الرئيسية | الأردن | الفنان أحمد شاويش

الفنان أحمد شاويش

ريشة مخلصة للإنسان والطبيعة

يعد الفنان التشكيلي ” أحمد أبو شاويش ” المولود في عمان عام 1970 م، واحد من أبرز الفنانين الشباب في الأردن، حيث استطاع خلال رحلته التشكيلية، أن يبتدع لنفسه حالة خاصة فيها الكثير من الإبداع، هذه الحالة بدأ يدركها منذ نعومة أظفاره، عندما بدأ يشعر بأن هناك شيئا ما يشده للفن، ولسبب غامض كان يمد يده إلى الألوان ليرسم على الورق ما رأته عيناه بالمحيط الذي كان يعيش فيه، وخلال مراحل الدراسة الابتدائية أظهر اهتماماً ملحوظاً بحصص التربية الفنية، حيث كان يتفوق على زملائه في الرسم، وكانت رسوماته تنفذ بخطوط واضحة المعالم، بل أن تلك الرسوم كانت تعلق في مرسم المدرسة، وصارت تنال الإطراء والتشجيع من حوله، وبشكل خاص من مدرس مادة التربية الفنية في مدرسة الوكالة بالجوفة، الأستاذ ( عاطف )، الذي لعب دوراً مهماً في تشجيعه، وفي توفير المواد الفنية، ودفعه لتجريب عدد من الخامات في إنجاز رسوماته، ومنها لوحته التي فازت بالمركز الأول في المعرض الذي أقامه نادي شباب الوحدات.
ذلك الفوز الذي حققه وهو في الصف السابع، دفعه إلى بذل المزيد من الجهد، وأتاح له أن يشارك بفعالية في المعارض والمسابقات التي تنظمها مدارس وكالة الغوث الدولية على مدار العام محليا وخارجياً، كما كان بمثابة نقطة الانطلاق الأولى نحو اقتحام عالم الفن.
مع تطور مراحل الدراسة ـ المرحلة الثانوية ـ تطورت موهبته الفنية، واخذ يعبر عن رؤيته الملتزمة في الفن بصدق ودون ادعاء، فلجأ إلى رسم لوحات لافتة، هي عبارة عن دراسات في أعمال تنتمي إلى المدرسة السريالية، تناول الفنان على مسطحاتها مضامين إنسانية وموضوعات متعلقة بالقضية الفلسطينية، وذلك من خلال الاعتماد على بعض الرموز والإشارات الدالة.
وأيضاً كان يقوم بنقل لوحات لكبار الفنانين العالميين، وكان لعملية النقل دور مهم في تدريب أحمد على الرسم والتلوين، لكنه أدرك في هذه المرحلة أن للفن أبعاداً لا يزال يجهلها وعليه أن يدركها، وأن يتعلمها فقرر الانتساب إلى دورات متخصصة بالفنون من ناحية، ومن ناحية أخرى التركيز على القراءة في تاريخ الفن والحضارات والأساطير وسيرة حياة الفنانين العالميين، مع الحرص على متابعة المعارض الفنية وتجارب زملائه.


بعد هذه الخطوات، أدرك أحمد شاويش أن مشوار الفن يحتاج إلى الكثير من الصبر، وأن الموهبة وحدها لا تكفي، لذلك التحق بعد الثانوية العامة في كلية الفنون الجميلة بجامعة اليرموك في اربد، وهناك تتاح له الفرصة كي يطرح أسئلته المقلقة حول جدوى الفن ومفهومه بالنسبة للفنان، وعاش قلقا في المنهج، أو بالأحرى: قلقا باختيار المنهج التعبيري للرسم بعد أن جرب عدة مدارس، ولقد أجاب الفنان عن بعض ما كان يدور في ذهنه خلال السنة الدراسية الأخيرة، عندما بدأ يبحث ويجرب، واستطاع بمثابرته واجتهاده أن يلفت الانتباه إلى رؤيته التعبيرية في رسم الإنسان والطبيعة الصامتة، والمنظر الطبيعي، ونجح في أن يستخلص من تلك الرؤية قيماً خاصة بالنسبة للخط واللون والتكوين.
لكن ما تعلمه في كلية الفنون عن المدارس وآخر الصيحات الفنية لم يكن يلبي ميوله وأفكاره في الفن، وبناءاً على ذلك بدأ الفنان الشاب ” أحمد شاويش ” يشق مسالكه الخاصة، وتعرَّف في العام الذي تخرج فيه ـ 1993 ـ على الفنان الدكتور ” حسني أبو كريم ” الذي لمس لديه الموهبة والطموح فشجعه على الالتحاق بمرسمه، الذي كان بمثابة المدرسة التي تعلم فيها ” شاويش ” صنعة الرسم بالأقلام، والألوان الزيتية، والألوان المائية، والأخيرة هي خامة شرقية بالدرجة الأولى، لها تاريخ يرجع إلى أكثر من 500 عام، استخدمها العرب في رسم المخطوطات والصور الجدارية، وهي خامة تتطلب من الفنان الجهد حتى يستفيد من مزاياها في نواحي الشفافية، وشكل البقع اللونية، والتدرج والاختلاط، والنضارة، كما تعلم الفنان ما يسمى ” المدرك الجمالي للمرئيات ” وتهيئة القالب الذي يجسد فيه رؤاه، واكتسب خبرة لونية وخطية مهمة انعكست على أعماله الواقعية اللاحقة من ناحية أخرى.
