم جميع الوسائط والوسائل المتاحة له لبيان فكرته وجعلها ملموسة، ومن هذه الوسائط الفيديو، آلة التصوير، الفاكس، المادة المكتوبة، جهاز التسجيل، بالاضافة الى الاشياء الجاهزة والمواد التقليدية في النحت والرسم، من هنا نستطيع القول ان المفاهيمية باتت كالبحث الفلسفي، وهو ما يبرز واضحا في أعمال جوزيف كوزوث وخصوصا في عمله “واحد وثلاث كراسٍ” هذا العمل عبارة عن كرسي حقيقي، وصورة فوتوغرافية للكرسي، بالاضافة الى مادة مكتوبة ومأخوذة من القاموس توضح ما هو الكرسي، ولكن علينا ان نعي انه وفي حالات أخرى يمكن ان تكون المفاهيمية “بحثا وجوديا” مثل أعمال الفنان الياباني اون كوارا فهو يكتب ارقام وتواريخ الايام، ويستخدم بطاقات بريدية وآلة الفاكس، وعندما يريد “وان “ ان ينتج عملا، يقوم بارسال بطاقة بريدية أو فاكس الى اصدقائه موضحا رقم وتاريخ البطاقة وعبارة مكتوب عليها “مازلت حيا”.
وإذا أردنا الحديث بصدق، يجب ان نقر بأن بيئتنا الاجتماعية والثقافية قد تغيرت، وبالتالي المحلية التي يتكئ عليها بعضهم تغيرت ايضا، وعلى الفنان الذي يتمسك بالمحلية ان يرصد هذا التغير ويشتغل عليه، ويقدمها بصدقية، ومن هنا ننطلق بمفهومنا لأهمية الفن المفاهيمي، ولكن من دون هيمنة من طرف أو اتجاه على الآخر، لأن اليقين في الفن ليس موجودا، خصوصا بعد ان انتهى دور الناقد، وأصبح الفنان يمارس النقد الذاتي، ويحكم على عمله اذا كان عملا فنيا أم لا. والبيانات الفنية التي كانت نوعا من نظريات فنية، اعتقد اصحابها لفترة أنهم وصلوا الى نظريات كاملة في الفن، اختفت وانتهى أمرها، والقصد هنا ليس إلغاء دور الناقد، ولكن دفعه الى البحث عن أمور اخرى أهم من أجل تطوير رؤية الانسان الجديد، وبالتالي وكما نرى الآن لا يوجد مذهب فني مهيمن، بل أصبح الفن نوعا من التهجين أو مؤلفا من مذاهب فنية متعددة ومستقاة من ثقافات مختلفة، وأصبح لدينا على مستوى العالم حركة فنية واحدة، يقودها الانسان، وأصبحت ايضا لدينا مدرسة واحدة يقودها الفنان بنفسه، وهي طريقة عمله. وأنا الآن وفي هذه المرحلة اشعر ان علاقتي بالعمل الفني تزداد قوة، وهذه العلاقة ليست صراعا من أجل الوصول الى اجوبة محددة، لأن كل ما انتجته حتى الآن لا يعني شيئا، كل ما يعنيني الآن هو ان انتج أعمالا فنية بغض النظر عن التسميات والاساليب وطريقة انتاج وعرض هذه الاعمال.

انهم يؤسسون لقيم ذوقية جديدة
الفنانة د. نجاة مكي، واجهت مع كوكبة من الفنانين في الساحة الاماراتية، كل المعوقات وصعوبات التأسيس وانطلاق البدايات، ولكن على الرغم من ذلك فهي من المؤيدين لهذا التوجه الفني الجديد وتقول:
لا شك ان الأمر الآن يختلف وبشكل كلي عن بداياتنا نحن كفنانين تشكيليين، وكجيل أول ومؤسس، لأن المتغيرات السريعة والمتلاحقة في مجالات الحياة والتطور التكنولوجي تفرض نفسها على كل اشكال الحياة الفكرية والفنية وغيرها. وهو ما يدعو وبشدة الى ضرورة وجود عملية مواكبة سريعة لهذا التغيير، وخصوصا من قبل الجيل الجديد من التشكيليين.
