الرئيسية | فنون جميله | ملف الخزف المصري المعاصر (1) 2005

ملف الخزف المصري المعاصر (1) 2005

الخزاف د. أيمن جودة
بقلم هبه الهواري
على ضفاف الأنهار ومنذ فجر التاريخ ولدت الحضارات وسطرت الإنسانية أول سطور الإبداع التشكيلي فشكل الإنسان خامة الطين، على ضفاف النيل والفرات واليانجتسي، ظل فن الخزف من أهم المنجزات الحضارية التي نراها فيما ترك لنا الفنان القديم في مصر فهو رفيق لكل خطوة حثيثة نحو نضوج واكتمال التجربة الإبداعية المصرية، منذ خزف ما قبل الأسرات في حضارات نقادة، والبداري، ومرمدة بني سلامة، ثم الخزف المصري القديم، وحتى الخزف الإسلامي المتميز الذي تزخر به قاعات المتاحف وتفخر به الإنسانية، وكما كان الخزف معبرا عن حاجات الإنسان واستخداماته كان منتجا تشكيليا ذا قيمة فنية عالية، ومع ازدهار الفن التشكيلي المصري الحديث تألق الخزف، ودارت عجلة الخزاف وشكلت طريقا ثريا سطرت به معالم بارزة وهامة بأيدي الأساتذة الذين غرسوا بذورا نمت، وأسسوا قواعد رسخت تقاليد وكلاسيكيات لهذا الفن هؤلاء المؤسسين منذ سعيد الصدر ثم محمد طه حسين وجمال الحنفي، وحتى تلامذتهم من جيل الوسط زينب سالم وأحمد السيد وتهاني العادلي وزينات عبد الجواد وفتحية معتوق، الذين خرجت على أيديهم نبتات غضة وفروع شابة بدأت تشارك في مسيرة الفن التشكيلي المصري المعاصر وتستفيد من تلك النهضة التي شملته في جميع فروعه في ظل رعاية الدولة وتقديرها، هؤلاء الشباب الذين ولدت شخصياتهم الفنية من رحم صالون الشباب منذ تأسيسه عام 1989 وبينالي الخزف الذي بدأ كترينالي 1992 مثل أيمن جودة وخالد سراج الدين وضياء الدين داود و فتحي عبد الوهاب و مروة زكريا الشرنوبي محمد وأسامة إمام وغيرهم كثير من الشباب الذين توفرت لهم فرص التعلم والاحتكاك والإطلاع على مسارات الفن التشكيلي العالمي.

وما إن بدأت التجربة تؤتي ثمارها وما إن بدأ الحلم يتحقق، وبدأ هذا الفن يؤكد وجوده الراسخ وبدأ الفنان المصري يتعدى نطاق الحوار الذاتي إلى التحاور مع الآخرين كما قال وزير الثقافة وقتها والفنان التشكيلي ، حتى توقف التدفق وتراجع التقدم الحضاري والإنجاز التشكيلي الهام وتم إلغاء بينالي الخزف الدولي حيث كانت آخر دوراته عام 2002، وسوف نطرق معاً ملف الخزف المصري المعاصر لنقتفي أثر تلك المسيرة الإبداعية التي ننتظر أن تعود، ليستمر التجدد والعطاء ولا ينضب المعين ولا يتراجع المبدع عن إنجازه وتفوقه الحضاري، في تلك الفترة الخصبة من تاريخ الفن التشكيلي المصري، التي امتدت نبضاتها فشملت كل فروع ذلك الفن، وإن لم ينتعش فن الخزف المصري مرة أخرى في ظل ذلك المناخ، وإن تبدد ما أحرزه بينالي الخزف الدولي في تلك الفترة المزدهرة للثقافة المصرية، فمتى ينتعش إذن فن الخزف مرة أخرى، ويجدر بنا هنا أن نشير إلى الجهد البارز للفنان محيى الدين حسين قوميسير البينالي في كل دوراته السابقة، والذي صاحب تحقق الحلم، وجاهد في سبيل تطوره، والذي نتمنى له الصحة والعافية .
ولقد تابعت أحد أهم نبضات وفعاليات فن الخزف المصري المعاصر والتي دارت فعالياتها في مركز الخزف بالفسطاط الثقافة، ، وهي ورشة العمل الثانية لفن الخزف والتي توفر فيها الدولة مكاناً جميلاً لإقامة الخزافين مزوداً بالإمكانيات والأدوات والخامات لمدة شهرين كاملين لإنتاج فنهم الخزفي، في تلك المنطقة التاريخية المرتبطة بفن الخزف على مر السنين، وبداية سوف نتناول أعمال الفنان الخزاف أيمن جودة كأحد أهم رموز الحركة التشكيلية الشابة في مجال الخزف، كما أنه أكبر المشاركين سناً، ثم نتناول أعمال باقي المشاركين في ورشة العمل بمركز الخزف للفسطاط فيما يلي من صفحات ملف الخزف المصري المعاصر.

