الرئيسية | فنون جميله | التصاوير النحتية لمحمد حامد عويس بين ملامح وطن وثورة شعب

التصاوير النحتية لمحمد حامد عويس بين ملامح وطن وثورة شعب

تظل الدائرة البيئية المحيطة بالفنان هى أهم قوة محفزة له على الوهج الإبداعى ، خاصة إذا علمنا أنها تشيد على عدة أعمدة ، مثل التاريخى والجغرافى والعقائدى والسياسى والإجتماعى ، بما يشكل فى مجمله دائماً السيرة الذاتية لأى أمة تسعى للتميز بين أقرانها ، لذا أعتقد أن المنهج النقدى السياقى هو المناسب فى تلك الأحوال لسبر أغوار العمل الفنى الذى يبدو آنذاك مكسياً بالسمت الشكلى والروحى والوجدانى لأجيال بشرية متتابعة داخل قطعة من المعمورة تفصح عن هويتها الإبداعية شديدة الخصوصية ..

وإذا كانت تلك الآلية تظهر جلية فى عوالم الأدب والموسيقى والمسرح ، فإنها تكون أكثر تجلياً فى مجال الفنون البصرية ، وهو مايبدو بارزاً فى تاريخ الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة عبر مئة عام ، منذ انطلاقها فى مطالع القرن الماضى مع تخرج أول دفعة من مدرسة الفنون الجميلة عام 1911م ، فى حضن إرهاصات ثورة 1919م ، مثل محمود مختار ومحمد حسن وراغب عياد ويوسف كامل ، إضافة إلى محمد ناجى ومحمود سعيد من خارج السرب الأكاديمى ..

وقد كان هذا الجيل بداية لرباط قومى بالمنتج الإبداعى ، بما أعطى طاقة دافعة لأجيال تالية كى تقتفى أثر خطاهم التى عمقت من دلالة الصورة والتمثال وقتذاك .. ويعد الفنان الكبير محمد حامد عويس ( 1919م _ 2011م ) الذى رحل عن عالمنا مؤخراً ، هو أحد أكثر المبدعين الذين نهلوا من أبيارهم البيئية بوعى فكرى ونضج فطرى ، أمد بهما مشروعه الإبداعى ، حتى صار راسخاً فى الذاكرة المصرية الجمعية بين ملامح وطن وثورة شعب ..

فقد ولد هذا المبدع الفذ فى الثامن من مارس عام 1919م بقرية ” كفر منصور ” التابعة لمحافظة بنى سويف ، لأم وأب ينتميان إلى فلاحى مصر كقطاع حمل أمانة الأرض منذ فجر التاريخ ، وذلك داخل أجواء ثورية متصاعدة ، وفى حضن جغرافيا ريفية مصرية على جناحى الوادى ، حيث سموق النخيل ومرح النيل وطراوة الطين وخضار الزرع وصبر البسطاء ودأب المكافحين وفرحة الأطفال ودلع الصبايا وحكمة الشيوخ وجلد النساء ، إضافة إلى لفحات شمس الظهيرة فى الغيطان وانسكاب ضى القمر على الساهرين فى ليل وديع ..
وقد ظل الطفل محمد عويس ملتحفاً بهذا الطقس الريفى البديع ، حتى بدأ يصنع تماثيله لحيوانات القرية من الطين الراقد على شاطىء الترعة كما يروى لنا الناقد الكبيرعزالدين نجيب فى كتابه القيم ( محمد عويس .. الإبداع والثورة ) ، حيث كانت البداية لإرساء معماره الإبداعى الناضج فيما بعد ..