لقد طرحنا نحن افكارنا ورؤيتنا التي كانت تواكب ظروفنا وطبيعة مرحلتنا، لذا لا بد ان نتفهم جيدا ذلك، وان ندعم ونؤيد ما يحدث الآن من تأسيس لقيم ذوقية جديدة تواكب الزمن والمتغيرات التي طرأت ليس على مجتمعنا الاماراتي والعربي وحسب بل على المجتمع الانساني بأسره.
ومن خلال متابعتي لما يطرح على الساحة التشكيلية في الامارات، واقصد المعرض الأخير للفنان محمد كاظم والفنانة ابتسام عبدالعزيز، لمست لديهما رؤى جديدة في المواضيع والمفاهيم والافكار التي يطرحانها، كما وجدت ان اعمالهما مبنية على دراسة معمقة تجسد قيما جديدة، وخصوصا في تركيزهما على الزمن والرقم، وهو طرح لمفهوم حديث، يشكل اتجاها جديدا في الفن التشكيلي.
بل استطيع القول، ان الأمر تعدى ذلك، فقد وجدت ان المعرض يمثل اطلالة توثيقية تتكئ على الفهم والوعي والدراسة، بعيدا عن تلك السطحية والعشوائية التي كثيرا ما سببت الفوضى والضبابية في تجارب اخرى غير مفهومة، وهنا يأتي دور الناقد والحركة النقدية وهو من الأهمية بمكان لتقييم وتقويم التجارب وفرز الغث والسمين.
لقد اعتبرت هذه الظاهرة صحية تماما، وخصوصا في الوقت الحالي، وأناشد بضرورة تشجيع هؤلاء الشباب من الفنانين على الحضور بتجاربهم شريطة ان تكون لديهم رؤيتهم الجادة والعميقة، مع أهمية الدراسة المستفيضة حول فكرة الفن المفاهيمي، الذي لم يأت من فراغ كما يعتقد بعضهم، بل من خلال فكر وفلسفة تتمحور حول التحرر من القيود الثقافية والفنية والاجتماعية وحتى المادية، لأن الفنان المفاهيمي يرفض تقديم عمله كسلعة تشترى وتباع، ويصر على ان تبقى قيمة هذا العمل في الفكرة لذا فهو يعمد الى توثيقها بمختلف الاساليب المتاحة له من دون ان يحصره في شكل تقليدي. ولكن هذا لا يدعونا الى اهمال بقية الاتجاهات الفنية الاخرى، اذ لا بد من الاستمرار في دعم مجمل الحركة التشكيلية في كل اتجاهاتها، وعلينا ان نتخلى عن “عقدة الخواجة” التي تجعلنا نرحب اشد الترحيب بكل تجربة واردة إلينا من الغرب، كيفما كانت ومهما كان مستواها الفني أو الفكري.
ونجحف ابناء جلدتنا حقهم في طرح رؤاهم ومفهومهم ووجهة نظرهم الفنية، المرتبطة بجيلهم وزمنهم وظروفهم، خصوصا اذا كانت مبنية على الدراسة والفهم المتجدد.

التشكيلي المفاهيمي كاتب ومنظر
الفنانة هدى سعيد سيف، ترى ان الفن المفاهيمي ليس الا امتدادا طبيعيا لتطور اللوحة، وتفاعل الانسان المبدع مع قضايا مجتمعه الانساني، فمنذ ولادة الانطباعية من رحم الفن وحتى الآن وهي في حالة مخاض مستمر، لذا فواقع الأمر انها حلقات متصلة ومرتبطة وغير منفصلة، وتؤكد وجهة نظرها بالقول: ان ظهور ابن الهيثم وجابر بن حيان كان سببا في ظهور جاليليو ونيوتن، ولو لم يظهر ابن الهيثم لاضطر نيوتن الى ان يبدأ من حيث بدأ ابن الهيثم وليس من حيث انتهى، وهكذا الحال ايضا بالنسبة لابن حيان وجاليليو.
