الرئيسية | فنون جميله | الرسم وطنٌ للحلم

الرسم وطنٌ للحلم

الجمال هو انكشاف أو تألق النواميس الخفية التي لولا هذا الجمال تبقى محجوبة ، وان الطبيعة تكشف خفاياها وأسرارها للفنان الذي هو شارحها الأمثل غوته عندما تطبق الهموم على الفنان من كل جانب يحق له….. أن يهرب… أن يرسم …..أن يحلم… وباعتبار الرسم وطننا للحلم ، هذا الوطن الفسيح الذي يتسع لكل الناس ويسود فيه الحب والخير والجمال ويكون الفنان هو البطل الأسطوري الوحيد الذي يعيش تفاصيل حلمه الجميل، بكل اكتشافاته البصرية والمعرفية.

الفنان علي العباني يرسم فضاءات الذاكرة و الحلم بروح البحث فائقة الحساسية ، تلك الفضاءات الروحية المستلهمة من سهول ووديان ترهونة الوطن حيث الحقول أشجار اللوز والزيتون والأحراش والآفاق البعيدة وتبدل الفصول والليل والنهار وتجاور البر والبحر والخيول واختلاف الوجوه وثنائية الأرض والسماء بكل أمزجتها من ألوان الفرح والحزن المستقى من أغوار النفس البشرية ، وحالات الضوء وانعكاساته كمثل تسلل وميض لون ازرق من بين كتل السحب البيضاء الكبيرة ذات الظلال البنفسجية يجتاز بصمت تلك المسافات الفاصلة بين السماء والأرض وانعكاس هذه الظلال العملاقة على ارض مترامية الأطراف ذات ألوان قزحية تنعش الروح وتمنح الوجدان أحلاما جديدة عند المتفرج .
يجمع الفنان بين حرية الرسم عند الغرب وصرامة الشرق وروحانيته .فكانت حركية الفرشاة وأثرها المتروك على أرضية اللوحة بضربات لون ابيض تفصل الأرض عن السماء وتفتح نافذة في الآفاق البعيدة لتجعل النظر يتنقل بكل حرية في فضاءات النفس الفسيحة ، فهذا كله انعكاس طبيعي لامتلاء النظر بتلك المفردات التي كان ومازال يعيشها ويحس بها الفنان.
العناصر عنده متماهيه مع الأفق البعيد حيث لا يمكن فصلها فهي متوحدة معه أبدا ، فضربات الفرشاة هي التي تصنع نسيج اللون ، ذلك الرداء الأبدي بكل قصائده …أحزانه ، أفراحه ، آماله .
جرب الفنان الكثير من التقنيات وتوقف في عدة محطات فنية ابتداء من الواقعية ثم الانطباعية وانتقل إلى الحروفية و الخط العربي ، اهتم بالتزيينية ورسم سروج الخيول والسجاد ( الكليم ) ومفردات الفن الإسلامي التي كانت تمثل إبداعا جماليا أصيلا من الموروث الشعبي .
استغنى عن المحاكاة للواقع الخارجي وركز على الصوت الداخلي الذي بدا من الأشكال وانتهى بالألوان ، بتجريد الشكل وان يكون اللون النور هو الغاية في موضوعات ( land escape ) التي استقر على رسمها بحساسية فائقة وأداء رفيع ، تأسس عنه أسلوبه الذي ميزه عن غيره من الفنانين.
الفنان علي العباني من ابرز الفنانين التشكيليين في ليبيا ، درس فن الرسم بإيطاليا وتخرج بتقدير ممتاز ، عضو مؤسس لنادي الرسامين بطرابلس سنة 1960 ، له العشرات من المعارض في الداخل والخارج، تحصل بمعرض السنتين العربي بالكويت سنة 1975 على جائزة ( الشراع الذهبي ) ، صدر له كتاب يضم أهم مراحله الفنية بعنوان ( معزوفة التجريد الطبيعي ) يحتوي على مجموعة كبيرة من أهم أعماله.
عّبر الفنان عن اللون بهذا النص الذي جاء في حوار معه بمجلة الثقافة العربية قال فيه :
( اللون ذلك المتسرب عبر ثقوب الخيمة القديمة في الصباحات ، بأطيافه المتلألئة على قطرات المطر العالقة بعد ليلة شتوية ، اللون رداء الزمن المتغير في الذاكرة ، ذاكرة الضوء والظل والزوايا المغبشة ، بسرده اليومي وروايته الأبدية ، بغلا لته الشفافة عند النبع ، وبروحه المزمجرة في ليل العاصفة ، ظلال بنفسجية على سطوح جير الحوائط في أزقة المدن الحميمة )
بلاغة النص التشكيلي عنده هي نتيجة لتراكمية المشاهدة وعمق الرؤية الخاصة به والكم الكبير للخبرات المختلفة التي اكتسبها من خلال مشوار حياته الفنية الطويلة والمتنوعة بكافة أصناف الأنشطة الإبداعية التي مارسها ( رسم – تصوير فوتوغرافي – كتابة ) ، هو من اكثر المبدعين إنتاج وارتباط بالحالة الإبداعية ، يعيش الحلم في وطن فسيح هو الرسم

عدنان بشير معيتيق
فنان تشكيلي ليبي