ثم التحق بكتاب القرية لحفظ القرآن وفك أبجديات اللغة التى أهلته لنيل الشهادة الإبتدائية عام 1933م ، قبل أن يفصح عن عشقه للفن ، عندما أبدى رغبته فى الإلتحاق بقسم النقش والزخرفة بمدرسة الصنائع التى هرب منها بعد الدفع به إلى قسم الحدادة ، ليبدأ رحلة الدراسة بمدرسة بنى سويف الثانوية ، تحقيقاً لرغبة والدة فى دخول مدرسة البوليس التى رسب فى كشف هيئتها كمقدمة لدخوله مدرسة الفنون الجميلة عام 1939م ، بعد اجتيازه لاختبار القدرات بمساعدة الفنان الكبير عبد العزيز درويش ، لنجده طوال النصف الأول من أربعينيات القرن الماضى ولعاً بالدراسة الأكاديمية والفعل السياسى فى آن ، إذ ارتبط فكرياً ببعض الخلايا الطلابية النشطة وقتذاك ، بالتزامن مع استفادته من الفنانين الكبيرين أحمد صبرى ويوسف كامل ، جامعاً من أستاذيتهما بين الرصانة البنائية من الأول والإنطباعية الأدائية من الثانى ، ليتخرج عام 1944م وقد بنيت معظم أركان شخصيته فنياً ووطنياً على أرضية فكرية منتمية راسخة ، وهو مابدا فى رسوماته بالفحم لوجوه الفلاحين والفلاحات ، ومشروع تخرجه عن وباء الكوليرا الذى اجتاح البلاد آنذاك ، بما يشير إلى بداية التحافه بسياق هويته على المستويين الإنسانى والإبداعى ، لذا فقد بدت تصاويره حينئذ حبلى بإرهاصات لنحت ملامح وطن ينتظر ثورة شعب ، فكان بديهياً أن يؤسس جماعة ” صوت الفنان ” بالمشاركة مع الفنانين صلاح عبد الكريم وجمال السجينى ، ويقيمون معرضهم الوحيد عام 1946م ، والذى اتكأ فى منهجه على مجابهة الرجعية والبرجوازية ، قبل أن يحصل عويس على دبلوم المعهد العالى للمعلمين عام 1947م لكى يحصل على وظيفة مدرس .. إلى أن اختارت هذه المجموعة لنفسها فى ذات العام إسم ” جماعة الفن الحديث ” التى انضم إليها نخبة أخرى من الفنانين ، مثل عز الدين حمودة وزينب عبد الحميد ويوسف سيدة وسعد الخادم ، وغيرهم ممن شقوا لأنفسهم أخدوداً إبداعياً وطنياً أثمر عند سقياه عن معرضهم بأتيليه الإسكندرية عام 1948م ، وعلى رأسهم بالطبع عويس الذى كان قد بدأ ينشغل بالتعبير عن الطبقات الكادحة تحت تأثير ثقافته السياسية ذات التوجهات الإشتراكية الثورية ، خاصة أن مصر كانت تمور من داخلها ببواكير ثورة محتملة ، وهو ماتمثل فى مظاهرات الطلبة والعمال عام 1946م ، والتى قمعها إسماعيل صدقى ، حيث انتهت بفتح كوبرى عباس الشهير ، ورغم هذا لم يستطع عويس الإفلات من تأثير الفنانين الأوروبيين من ذائعى الصيت حينذاك ، مثل بيكاسو وماتيس وموديليانى ورمبراندت ، وهو مابدا واضحاً فى أعمال تلك الفترة ، مثل ” الخياطة ” ، ” الفتاه والقطة ” ، ” العراف ” ، ” جالسة ” ، ” زهور 1 ، 2 ” ، ” وجه 1 ، 2 ” ، ” مدخل ” ، ” شقيقتى سعاد ” ، ” والدى ” ، ويضاف إليهم تأثير أستاذيه أحمد صبرى ويوسف كامل كما أسلفنا .. ولكن تظل الطاقة التعبيرية الفطرية كامنة داخل عويس فى لهفة على أسلوبه المتفرد الذى لم يولد بعد ، وقد تجلى هذا فى عمله ” أنشودة السلام ” الذى بدأت فيه تلقائيته الطفولية تطفو على السطح ، متمثلة فى تلك البراءة البادية على وجوه عناصره البشرية من البنت والولدين الذين أمسك أحدهما بغصن الزيتون ، أمام الحمامة الحائمة الحائرة ..