في العام ،1969 اعلن جوزيف كوزوث ان جميع الاعمال الفنية بعد مرسيل ديوشان هي أعمال مفاهيمية بطبيعتها، وهذا غير صحيح لأن الجديد مرتبط بالضرورة بتطور البشرية، وهذا التطور غير محدود لذا فلا يمكن حصر الاعمال الفنية في الاطار المفاهيمي، لأن الفن المفاهيمي هو حالة تحويل فكرة ما وجعلها ملموسة، وهذا يضم فن الأرض والفن الفقير والاختزالي والى حد ما الفن الشعبي ايضا، ونحن في الوطن العربي عموما والامارات خصوصا، لا نستطيع إلغاء اللوحة، ولكن يجب ان نتعامل بصدق مع الجديد، وهذا الجديد سواء أكان مفاهيميا أو غير ذلك، وأنا اعتقد ان ليس في مقدور كل الفنانين الولوج والالمام بهذا الفن.
وترجع البدايات الاولى للفن الحركي الذي برزت معامله قبل المفاهيمية الى فناني الاوب آرت، ومن ابرزهم فيكتور فازاريلي في العام ،1908 وان كان الفن الحركي اتجه نحو نمطين في التعبير تربط بينهما منهجية واحدة، هما البنية المبرمجة، الصور المتبدلة حركيا، وهو ما دفع بالفن الى منطقة فاصلة على حدود القيم الجمالية للفن المتعارف عليها منذ آلاف السنين. وهذا الفن الحركي كان واضحا في بينالي القاهرة الدولي في دورته الثامنة، اما عندنا في الامارات فإن الفنان حسن شريف هو أول من ادخل الفن المفاهيمي، وكان قد القى على عاتقه مهمة تبصير الفنانين الشباب بأهمية التحديث، قبل ان يسري في الساحة التشكيلية.
من هنا اقول إنه مع بدايات القرن العشرين بدا التأثير الطاغي للاكتشافات العلمية على جميع الجوانب الحياتية ومنها التشكيل، وبالتالي بدأت معالم الفن الحركي في الظهور، حيث اسهمت الدادائية على يد مرسيل ديوشان (1887 1968) وفرانسيس بيكابيا وكذلك المستقبلية الايطالية أو مدرسة الباوهاوس، والبنيوية الروسية “تاتلين جابوبفستر” وتجسدت تدريجيا الرغبة في الحركة.
ومع وضوح معالم وملامح فن التهجين، فلا بد لنا اولا من ان نعلم مصدر الذات لكي نستطيع الحكم على المفاهيمية، لأنه ليس كل عمل يشعل الحوار هو بالضرورة عمل مفاهيمي، ولا بد من قراءة العمل ومعرفة ما اذا كان نابعا من الوعي أم انه مجرد تقليد، وهل الفنان الذي يمارسه مر بتجارب ومدارس فنية متعددة الى ان وصل الى مرحلة النضج والوعي، اضافة الى اسهامه في اقامة المحاضرات والندوات والورش وكتابة المقالات، لأن وظيفة الفنان لا تنحصر في انتاجه الابداعي وحسب، بل في الفهم والادراك والتنظير لنتاجه.

ليس كل من يرسم خطاً فناناً مفاهيمياً
الفنان د. عبدالكريم السيد، من المشاركين في المسيرة التشكيلية في الامارات منذ عقود بعيدة، يؤكد ان اكثر ما يحتاجه الشأن التشكيلي هو الوعي، وخصوصا الوعي في التشكيل، ونظرا لعدم وجود الناقد المتخصص في الساحة التشكيلية، فقد عم الفقر المعرفي، ما أدى الى اختلاط الأمور لدى المتلقي العادي، واوقعه في حيرة امام محاولاته من أجل التمييز بين الجيد والسيئ في العمل الفني، ويضيف د. عبدالكريم:
ولكن الاخطر من ذلك، انه وفي الوقت الذي يعاني فيه هذا المتلقي من افتقاره للمعرفة بالمذاهب الفنية وحركة التطور الفني، تنتشر في الساحة “موضة” الفن المفاهيمي، وأصبح كل من يرسم خطا أو ينتج لوحة فنانا مفاهيميا، ولو على حساب هذا الفن، وهو فهم بريء.