الخزاف أيمن جودة
· ولد في 18 مايو 1966 زفتى محافظة الغربية
· حاصل علي بكالوريوس وماجستير ودكتوراه الفلسفة من كلية الفنون التطبيقية، قسم الخزف، جامعة حلوان، يعمل أستاذاً بالكلية.
· شارك في المعرض القومي للفنون التشكيلية 1990 و1997.
· شارك في صالون الشباب من الثالث حتى الحادي عشر 1999
· شارك في صالون الأعمال الفنية الصغيرة الأول والثاني والثالث.
· شارك في كل دورات بينالي القاهرة الدولي للخزف.
· أقام معارض خاصة في مجمع الفنون بالزمالك عام 1996، 2001، 2003.
· أقام معرضه “الثابت والمتحرك” بمركز الجزيرة للفنون 2001.
· فاز بالعديد من الجوائز بمسابقات صالون الشباب.

الأسلوب الفني :
يتميز الفنان أيمن جودة بتنوع وثراء التجارب التشكيلية باستخدام خامة صعبة وهي الخزف حيث يتطلب التعامل مع هذه الخامة نوعاً من القوة البدنية، والصبر الشديد، وتحمل الفنان المرور بمراحل التشكيل وحريق البسكويت والتلوين بالطلاءات الزجاجية أو غيرها، ثم الحريق مرة أخرى، ثم توقع فشل العمل أو مشاكل الحريق، وقد يتسبب التركيب الكيميائي والصفات الفيزيائية لتعرض العمل الى الكسر أو التشقق، وفي العمل الذي أطلق عليه الفنان “الثابت والمتحرك” نراه قد صنع مكعبات منتظمة وكرات ومتوازي مستطيلات بنى بها مدينة ملونة من الخزف والأحجار، وبناها على أرضية من كسر الخزف والرمال، يحيط بهذه المجسمات أنبوب من الخزف البني بلونه الطبيعي دون طلاء، تتجه فتحة الأنبوب إلى المباني وكأنها سوف تبتلعها، أو ربما أتت منها هذه التكوينات الهندسية التي جمعها الفنان في زحام ملون جميل، هي مدينة مزدحمة صاخبة فيها كل الألوان، يحيطها ذلك الكيان الهلامي المسيطر، ربما أشعرنا بالخطر المحدق والثعبانية الملتفة، التي تكاد تعتصرها، فالعين تستطيع إكمال وتصور الشكل نتيجة الحركة الناشئة من وضع هذا الشكل الثعباني، نستطيع أن نتوقع هذا الكائن وقد استدار واستكمل التفافه حول المدينة، ثم ابتلعها أو اعتصرها، تنشأ العلاقات الجمالية من ترديد الألوان المبهجة، كما تنشأ إيقاعات من تغيير حجم المكعبات وتنوعه، كما أن حركة الأنبوب، تضم التكوين وتخلخله وتصنع جدلية مع سكونية الأجسام المنتظمة، كما أن التناقض بين الأضلاع المنتظمة للمدينة والليونة في جسم الأنبوب، تصنع نوعا من التنغيم المحبب.
ونرى الفنان وقد أخذ بناصية الخامة الخزفية وإمكانياتها، وكذلك امتلك المهارة التقنية من حيث التشكيل في الطينة، وضبط برامج الحريق، ليعطينا في النهاية أربع تجارب تشكيلية فالفنان أيمن جودة غزير الإنتاج، خصب الأفكار، يظل مرتبطا بالفكرة تأتيه وتقض مضجعه، حتى يسيطر عليها في النهاية ويستنفذ كل إمكانياتها التشكيلية، نحس الروح المسيطرة عليه هي روح الباحث العلمي الذي يثبت عناصر ويغير أخرى ويجرب، ثم يبني خطواته التالية على نتائج تجاربه، ففي التجربة الأولى نراه صنع ما يشبه الأطباق الخشنة غير المنتظمة الدوران، فيما يشبه اقتطاع جزء من الأرض له أعماق وطبقات فوق بعضها متعددة الألوان والتدريجات، كما أن الحريق قد ترك آثارا رائعة في قيعان الأجسام، هذه التكوينات التي تشبه الحمم البركانية بعد جفافها أو هي عروق المعادن في المناجم، أوهي مقطع من جبال الرخام أو الجرانيت، هذه العفوية والخشونة والغلظة في تشكيل الأطباق أكسبتها ذلك المظهر الجيولوجي الفطري، وقد عرض الفنان أكثر من عمل له نفس هذه الصبغة، وصنع تنويعات ثرية على نفس الفكرة، فالفنان هنا متأثر بطبيعة القشرة الأرضية كمصدر لإبداعاته.