وقد غلف أداؤه فى هذا العمل بكثير من العفوية على المستويين البنائى واللونى ، حيث اختفى شغفه هنا بالإنضباط التشريحى للشخوص ، ومال إلى تأطيرهم بخطوط سوداء ، تأكيداً لاحتواء شفافيتهم الروحية ، فى حين رسخ لهذا فى الخلفية التى طغى عليها اللون الأخضر الزرعى الصريح ، كمعادل للأرض التى امتزج فيها الرمادى بالترابى كمنبت للخير والتوالد والنماء المرتقب ..

وفى هذا المقام أرى أن هذا العمل كان بمثابة البشرى لميلاد أسلوب جديد للفنان وانتفاضة شعب فى آن ، حيث اندلعت ثورة 23 يوليو 1952م ؛ فبات عويس على أعتاب تحقيق حلم الصبا القديم بعدالة اجتماعية ، إضافة لقبضه على ناصية الأسلوب الملائم لتوجهاته السياسية ، بعد زيارته لبينالى فينيسيا عام 1952م ، ووقوعه على صيد ثمين فى الجناح الإيطالى ، حيث أعمال الثوريين الإشتراكيين ، وعلى رأسهم جوتوزو وكازوراتو _ على حد روايته لعز الدين نجيب فى كتابه المشار إليه سلفاً _ وفيما بعد تأثر بالمصرى محمود سعيد والمكسيكى ريفيرا ..
وبالفعل تبدأ معالم تضافر الشكل والمضمون فى أعماله على خلفية ثورية قديمة تبلورت على أرض المشروع القومى الجديد الذى وجه بوصلته صوب الطبقات العاملة المكافحة من فلاحين وعمال وموظفين ، وهو مابدا فى باكورة أعمال عويس خلال تلك الحقبة ” وردية الليل ” الذى يعلن من خلاله عن انتمائه الممنهج لتيار ” الواقعية الإشتراكية ” على المستويين السياسى والفنى معاً ، حيث يصور فيه مجموعه من العمال التى أنهت ورديتها قبل أن تخرج فى هيئة عائلية منسجمة ، وقد بدوا فى ملابس أقرب إلى الزى الموحد بين جلباب وبزة وغطاء رأس وحذاء ، فى إشارة لعدالة اجتماعية مستترة خلف الملبس ، وهو ماتأكد فى الدراجة ذات الكشاف المضىء لاستحضار الجو الليلى ، والتى يمتطيها أحدهم فى مقدمة الموكب الملتحف من الخلف بعمارة المصنع ومداخنه المستعرة ، بينما انخرط الآخر فى إشعال سيجارة لم يستطع إشعالها أثناء الوردية ، وقد أكد عويس منهجه الفكرى هنا بذلك البناء المتماسك بين عنصريه الرئيسيين المعمارى والبشرى ، إذ بدا التماهى الرأسى والأفقى بين مجموعة العمال المتلاحمة ولبنات المصنع ، فى ترابط واضح بين خيوط نسيج العمل ، قبل أن يدعمه عويس بسيادة التقشف اللونى الذى تمثل فى المزيج المتداخل بين الرمادى والترابى ، ترميزاً لانصهار جسد الأرض بدخان المصانع بكسوة العمال ، كخليط ساحر عجنه الفنان بانسكابات ضوئية منيرة على مفردات المشهد ، علاوة على الضى القادم من بطن المصنع فى عمق الصورة ، وهى الدائرة الإشتراكية التى رسخ لها عويس بضفيرته الإبداعية الإجتماعية داخل مجتمع يشرع فى النهوض . . وأعتقد من وجهة نظرى أن هذا العمل يشكل منعطفاً فارقاً فى منجز عويس التصويرى ، حيث يعد نقطة انطلاق نحو تميز أسلوبى لم يفرط فيه الفنان حتى رحيله ..