ذلك ان الفن المفاهيمي يمثل اتجاها يتخطى اللوحة والرسم ومختلف الاشياء المتعارف عليها في الحركات الفنية الاخرى والتي سبقت ظهوره ما بين عامي 65 ،1966 اذ برزت كأعمال فنية ليس لها وظيفة محددة أو غرض أو تتعلق بموضوع ما، كما انها لا تملك رسالة ولا تحدد سوى نفسها، وظهرت هذه الاعمال بشكل واضح في تجمع كبير في العام 1969 تحت اسم “مفهوم” في معرض اقيم في متحف ليفركوزن في المانيا، وتوالت بعد ذلك المعارض لتشمل اوروبا كلها، وشارك فيها العديد من الفنانين من مختلف انحاء العالم، ولم يأت هذا النوع من الفنون البصرية من فراغ، فقد مهد له مارسيل ديوشان منذ بداية القرن الفائت، وايضا الحركة الدادائية الجديدة سواء في اوروبا أو امريكا، وكانت اعمال الفرنسي آيف كلين والايطالي بيرو مانزوني قد اسهمت في نشر هذا الاتجاه، بل اعتبر نشاطهما همزة الوصل بين الدادائية والفن المفاهيمي.
وينطلق الفن المفاهيمي من اتجاهات فكرية خاصة، تحاول دمج الفن بالحياة، كما تحارب التقاليد الفنية وتحاول التحرر من القيود الاجتماعية والثقافية، والتخلص ليس من الفن بحد ذاته، بل من اشكاله التقليدية وطرق استهلاكه، بمعنى ان يمتنع الفنان عن تقديم عمله الفني كسلعة ممكن الاستفادة منها عن طريق بيعها في سوق الفن، ويعمد الى ابراز الواقع “أحيانا كما هو” كقيمة جمالية، والاساس في ذلك هو الفكرة والمفهوم، ويوضحها سول لويت بقوله “الفكرة تصبح آلة تصنع الفن” وهذا النوع من الفن لا يجسد في أي نظرية، لأنه حدسي يتضمن كل العمليات الفكرية من دون ان يكون له أي هدف، وهو لذلك متحرر من المهارة الحرفية لدى الفنان، أي ان الفكرة تصبح الهدف الحقيقي والفعلي، بدلا من العمل الفني نفسه، وهو بالتالي ومن هذه الزاوية يمثل مرحلة من النشاط ما بين الفكرة والنتاج النهائي، وتشكل الفكرة الجزء الأهم في صناعة الفن.
ويضيف د. عبدالكريم في شرحه وتوضيحه الفن المفاهيمي تنظيرا وعملا فيقول: هناك اتجاهات مختلفة للفن المفاهيمي ولو انها تصب في عمومها في التوجه الذي سبق ذكره، فهناك من يعتمد على الشيء الحقيقي فقط، أي يعرض كرسيا أو طاولة، وهناك من يضيف لهذا الشيء الحقيقي صورته الفوتوغرافية أو المتحركة كالفيديو، أو الاوراق المطبوعة، ويربط جميع هذه العناصر برابط اصلي متعلق بالحقيقي فقط، وهناك من يقدم نصوصا دراسية تعبر عن اتجاه بعض الفنانين، ومن خلال هذه النصوص ايضا يحاولون توضيح ان الاشكال تتطابق مع تفسيراتها، نوع آخر من الفن المفاهيمي يعتمد التوثيق، حيث يسجل الفنان نشاطه الفني في صورة فوتوغرافية أو شريط فيديو ويقدمه بدلا من العمل الاصلي، وهنا يزول العمل الفني، بينما تبقى الذكرى، ويحل الاتصال محل الملكية، ومحاولات اخرى تلجأ الى التوثيق الفوتوغرافي بهدف ان تسجل، ليس فقط ما يقوم به الفنان أو أي انسان آخر، بل مظاهر مختلفة من حياة المجتمعات المعاصرة.
والحقيقة ان الفن المفاهيمي دخل علينا وعلى البلاد العربية على استحياء في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الفائت، ومن خلال بعض الفنانين الذين تلقوا دراستهم الاكاديمية في اوروبا وامريكا، وتأثروا بهذا الاتجاه الجديد، وفي الامارات ظهر من خلال أعمال الفنان حسن شريف الذي قدم هذا الفن بوعي ودراية تامة بكل ابعاده الفكرية، وظل وفيا له حتى الآن، لأن حسن شريف يمتلك الامكانات الفكرية النظرية للدفاع عن أعماله، اضافة الى ثقافته الفنية عالية المستوى، وقد تأثر به بعض من تلاميذه الذين اتجهوا نحو المفاهيمية، وان اختلفت درجة الوعي الفكري والابداعي فيما بينهم، وتفاوتت تجاربهم من شخص الى آخر.
