الرئيسية | أرشيف | الفنان عبد الرحمن النشار

الفنان عبد الرحمن النشار

بقلم: د.هبة الهواري
في لوحة الفـنان: عبد الرحمن النشار رحمه الله .التي سماها أورشليم ” القدس “.و التي يرجع تاريخ إنتـاجها إلى عام:1968.وأبعــــادها: 149*138سم.و هي ألوان زيتية على خشب. وتتكون من وحدات متراصة بعضها متقدم في الأمام بفعل التأثير البصري للون و البعض مرتد إلي الوراء .تطالعنا أبنية ذات طابع شرقي (قباب) كنائس و مساجد وأطلال. سحب تتخلل المآذن يطير في وسطها البراق . المسيح طفلا و شابا وهو مصلوب . جثث بيضاء متناثرة . حيوان يفترس فتاه بسمت العذراء المقدسة ملقاة على الأرض . يدان ممسكتان بمسجد و ترفعه في الهواء و كأنهما تريدان الإطاحة به . ديك يقف فوق سور المسجد . مدرعة بها مدفع تتجه نحو المسجد و الكنيسة .
تتكون اللوحة من شرائح أفقية غير منتظمة ولكنها متراصة بإحكام تفصل بينها درجاتها اللونية فبدت مترابطة كقطع الفسيفساء أو كلعبة البازل من الممكن فكها إلي قطع لكن تجمعها وحدة عضوية ،هي جسد ممزق الأوصال متشبث ببعضه بأنسجة من ألم ، هي بدن نابض بحيوية الدفقات الدلالية التي يبثها الفنان ، مفتوح الآفاق مع كل قطعة ممزقة و كل جرح يقطع و يصل ، خطوط التقاء القطع كأماكن الذبح الأليم تنضح بالدماء و الصرخات و التشظي و لكنها شبكة من جراح و سياج من مقاومة و كيان من غضب متحد ينضح بنزيف المأساة الجليل ،iهي كل قد فجره العدوان الغشوم ، فانتثر في الفضاء ثم سقط ملتئماً مكلوماً مخططاً بالدماء ، يتفجر تحت وطأة الظلم و يتوحد في صرخة تمرد دائم دائب مغلول بأصفاد الخيانة …و أتى المنظور الذي استخدمه الفنان أمامياً متعدد الرؤى أعلى و أسفل مستوى النظر.
تتلاشى التفاصيل في العمق و تخف درجات الألوان و تتحد نقاط الارتكاز عند قاعدة البناية و المسجد عند المدرعة والحيوان المفترس. الفـــراغ هنا عميق ممتد أفقيا و ترتيب العناصر يصنع الحركة المتتالية الأفقية مثل حركات عناصر الحدوتة الشعبية في عروض خيال الظل ،ظل يتحرك يتلوه الآخر ، نغم يتردد و يروح ثم يولد نغم جديد .
تحمل مفردات اللوحة ملامح دينية تاريخية ذات صبغة أيقونية تنتمي للذاكرة الجمعية و تلتقي بها : حيث البراق والمسيح و الصلب والمآذن و الكنائس والديك وملامح تعبيرية سياسية:كذلك الوحش المفترس ،و المدرعة والسلاح المصوب واليدين الممسكتين بالمسجد.
جاء التوظيف اللوني متوافق مع سيادة البني والأصفر فهو يستخدم درجات الأصفر بكثرة فهو لون الذبول ، حتى الأبيض مشوب بصفرة -ليس أبيض نقي- استخدم الأبيض للون البراق و الأطفال و الفتاة المريمية و المسيح الطفل المصلوب وحوله تتناثر الجثث .
أما الإسقاط الضوئي فليس قويا ولا يؤكد التجسيد النحتي لأن مصدر الضوء موحد موزع بالتساوي في أنحاء اللوحة فيزيد الإحساس بالتسطيح ،و هو منطق رمزي يزيد من إحساسنا بالصبغة الشعبية و الأسطورية السابحة في فضاء العمل : تمنحه قرباً و تلاقياً وثيقاً مع الوجدان الجمعي.
التوازن اللوني و التناسق يصنع الإيقاع البصري و يتوالد من تكرار اللون الأبيض المشوب بصفرة في المقدمة و الخلفية و الوسط . وتكرار المآذن بارتفاعاتها مع أبراج الكنائس في تنوع بديع مع تكرار المصلوب و كأنه يردد الألم و يكرس الفاجعة ، في تلك المعزوفة الشجية الكثيفة التي كونتها قطع من الشجن و الفقد الأليم و ركبتها فسيفساء من دمعات و صرخات تنطلق في الأثير ..تكرس المأساة في فلسطين و تعلنها في شكل ممتد كطول الحزن حارق كعمق الجرح و تلعن الظلم و العدوان و تكشف الظالمين .
د.هبة الهواري