وهكذا وجد الفنان الشاب ” أحمد شاويش ” في مرسم ” د. حسني أبو كريم ” الإجابة الشافية على كل ما كان يدور في ذهنه من أسئلة عندما تجاوز القلق لصالح البحث الفني..
من هنا بدأت تتبلور لديه اللوحة الفنية كعمل مدروس مبني على أسس سليمة وخلفية أكاديمية بشكل صحيح، سواء في الرؤية أو في المعالجة التشكيلية، حيث بدأت تتحرك أنامله على المسطح الأبيض بثقة، بعد أن اختار ما يربط فرشاته وألوانه به، وبدأت اللمسة السحرية التي ورثها عن د. حسني أبو كريم تضئ، وأصبح له خصوصيته، ولم يعد الفن عنده مجرد حدوتة صغيرة أو كبيرة، بل أصبح أبعد من ذلك بكثير.. لذلك لم ينشغل باله أبداً بالشهرة بقدر ما كان ينشغل بالجلوس إلى ألوانه وأوراقه وأقلامه، ليصور دهشته ورؤاه للحقول والأشجار والقرى الأردنية.. التي تنبض بالمعاني والأفكار في سلسلة من اللوحات البديعة.. وإذا لم يتسع الوقت للتلوين، كان يكتفي برسم دراسة سريعة للمنظر.. ثم يستكمل رسمه في البيت من الخيال.
بعد تخرجه في كلية الفنون عام 1993 م، درّس مساقات الرسم والتصوير الزيتي في كلية الخوارزمي من عام 93 إلى 1994، ثم عين في عام 1994 مدرسا للتربية الفنية في منطقة عمان الثانية، وفي عام 1995 كان مسئول نشاط وزارة التربية والتعليم، ومدرساً للرسم والتصوير الزيتي في مركز نون من عام 98 إلى 2000، كل ذلك جعله قريب من أدواته الفنية المختلفة.
خلال هذه السنوات لم يلتفت الفنان إلى تراكم تجربته ولوحاته من أجل عرضها إلا في عام 1995 عندما أقام معرضه الأول في صالة رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، وبعد أربع سنوات، أقام معرضه الثاني في صالة المركز الثقافي الفرنسي.
ويمكن اعتبار عام 2001 نقطة تحول في تجربة هذا الفنان المندفع بأفكار النجاح والطموح وتعميم الفن، عندما أسس أستوديو ( 11 ) المتخصص في عمل دورات تدريبية في أسس الرسم، ومعرفة توزيع النسب والظلال ثم استخدام الألوان الزيتية والمائية وغير ذلك من التقنيات، ويمكن القول إن الدور الذي لعبه وما زال يلعبه أحمد شاويش في تدريب هواة الفن وإعدادهم للمستقبل في الأردن مهم جدا، حيث بدأنا نشاهد طلابه يشاركون في الكثير من المعارض الفنية، وفي عام 2005 سجل الفنان أحمد شاويش في برنامج الماجستير في جامعة اليرموك، وذلك لم يمنعه من أن يواصل مشواره في الفن التشكيلي بحماس كبير ولديه في 12 / 1 / 2007 مجموعة من المشاركات المحلية والخارجية أهمها سمبوزيوم التصوير والنحت في دبي، حيث وجهت له الدعوة بشكل خاص للمشاركة إلى جانب أستاذه الفنان د. حسني أبو كريم.
وتجربة الفنان أحمد شاويش تتوزع إلى ثلاث مجموعات رئيسيات هي:
المجموعة الأولى: أول ما يلفت نظرنا في هذه المجموعة هو ذلك الإنسان الذي رسمه في مواجهة الحياة بأسلوب واقعي سعياً لتحقيق التعبير عن روح الموضوع من خلال الاهتمام بالضوء والظل في سبيل تأكيد الجانب التعبيري، والإحساس الجمالي في بناء العمل ككل، سواء أكان من ناحية جلسة الموديل المحورية في اللوحة، والتي تعبر عن الإحساس بالضياع والحزن والعجز، أو من ناحية الالتزام بالتفاصيل التشريحية، ولا تخلو أي لوحة من إنجازه من علاقة محاورة بين الوجه وأيدي مشخصاته الموضوعة سواء فوق الفخذ أو الركبة، مع اختلاف كل لوحة عن الأخرى بأسلوب متميز.
والمدقق في البورتريهات أو الوجوه التي رسمها، يلاحظ أنها تعبر عن مرآة النفس كما عكستها نفس الفنان لتلبس الواقع لباساً من المبادئ الإنسانية الراقية، بالإضافة إلى أنها وجوه تعبر عن جمال كامن خلف ملامحها، حيث تشعرنا بوجودها من خلال جمود الحركة وصرامة الملامح، ورغم تلك الصرامة إلا أن الفنان أكد على المدلول الداخلي في التعبير والنزعة التركيبية.