وقد تأكدت هذه الآلية الإحتشادية فى أعمال الفنان بعد تأميم قناة السويس عام 1956م ، ذلك القرار الفذ الذى صعد بنجم الزعيم جمال عبد الناصر إلى قمة المنحنى الشعبى ، وجمع حوله كل طوائف الأمة عن قناعة ويقين ، تأهباً لتحديات المرحلة التالية التى شهدت خوض معركة بناء السد العالى ، وهو مابدا عام 1957م فى عمل عويس ” الزعيم وتأميم القناه ” الذى حمل فيه ناصرعلى أكتاف جموع شعبية غفيرة متنوعة المهن والأعمار ، بين نساء وشيوخ وشباب وأطفال .. بين عمال وفلاحين وموظفين .. بين مدنيين وعسكريين ، إلا أن الفنان هنا وحد بينهم عبر حمأة تعبيرية مشتركة كست وجوههم المهللة وعيونهم المبتهجة التى تشى بثقة مفرطة فى قائدهم المنتمى لنسيجهم ، لذا فقد حرص الفنان على ارتقاء ناصر بنائياً فوق الرؤوس بكامل وقاره الكامن فى بزته الأنيقة ووجهه المبتسم ورأسه المرفوعة بكبرياء الراسخين فى حب الوطن ..
وفى إيماءة رمزية دفينة ، نجد الفنان هنا قد مال للتسطيح الأدائى النسبى لوجوه الناس ، بما جعلهم كحبات المسبحة التى يجمعها خيط متين ينتهى بمناضل يلم شملهم عبر استثماره لإرادتهم ، وقد حرص عويس على توثيق المشهد بإبراز إحدى السفن وهى تمر من القناه فى عمق الصورة ، ليمزج بمهارة بين التعبيرى والتاريخى .. بين الرمزى والواقعى ، على جسر منهجى متواتر البناء .
وفى نفس العام كان عويس عضواً فى أول منحة تفرغ تعطى لفنان من وزارة الثقافة ، فانطلق منتشياً بحلته الأسلوبية الجديدة فى التعبير عن الطوائف الشعبية المغتسلة بعرق الكفاح ، مثلما بدا فى عمله ” القيلولة ” الذى يصور من خلاله ثلاثة من عمال الترحيلة وهم مضطجعون ناعسون فى فترة القيلولة التى تعقب لفحة شمس الظهيرة ، مميزاً كل منهم مهنياً بالسروال المشلوح والسترة الضيقة والصديرى المحدود .. وقد مال الفنان هنا إلى تنويع الإيقاع الحركى ، رغم التغفيلة التى تجمع الثلاثة بعد عمل مجهد ، حيث ظهروا وكأنهم يتقلبون على جنوبهم مدثرين رؤوسهم بأيديهم ، بينما اكتست وجوههم بمزيج من الشقاء والرضا فى آن ، ترميزاً لحالة الأمان التى سادت بسطاء الشعب آنذاك ، وهو ماأكده الفنان فى اصفرار أدوات البناء التى يرتكنون إليها ، وخضار الزلط الذى ينامون عليه ، ترسيخاً لمفهوم اقتناص النماء والرخاء من بين قساوة الصخور وصلابة الجبال ، وهو ماخيل للرائى أنه ترديد للدعوة الإستقلالية لبناء السد العالى وقتذاك ، عبر عزيمة مضطردة وإرادة عتيدة ..
وقد سار عويس على هذا النهج فى أعمال أخرى ، بالتوازى مع عملية التضخيم فى النسب التشريحية ، لتأكيد الرسالة التعبيرية الملحة على عقله ووجدانه ، مثلما بدا فى عمل ” التعمير ” .. ثم نجده على نفس الدرب فى تلك الفترة يتجه صوب التركيز على الكيانات المهنية التى تقدمت المشهد فى تلك الحقبة ، مثلما بدا فى عمليه ” الحلاق ” ، ” الصياد ” الذين أعلا فيهما من قيمة الصنعة لمجتمع تتفتح عيونه على ضياء الأيدى العاملة .
وفى تجذير لقيمة الثقافة والعلم لكل طبقات الشعب نرى الفنان ينجز مجموعة أعمال يؤكد فيها واقعيته الإشتراكية ، مثل ” ولد وبنت من القرية ” الذى يدفع عبره بصبى وصبية إلى بؤرة التعبير ، كاسياً إياهما باللباس الريفى المألوف ، حيث استتر الصبى خلف جلبابه المخطط وطاقيته البيضاء وكوفيته البرتقالية وحذائه الاسود ، متأبطاً شنطته المدرسية بذراعه الأيمن ، بينما أمسك فى يده اليسرى كوزاً من الذرة الأخضر اليانع ، ترميزاً لمساواة العلم بخصوبة الأرض وقدرتها على الإنبات ..