إلا انه وللحقيقة التي يجب ان تقال في هذا المشهد، ان الفن المفاهيمي لا يتناسب ورسالة الفن الشاملة، كما لا يناسب الفنان العربي التشكيلي عموما، لأنه لايزال ومنذ بدايات الفن التشكيلي العربي، يواصل بحثه عن هوية خاصة تدمج بين الاصالة والمعاصرة. كون الفنان التشكيلي العربي وكعنصر مؤثر في المجتمع، يجب ان يحمل رسالة اضافية لرسالة الفن، هذه الرسالة يتبنى فيها قضايا مجتمعه على المستوى الوطني والقومي والاجتماعي.

الفن مستقبل يملك ذاكرة
الفنان اسماعيل الرفاعي وفي مقدمة له عن الرؤية الداخلية التي تجسدها الفنون عامة يقول: هذه الرؤية الداخلية التي يحاول الفن من خلالها ردم الهوة الازلية بين العالم الموضوعي والعالم الفردي، بما يعتريهما من تبدلات وأسرار وبما يتجاوب مع الأرومة الاصلية التي يتحدر منها الكائن عموما في صراعه مع الموت والحياة، وفي رغبته الدائمة باستيقاف لحظات تنوس بين تخوم الحلم وتربة الواقع. لذا فأسئلة الفن كانت على الدوام تعبر عن الازمة التي يعيشها الانسان في انعطافاته الحادة التي تفرضها مكونات عصر ما وفي حقبة محددة.
ومن هنا فإن الاجابات التي حملت في ثناياها تصورات نهائية ومطلقة، ظلت على امتداد التاريخ عرضة للتغيير والزوال، في حين ان التصورات النقدية المتوازية والمتساوقة مع تطورات العصر، كانت اكثر قدرة على استشراف الابداعات الكامنة في نسيج الحياة عبر تناميها المستمر، وكما نعلم ان الدعوات التي ترافقت مع ظهور بعض التيارات الابداعية، التي تؤمن بقطع الصلة مع الموروث، وادعاء حيازة الراهن والمستقبل، حملت موتها في بنيتها الفكرية نفسها، وفي منطلقاتها الاساسية ذات الطابع الاستبدادي والاقصائي، لأنها تضع الابداع بين قوسي التقعيد، في الوقت الذي تدعي في الأصل تجاوزه.
وعليه فإن الارض هي فسحة دائمة للتجريب والتجاوز، والمبدع هو الأكثر قدرة على التقاط تلك الذبذبات الرهيفة التي تطرأ على الحياة. وما ينطبق على التيارات الابداعية بمختلف اساليبها واتجاهاتها ينطبق ايضا على الفنون الحديثة الي استطاعت الاستفادة من التطورات التقنية الهائلة التي يشهدها العصر وان تعكس بتقنياته وعبر ادواته الخاصة، هموم الانسان المعاصر وتصوراته الجمالية، وعبر بلورة اطروحات نقدية تكسب هذه الاتجاهات شرعيتها، كالمفاهيمية مثلا والتي تبلورت في منتصف القرن الماضي على يد فنانين مثل الفنان الامريكي جوزيف كوزوث، الذي رسخ مصطلح المفاهيمية بعد ان عرض عمله الشهير “واحد وثلاث كراسٍ”، باعتبار الفن المفاهيمي من حيث الجوهر “هو فن الانماط الفكرية متضمنا أي وسائل يراها الفنان مناسبة لعمله”، وقد استفاد فنانو هذا الاتجاه من جميع الوسائل المتاحة ولا سيما الأدوات المتطورة كالديجيتال كاميرا والفيديو بالاضافة الى فن التنصيبات الفراغية أو الأدوات المهملة التي استطاع بعض الفنانين اعادة توظيفها من جديد بطريقة تتجاوز النفعي والاستهلاكي وصولا الى اكتشاف الجمالي فيها.