وبرغم استخدامه للمنظور والضوء والظل لتجسيم عناصر الوجه الإنساني مثل: الخدين والجبهة والشعر ومعالم الأنف والعينين، وما يحمله الوجه من تعبير.. فقد أشاع الفنان بروحه المتأملة من خلال التضاد اللوني بين الأبيض والأسود، والفراغ والكتلة، صفة السكون والحركة في بورتريهاته.
أما بالنسبة لأجسام مشخصاته ـ بحركاتها المختلفة سواء كانت مستلقية أو جالسة أو واقفة ـ فقد رسمها بخطوط جريئة مما يزيدها تعبيرية ويجعلها تبرز إلى الأمام بكل شموخ على نحو يوحي بقوة البناء في لوحاته.
اللغة التعبيرية لدى الفنان في هذه المجموعة تصل لحس المتلقي في بلاغة متناهية، مما جعله يحقق قدراً من التفرد وبراعة بالأداء وخصوصية في الرؤية.
المجموعة الثانية: احتوت على تصاويره للطبيعة الصامتة القائمة على علاقات الأشكال والألوان والملامس، حيث صاغ الفنان منها عالماً فريداً في خصوصيته وبنائياته التشكيلية الجميلة، من خلال إبداع خطوط متناغمة تحصر داخلها مفرداته التي تتكون من: (الأواني، والأباريق، والأكواب الزجاجية والفخارية، وسلال القش، والزهور، والفواكه، ولمبات الكاز، وقطع الأقمشة المتعددة الألوان، بثنيتها وتكوّمها والتفافها حول بعضها ).
تلك العناصر البصرية، والحاملة تعبيرات مختلفة ومتعددة، هي من أحب الموضوعات لدى الفنان، وأكثرها تردداً في أعماله، ومن هذا المنطلق صبغ الفنان احمد شاويش تكويناته للطبيعة الصامتة بصبغة شاعرية، وأسقط عليها مشاعره عندما اختزل التفاصيل والدرجات اللونية، واستخدم المساحات الواسعة ذات الألوان المتناغمة والصافية بطريقة رمزية لتعبر عن الأبعاد الوجدانية له كما في لوحة ( عباد الشمس ) ولوحة ( أزهار الزنبق ).
المجموعة الثالثة: تضم المجموعة الثالثة المناظر الطبيعية التي أبدعها الفنان أثناء قيامه برحلات لبعض المناطق في الأردن، مثل البقعة، ومرصع، وسلحوب، وزي، والمأمونية، ومادبا.. ومناطق أخرى، حيث كان يقوم بالتنقل بوساطة سيارته، وفي كل رحلة كان يقوم برسم المناظر الطبيعية، ليكشف عن رؤيته الواقعية، ولكن هذه الواقعية ليست بمعنى المحاكاة أو التقليد، وإنما الخلق والابتكار.
واللافت في مجموعته هذه تنقله الدائم بين اللوحة الزيتية، واللوحة المائية البديعة، حيث تحتوي الأخيرة على حرفية واضحة وشفافية لا نظير لها اليوم في حركتنا التشكيلية الشابة، مستخدماً تقنية الفاتح والداكن، مع عدم التزامه بقواعد المنظور ولا العناية بالتفاصيل الدقيقة للمنظر الطبيعي، وهنا جمع الفنان في المناظر التي رسمها بين المشهد ألتأثري.. والمشهد ألتأملي، وذهب بالمشهد إلى أقصى احتمالات الإيجاز والاختصار في تكويناته اللونية والشكلية، دون أن يتخلى عن روح المشهد المستمد من الواقع، والذي يحمل ملامح الطبيعة المستقاة من المشاعر.
إن الضربات اللونية المتتابعة والحاملة خلاصة بحوثه التقنية في هذه المجموعة تعطي لوحاته الدفق التعبيري المطلوب وتبقي إيقاعاته اللونية الدالة عليه، التي تكشف لنا عن حب الفنان للطبيعة وسحرها الفذ. لهذا كان أحمد شاويش من أكثر الفنانين الأردنيين الشباب إخلاصا لبحثه الفني العميق الذي يظهر الاتجاه الأكاديمي الذي هو أسلوبه الشخصي، كما أن مهارته لا تكمن في دراسته للطبيعة، والطبيعة الصامتة فحسب، بل في بعض التفاصيل، ومنها بشكل خاص دراسته للصور الشخصية لبلوغ دواخله العميقه.
أخيراً نستخلص من سيرة وتجربة هذا الفنان المبدع، الذي عرف كيف يوظف قدراته في مكانها الصحيح، درساً واضحاً: أن تجربته منذ طفولته وحتى الآن ما تزال حيوية ونشطة.. وستفضي بنتائج لافتة للنظر خلال السنوات المقبلة، وهي جديرة بالدراسة.
ـ غازي انعيم