أما الصبية فقد سترها عويس بجلباب برتقالى منقوش بالورود ، وغطاء رأس مرقوش بصفوف من الزهور الخضراء والحمراء ، وقد أفلتت منه إحدى ضفائرها المدلاه على صدرها ، متجهة نحو حذائها الأحمر المصفر الذى غطى جزءاً كبيراً من جوربها الأزرق الفاتح ، وقد تأبطت الصبية هى الأخرى شنطتها المدرسية ، فى إيماءة لدور المرأة المستنيرة كشريكة أساسية فى المجتمع التقدمى الجديد الذى يبشر به الفنان هنا فى خلفية المشهد عبر النبات الأخضر الناهد من الحجارة البيضاء ، والشجرة وارفة الظلال والأوراق ، والتى سكن بداخلها زوجان من الحمام الأبيض الممارس للغزل ، فى تزاوج على جسر الخير المنتظر بين الإنسان والطير والنبات ، مؤكداً إياه على المستويين الشكلى والضمنى بذلك النبات الأحمر المشتعل الذى يخترق الركن الأيسر السفلى من الصورة ..

وفى هذا العمل يرسخ الأسلوب التعبيرى الدائرى لعويس الذى يجمع فيه بين الواقعى والرمزى ، داخل منطقة إيحائية مرتبطة بالمرئى ، رغم محاولته للفرار منه جزئياً . . وقد كرر الفنان تلك التركيبة التصويرية الواقعية الإشتراكية فى عمليه ” قارىء ” ، ” نحو النور ” الذين أطر فيهما لقيمة المعرفة كضرورة لاغنى عنها لدى كل الطبقات الشعبية المكافحة التى نحتها فى عمله ” الجبهة الشعبية ” ، مؤكداً فيه على التكاتف الملحمى بين الفلاح بفأسه وزرعه ، والعامل بقادومه ، والمرأة كوتد مساند وولاد فى آن ، لتثوير المشروع النهضوى النامى . . وعند هذا المنعطف فى مشوار عويس الإبداعى كانت لغته التصويرية قد بدأت تكتسب السمت النحتى داخل مربع الصورة ، مع احتفاظه بقدر وفير من العاطفة السيالة تجاه عناصره الدافئة ، وهو مايبدو فى عمل ” بنت البلد ” الذى يدفع إلى بؤرته الشكلية والشعورية بإحدى البنات السكندريات اليافعات ذات الجسد الأنثوى الشهى البض ، بين صدر ناهد وفخذ ملفوف وخصر مضغوط ، وقد ارتدت فستاناً أبرز جمال بدنها ، وحذاءاً خفيفاً رشق من خطوتها ، بينما تأبطت أيضاً شنطتها المدرسية تحت ذراعها الأيمن ، وقبضت بيدها اليسرى على أحد الكتب ، فى تأكيد جديد من الفنان على مأثرة الجدية فى تحصيل العلم ، رغم تشبع العمل بفيض من دلال الصبايا ، حيث احتضن المشهد من الخلف بجو سكندرى خالص من سيدتين بحريتين بملائتيهما اللف ، وأحد الصيادين الجالسين ، وبعض المراكب بأشرعتها وسواريها ، وعمود كهربائى مضىء رغم الحلول النهارى ، بينما أطلق عويس كعادته الحمام وأوانى الورد على بلاط الصورة ، كنطفة سلام متكررة لديه مع النفس والأهل والوطن ..

