الرئيسية | فنون جميله | الفنون التشكيلية في الاسكندرية

الفنون التشكيلية في الاسكندرية

ان المناخ الثقافي الممتاز في مدينة الاسكندرية ساعد بقدر كبير على ازدهار الحركة الفنية بشتى صورها و ألوانها و جعل من الاسكندرية المدينة الرائدة على مستوى بلدان المشرق العربي كله في مجال تقديم المزيد من حملة مشاعل الحضارة و التقدم للانسانية ان الاسكندرية التي أنجبت روادا في مضمار الفن التشكيلي أمثال محمود سعيد و محمد ناجي و الاخوة سيف و أدهم وانلي و محمود موسى الذين يعتبرون بحق علامات مضيئة على طريق الفن . تحمل على كاهلها تاريخ طويل و أصيل في حقل الثقافة و الفن . ففي الوقت الذي كانت فيه القاهرة هي عاصمة الملك حيث الادارة و السلطة و السياسة كانت الاسكندرية هي العاصمة الثقافية و الفنية للبلاد .

 و الفن التشكيلي في الاسكندرية له تاريخ قديم و شكل مميز ساعد على تبلوره التركيب الأنثروبولجي للمجتمع السكندري الذي يمكن بوضوح أن نقسمه الى عصرين .. عصر ما قبل ثورة يوليو سنة 1952 و عصر ما بعدها .

فقبل ثورة يوليو سنة 52 كان المجتمع السكندري يتكون من عدة جاليات أوربية من رجال المال و الأعمال من الشعب السكندري عصب الانتاج في كل المجالات ، و استوطنت كل جالية مكانا من المدينة ، و أسبغت عليه من فنونها و ذوقها و عاداتها و تقاليدها ما يميزه عن غيره من الأحياء . و تطلّب كل هذا أن يكون لكل جالية فنانوها لاشباع احتياجاتها من هذا اللون من الابداع .

و وجد في الاسكندرية الفنان المحترف الذي يمكنه أن يعيش في رغد من الحياة على فنه . و كانت هذه الظاهرة لا توجد في بلدنا و وجدت المراسم المختلفة لاشباع رغبة الهواة في تعلم الفن يشرف عليها هؤلاء الفنانين الأجانب ، و نشطت اذ ذاك حركة الفن التشكيلي في الوقت الذي خلت فيه القاهرة من مثل هذا اللون من التعليم للفن الا من مدرسة الفنون الجميلة الحكومية التي يتطلب الالتحاق بها شروط و شهادات لا تسمح للهواة بدخولها .

كانت للفنان السكندري في ذاك الوقت مكانة مرموقة و احترام مستمد من مكانة و عزوة الجالية التي ينتسب اليها ، و جاهها في المجتمع و تبعا لذلك كان الفن يقدم للجمهور باسلوب محترم و مقدر ، و يحضرني في هذا المجال مشاهدة أحد هذه المعارض .. حينما كنت في زيارة للاسكندرية سنة 1946 ، و شاءت الصدفة البحتة أن أكون في شارع ” فؤاد الأول ” – 26 يوليو الاّن -و بالتحديد أمام مبنى ” دار المجلس البلدي ” محافظة الاسكندرية الاّن . و كانت توجد في مواجهته صالة أنيقة لعرض الفنون التشكيلية و اسمها ” لهمان “و يقوم مكانها الاّن أحد البنوك .المكان أنيق جدا .

و من الأضواء و الرخام على هذه الصالة عرفت أن تلك اللحظة كانت موعد لافتتاح معرض لأحد الفنانين و أظنه كان يونانيا ، و لا شعوريا وجدت نفسي وسط هذا الزحام داخل المعرض .

المكان أنيق جدا . تغطي أرضه أبسطة ألأوانها هادئة جدا حتى تترك لألوان الصور أن تتغنى و يصطف على أرض الصالة و بجوار الحوائط التي تحمل الصور ذات الأطر المذهبة سلال الورد المنسق بالألوان الجميلة ، و الغريب أن المعرض كله كان عبارة عن تصوير للزهور مما جعل الصالة تبدو كحديقة غناء .. أزهار في لوحات مرسومة على الجدران و ورود و أزهار على الأرض .. مما جعل النظر لا يستقر على شيء ثابت بل يتردد طوال الوقت بين الأصل و الصور . ساعد على ذلك ومضات الضوء المتلألأة يحدثها البريق الخاطف للكم الهائل من الجواهر التي تزين جيد الحسناوات اللاتي كن يرفلن في أجمل ثياب السهرة حاملات في أيديهن كؤوس الشراب و يفوح في أرجاء المعرض عبق العطور الذي اختلط بروائح الزهور المنتشرة في المعرض حتى أحسست أنني كنت أشم الرائحة العطرة تنبعث من صور الزهور المرسومة ، و في لحظة كانت كل الأعمال المعروضة مباعة . و وقفت أفكر في هذه الظاهرة الغريبة عني و تذكرت كيف تفتتح معارضنا مهما كانت تحوي من أعمال جادة و مستويات رفيعة و لا يحضر الا بعض الزملاء و قلة من الأصدقاء و نفر من طلبة الفن و الهواة .