ولعل الاسئلة القديمة الجديدة المتعلقة بالفن، تعاودنا مرة اخرى: هل تصبح هذه الفنون بديلة عن الفنون التي سبقتها؟ هل تحمل قدرة اكبر على التعبير عن الواقع الانساني؟ الى آخره من الاسئلة المتعددة والاجابات المرنة أو القطعية التي تحاول التصدي لقضايا الفن وفلسفته، لكننا نؤكد من جديد ان الحياة قادرة على استيعاب الجميع، وان الفنون قادرة على ان تتجاور مع بعضها بعضا وان تغني بعضها بعضا، من دون اللجوء الى المواقف المسبقة التي تؤكد أو تنفي أسلوبا ما أو اتجاها ما.. وعلينا ان نلتفت الى ان ما يجد اصداءه عند الانسان هو ليس ما يتشكل الآن فحسب، بل ما هو قادر ايضا على استحضار القيمة الحقيقية التي اكسبت الفنون السابقة اهميتها ومنحتها القدرة الدائمة على التأثير فينا.
ان القيمة التي حاول الابداع تكريسها عبر تساميه ومحاولته التقاط “المعنى” الذي يقف وراء الكون والمتاخم للحلم البشري واكتناه جوهر الكائن وهواجسه الحلمية والابتكارية، مازلنا حتى هذه اللحظة نترصدها عبر الاعمال الابداعية الحقيقية. يشدنا حنين قديم جديد لاكتشاف ذواتنا والانتصار على موتنا ونحن نطرح في تربتنا بذرة الكائن الخالدة.
ويضيف الرفاعي مبينا العلاقة بين سؤال الفن واسئلة الانسان عبر نشيجه الطويل، وفي فرحة المرتقب، المتشبث بالحلم والمغامرة، والرغبة في التجاوز والاكتشاف ومحاولة الوصول الى اقصى ما يستطيع: ما نشهدة اليوم من تغريب وجنوح في المنتج الابداعي ومن تطرف أو فجاجة أومن تهكم لا يفترق عن تلك الرغبة العميقة في الوقوف على القيمة الحقيقية التي يحاول الانسان الحفاظ عليها.
وما نلمسه اليوم من حضور لتلك الظواهر الابداعية الحديثة سواء في الامارات، أو في غيرها من البلدان العربية، هو معطى طبيعي لهذا العصر بمكوناته التقنية التي لا يمكن القفز فوقها بدعوى الاخلاص الى الموروث الجمالي، كما لا يمكن التسليم بها وحدها بدعوى المعاصرة مثلا أو مواكبة التطورات الحاصلة، انما علينا التعامل مع الحقيقي والابتكاري فيها، كحالة تكامل المشهد الفني الابداعي هنا أو هناك، خصوصا ان هذه التيارات لا تمثل بمفردها المشهد التشكيلي العربي، فالاشكال الابداعية الاخرى، بمختلف اساليبها وتقنياتها مازالت هي الغالبة، والرهان على انحسارها لم توجد مبرراته على أرض الواقع، خصوصا ان ثمة اشكاليات أولية متعلقة بالفن أو بنقده مازالت قيد الجدال، بالاضافة الى ان عمر التجربة التشكيلية عندنا لا يتجاوز بضعة عقود، بحيث لم تستطع بلورة هويتها الخاصة أو فرز مصطلحاتها النقدية.
لكن الرهان هو على الذهنية الابتكارية المنفتحة والخلاقة، التي تستطيع الافادة من المنتج الابداعي الانساني بغض النظر عن هويته المحلية أو الاقليمية.
فالاشكال الابداعية هي تمظهرات لما يعتمل في تربتنا العميقة وهي تجليات لما نحلم به، وليست منفصلة عن مكوناتنا الكلية التي تمتد بعيدا الى الخطوات الاولى التي رسمت سيرة الانسان عبر تاريخه الطويل. ومنه فإن النظر الى هذه السيرة افقيا وعموديا في الوقت نفسه، تمنحنا فرصة اكبر لتأمل طبيعتنا والتبدلات التي طرأت عليها واكتشاف الجوهري فيها، وهذا ما يجعلنا نمتلك نظرة اكثر موضوعية لنتاجنا الابداعي واشكاله المتعددة والمتساوقة مع غنى الانسان وتعدد طرائقه التعبيرية، وصولا الى غاية اساسية لم تنفصل يوما عن محاولة اكتشاف الكون والوقوف على حقيقته المتأصلة في بنية الانسان وجوهره الأصيل

المصدر: dofarts.net