وأعتقد هنا أن هذا العمل هو بداية المعادلة عنده بين صرامة التعبير وليونة المشاعر .. بين متانة التكوين وطراوة الوجدان .. بين جدولة العقل ونداوة الروح .. وربما جعله هذا التوازن النفسى يلوذ أحياناً بتصوير الوجوه والحدائق ومحطات الركاب ، بشكل شمولى يستوعب عبره الممارسات اليومية للجماهير ، كما بدا فى أعماله ” حديقة شعبية ” ، ” وجه ” ، ” فى حديقة الحيوان ” ، ” زوجتى ” ، ” النيل فى أسوان ” ، ” الشهيد محمد شاكر حسن ” ، ” محطة ترام فيكتوريا ” ..

ويظل الفنان يركض وراء مشاهده التى أمسى يستخدمها كأزميل مسنون ينحت به ملامح وطن فى بطن أحجار صلدة تشهد على ثورة شعب .. حتى حلت نكسة 1967م التى وجهت طعنة نافذة للوجدان المصرى ، سيما طائفة المبدعين ، وفى مقدمتهم بالطبع حامد عويس الذى طالما تغنى بأمجاد الثورة وبطولة قائدها ورجاله ، وهو ماجعله يتوقف عن الإنتاج لمدة عام تقريباً ، لكنه سرعان مااستعاد توازنه الإنسانى ، مستحضراً رصيده فى النضال السياسى والوطنى والفنى ، ليقدم لنا رائعته التصويرية ” حماة الحياه ” عام 1968م ، والتى يشيد فيها جسداً ضخماً لأحد الشخوص من ذوى السمت الريفى ، بسترته الرمادية المحبوكة التى حجبت جزءاً كبيراً من لباسه القطنى الأبيض ، بينما دثر دماغه بمنديل بنى .. وقد أكد أسلوبه النحتى فى هذا العمل ، بتحريفه للنسب التشريحية الجسدية ، عبر الرقبة العتيدة كجزع الشجرة ، والذراعين الممتدين كفرعين نباتيين قابضين على المدفع ، والكتفين المنبسطين كضفتى النهر ، أما الوجه فقد اكتسى بكل علامات الإصرار والثقة فى آن .. واستمراراً للتضاد الحسى الذى أشرنا له فى أعمال الفنان ، نجده قد ألقى فى حضن هذا الفلاح بسلاف اجتماعى بهيج يعادل صلابته الوطنية فى لحظات مواجهة الأزمة ، بين عروسين وقت زفافهما ، وحبيبين لحظة عشقهما ، وأم تداعب طفلها الرضيع ، وأخرى تلعب مع إبنتها ، وثانية ترقب إبنها وهو يلهو بالدراجة ، وذلك الفلاح الذى يصاحب حماره ، وتلك الفلاحة التى تبسط يديها بالمؤازرة ، وصبيان تمرح ، وصبيات تفرح ، فى كنف الفلاح الذى ظهر كحارس أمين على شرف الوطن .. وتعميقاً للغة التحدى فى مجابهة العدوان ، فقد جعل الفنان خلفية المشهد حبلى بمداخن المصانع وعمالها ، وبراح الغيطان وأشجارها ، فى حين ترك النيل يجرى فى بدن التكوين ، محافظاً من خلاله على نبض الحياه الذى يسكن جسد المصريين منذ فجر تاريخهم ..