كانت الحركة التشكيلية في الاسكندرية قديمة بدأت بحضور بعض الفنانين الفرنسيين مع الحملة النابليونية على مصر و بتمركزهم فيها فتح المجال لحضور فنانين أوربيين مع جالياتهم و ظهرت بذلك حركة فنية أوربية في الاسكندرية .

و قد ساهم هؤلاء الفنانون في بداية القرن العشرين في تعليم بعض المصريين العاشقين لهذا الفن و منهم من كانت استعداداته طيبة ، و كان الفن طريقه ، فبرز و تلألأ ليفوق أساتذته و على سبيل المثال تعلم محمود سعيد من المصور زانييري و درس الأخوان وانلي على المصور أرتور بيكي و كان يدير مدرسة للتصوير بالاسكندرية بجهة العطارين و أخذ محمود موسى عن النحات سكاليت الكثير من علوم الفن .

و قد لمعت أسماء كثيرة في سماء الفن التشكيلي بالاسكندرية أمثال بابا جورج و سيباستي و أنجلو بولو و كليا بدارو و غيرهم و كثير من هذه الأسماء أصابت شهرة عالمية في بلادها بعد أن هاجرت من مصر في أعقاب العدوان الثلاثي سنة 1956 و لمسنا تحقيق شعارنا ” مصر للمصريين ” أمام أعيننا في كل المجالات ، ففي مجال الفنون التشكيلية بدأت معارض الفنان المصري تغزو صالات العرض بالمدينة ، و ألقيت المحاضرات عن الفن باللغة العربية في الأتيلييه و جماعة الصداقة الفرنسية ، و كانت كل هذه الأماكن لا ينطق فيها بالعربية .

و في سنة 1954 أفتتح متحف الفنون الجميلة الذي سمح بدوره للفنان المصري أن يجد له أرضا صلبة يقف عليها ، و نشط المتحف ليقيم بينالي الاسكندرية لدول البحر المتوسط سنة 1955 ليعرض للرواد الفنون العربية بجانب الفنون الأوربية من الدول المطلة على سواحل البحر الأبيض و فتح الباب على مصراعيه للفنانين المصريين في الجناح المصري .

و أفردت صالات العرض بالمدينة جدرانها للمعارض الفردية و الجماعية للمصريين ، و تحضّر يذلك المزاج السكندري ، و وجدت الجالية الشعبية السكندرية فنانيها التي حرمت منهم طوال ما قبل الثورة . و لم يمض على قيام ثورة يوليو سنة 52 خمسة أعوام حتى تم انشاء كلية الفنون الجميلة بالاسكندرية ، التي كان في انشائها ملء للفراغ الذي سببته هجرة الفنانين الأجانب عن الاسكندرية ، و الأثر الفعال في خلق قاعدة عريضة من المتعاملين مع الفن التشكيلي منهم الفنان المبدع الذي يساهم بشكل فعال في ارساء قواعد الحركة الفنية في بلدنا بل في الشرق العربي كله ، و منهم دارسو الفن و دورهم الهام في اثراء الحركة التشكيلية بالنقد و الشرح و التقييم و التقديم ، و هم حلقة الاتصال بين الفنان و الجمهور و بدونهم سيظل الفن معزولا عن الناس ، و منهم المتذوقون للفن و هم بحق جمهور الفن المبشرون له بين الناس ، و لكل فئة منهم دورها المؤثر في الثقافة بالاسكندرية ، و نشطت الكلية في أداء رسالتها ، و تخرج منها أجيال من الفنانين انتشروا في ربوع الاسكندرية يعملون في شتى المجالات مشكلين بفكرهم و فنهم ملامح الشارع السكندري و الميدان و البيت محققين بذلك هدف الفن في بناء الانسان المصري الحضاري .

بقلم الفنان الكتور محمد حامد عويس
المصدر: bekhitgeorges.wordpress.com/