وعلى جانب آخر حقن الصورة بمساحة حمراء ملتهبة من الضلعين الأيمن والأيسر ، للإيحاء بالإبقاء على وتيرة المقاومة مشتعلة ، بالتضافر مع لحن البهجة المتصاعد ، كجديلة مصرية أصيلة تمثل جوهر فكر عويس التصويرى فى تلك الفترة التى أضحت حصاداً لما بذره فى العقدين السابقين عليها .. لذا كان بديهياً أن تستمر انفعالاته الإبداعية على صراط تعبيرى يفصل بين حمرتى الفرحة والمقاومة .. بين حمأتى الإنتاج والقتال .. بين همتى الحرث والجهاد ، وهو ماتجلى عام 1970م فى عمليه ” الحصاد ” ، ” أمريكا ” الذين يجمعهما وهج الوعى بكيانى الأرض كعرض أزلى ، والأمريكان كعدو تاريخى .
ويواصل عويس نضاله ضد اليأس بحصوله على درجة الأستاذية من أكاديمية سان فرناندو بمدريد فى إسبانيا عام 1969م ، ويستمر أيضاً فى منهجه الفكرى التصويرى حتى تحقق النصر المنشود يوم السادس من أكتوبر عام 1973م الذى لقن فيه جنودنا العدو الصهيونى درساً قاسياً ، واستعادوا الكرامة المهدورة ، وهو ما جسده الفنان عام 1974م فى عمله الشهير ” العبور ” الذى يستحضر فيه نفس الفلاح المستعان به وقت الشدائد ، تبعاً لما ألفناه من هذه الطائفة عبر التاريخ المصرى السحيق ..
وفى هذه المرة يظهره برداء الحرب ، بين خوذة القتال وسترة العبور التى طرزها بساعة ضبطها عند الثانية وخمس دقائق ، وفى يده اليمنى شوكة ، وفى اليسرى منجل ، لينقض بهما على حصون أعدائه ، فى حين خرجت من بطن ذلك الفلاح المقاتل المتعملق حزمة من مواسير المدافع التى وجهت عيونها بشراسة لهدم خط بارليف على رؤوس من فيه ، حيث بدت هذه البناية المزعومة فى المشهد كشطائر خبز أعدت للإلتهام عند إفطار هذا اليوم الرمضانى الميمون ..
وقد ظهرت رملة سيناء والقناه فى عمق الصورة ، مطوقتين بالنبات الأخضر ، بينما احتفظ الفنان بنفس مساحته الحمراء الملتهبة التى تدثر جسد المقاتل الفلاح فى سماء التكوين ، إمتداداً لمنهجه التصويرى المتكىء آنذاك على جديلة المقاومة والبهجة ، حيث كانت هذه المرة قرينة للنصر الذى طال انتظاره ، لتتطهر ملامح الوطن باكتمال ثورة الشعب .
وربما كان هذا التحول التاريخى فى مشوار مصر التى بدأت تداوى جراحها ، هو ماجعل الفنان ينعطف بتصاويره ثانية نحو البهجة الخالصة على الصعيدين اللونى والبنائى ، فاندفع فى نفس العام يلتقط بتصاويره يوميات أسرته وأهله وشعبه ، وخاصة نجليه حازم وعلا ، وذلك فى أعمال ” لحن راقصة ” ، ” علا ” ، ” د . حازم ” ، ” د . علا ” .. ثم يستمر فى دأبه الفنى والإدارى حتى أصبح عميداً لكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية من عام 1977م حتى تقاعده عام 1979م ، بعدما ظل أستاذاً بها قرابة العشرين عاماً منذ تعيينه عام 1958م ..
وأثناء انخراطه فى إبداعه خلال حقبة الثمانينيات يرشحه الفنانون السكندريون كأول نقيب لهم فى الفترة بين 1982م و1986م .. والمدهش أن هذا لم يعقه عن شغفه بسبر أغوار الشخصية المصرية طوال حقب السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات ، مستعيداً ذاكرته الشبابية الأولى بين أحضان بسطاء شعبه ، وقد بدت أعماله بعد نصر أكتوبر فى ثوب شكلى مغاير نسبياً ، عبر ألوان أكثر صداحة ونقاوة بعد أن أقصى رمادياته التى كانت تطوق الغنائية اللونية لعناصره أحياناً ، فى حين صارت مفرداته أعلى وهجاً بعد تشبعها بنفحات النور الداخلى المتحرر نسبياً من الأسر الفيزيقى ، وهو مابدا فى أعماله ” الناس والسمك ” ، ” فنجان شاى ” ، ” حوار الصيادين ” ، ” الأجيال ” ، ” الصياد والسمك ” ، ” شمس الشتاء ” ، ” المكوجى ” ، ” خلف النافذة ” ، ” الهدهد ” ، ” د . مصطفى يوسف ” ، ” الميدالية الذهبية ” ، ” الأم ” ..
وبعد تجوالنا فى جغرافيا شخصية عويس القومية التى تربت على مبادىء ثورية نقية ، يكون من البديهى أن ندرك أن نصر أكتوبر لم يقف حائلاً بين الفنان وقضاياه العربية المعلقة ، وهو ما تجسد عام 1975م فى عمله ” فلسطين ” الذى بشر فيه بصلابة المقاومة الناجمة عن ديمومة الميلاد ..
ولم يكن أيضاً بمعزل عن أحوال وطنه المأزوم فى ظل نظام فاسد نهب خيرات البلاد ، وهو ماتجلى ببلاغة إبداعية عام 1989م فى عمله ” البطالة ” الذى دفع فيه بأحد عمال تصاويره القدامى إلى بؤرة الرؤية كبطل للمشهد ، بزيه المهنى المألوف ، بين سترة زرقاء وبنطال وحذاء بنيين وكلبوش ترابى داكن ، وقد تكور أرضاً ، واضعاً رأسه بين قدميه وذراعيه ، حتى كادت أن تختفى فيها ، بينما تجمدت قسمات وجهه واكتست بستارة من الحزن ، عبر عينين ساهمتين وخدود متهدلة وشارب غطى فمه الذى لم يعد يقوى على الكلام ..
وربما يكون هذا العمل بمثابة صرخة مبكرة فى وجه من جرفوا الطاقة العاملة للوطن ، قبل أن يصيبوه بفيروس البطالة ، ورغم هذا فقد احتضن عويس الأمل كعادته الإبداعية ، من خلال الشجرة المورقة فى عمق المشهد ، مقابل المصنع الرابض خلفها كجثة هامدة بلا حراك ..

ويبدو أن هذا النسيج التصويرى الإحتجاجى كان يحمل إنذاراً بانتفاضة أمة طالما عشقت العمل كعشقها للعبادة ، لأنه سبيلها للإرتقاء الحضارى ، لذا فقد رأينا عويس يغزل عملاً تصويرياً لنفسه عام 2000م ، ببزته الأنيقة وقميصه الحامل لرباط عنق مزركش ، وشعره الأبيض المشبع بسيل من حكمة السنين ، ورغم هذا فقد اكتسى وجهه بستارة الحزن ذاتها التى كست وجه عامله العاطل من قبل ، وانطلقت من خلفية الصورة نفس المساحة البرتقالية المحمرة الملتهبة التى سكنت أعماله فى حقبة حربى الإستنزاف وأكتوبر ، فبدا هو والعامل كمن ينتظران حدثاً جللاً ، وهو ماتحقق بثورة 25 يناير 2011م عبرانشقاق الأرض عن أهل وعشيرة الفنان الكبير محمد حامد عويس ، من عمال وفلاحين وموظفين وطلبة ، بين نساء وشيوخ وأطفال ، ليراهم بعينيه وهم يسطرون تاريخاً جديداً لمصر يحتفى بالحرية والعدالة الإجتماعية ، قبل أن تصعد روحه إلى بارئها فى الثلاثين من سبتمبر فى نفس عام الثورة عن اثنين وتسعين عاماً ، راضية مرضية بإنجازها المتفرد الذى سيبقى فى تاريخ الحركة التشكيلية المصرية والعربية ، كجدارية فصيحة تشدو بموال خالد بين ملامح وطن وثورة شعب .

محمد كمال
دراستى فى مجلة ” إبداع ” _ العدد العشرون _ خريف 2011م