أما في التجربة الثانية فنراه يعزف أنغاما مختلفة ويجرب طريقا آخر من التشكيل والتلوين؛ فيشكل الفنان مجسمات كانت قبل أن تقع تحت ضغط اليد البشرية أسطوانية الشكل، أو بعضها كان أنصاف كرات، أو ثلاثة أرباع كرة، هذه المجسمات يكون منها الفنان ثلاثيات ورباعيات متلاصقة كالتوائم، قد يلصق الاسطوانات المضغوطة رأسيا أو أفقيا، ونراه يكررها وينشرها في القاعة فيصنع إيقاعا صاخبا متنوع المصادر؛ المصدر الأول تلك النسب الهندسية التي شوهها الضغط والتشكيل لتلك الاسطوانات وغيرها من الأجسام، والثاني الإيقاع الناتج من ترديد تنويعات من هذه الثلاثيات، والمصدر الثالث هو تلاصق الأجسام المضغوطة المشكلة وتأثيرات تلك الكتل بعضها على بعض من حيث الاتزان والدخول والخروج؛ فتلاصق الكتل يجعل البارز في الواحدة هو غائر في أختها الملاصقة لها فتتداعى القطع تحت ضغط بعضها على بعض ككائنات تعسة حشدت في ازدحام ضاغط خانق، وكما تناول الفنان الفكرتين السابقتين في تجريب مدهش وصبر مثير للإعجاب، نراه وقد طرق سبيلا آخر من التشكيل في جسم الطينة أعطى قيما تعبيرية غاية في الثراء.
وترى الكاتبة أن الفنان يستطيع أن يولد من هذا الطريق أسلوبا مميزا له؛ يتناسب مع طبيعته الشخصية، وتوجهاته التشكيلية، ويستطيع أن ينتج من هذا الأسلوب معارض أخرى عديدة، ربما كان الفنان لا يميل إلى الثبات، أو الارتباط بأسلوب محدد؛ فشكل الفنان كائنات خرافية لها ثمانية أرجل أو أكثر في بعض الأحيان، تقف في الطرقات شاخصة إلينا بكيانها المسيطر الطاغي، وضعها الفنان متلاصقة مشوهة ممسوخة متكورة مرعبة؛ تسيطر على كائنات أخرى أصغر وأقل في الحجم، وسواء هذه الكائنات أو تلك نراها عابسة مقلقة كأنها أجنة مشوهة، أو أناس أصابتهم اللعنة فسقط عليهم ما جعلهم ينصهرون، فالهيئة التي تطالعنا كهيئة البشر المشوه، ضغط الفنان على القطع وشكلها بقوة، حتى تشوهت النسب الأصلية وتكسر البناء المنطقي لهندسيتها فتسبح عين المتلقي في تضاعيف الطينة التي لفحتها النار ولونها الفنان، بتدريجات وحشية غليظة.
ويختتم الفنان هذا العرض الممتع المنوع لخزفياته بتنويعات على أشكال ذات جذور ربما كانت ريفية، تأتي من ذاكرته وتتردد في تجليات شتى، فهنا نرى ما يشبه برج الحمام، وقد عالجه الفنان بتعرقات البريق المعدني المميز، وتلك الأطلال المتناثرة القاتمة الألوان وكأنه يعيد عزف أنغام الماضي الحزينة، وقد أثرت وشكلت وعيه أطلال مدينة الفسطاط التي تحتضن المكان.
ويقول عنه الفنان صالح رضا: تتمحور أعمال الفنان أيمن جودة حول محورين أساسيين من محاور التعبير، أولهما هو التعبير “المجازي” حيث سبق له اجتياز محاولة إيجاد وسيلة جديدة للتعبير إلى التعبير الثاني وهو إثبات القدرة التعبيرية للخامة “أو للطينة” بحيث لا تفقد الخامة خاصتها الأصلية في التعبير، فالتعبير المجازي هو تعبير يخرج عن كونه تعبيراً منفرداً فقط، ولكن يتجاوز ذلك إلى التعبير عن إمكانات الخامة نفسها، فالطينة ككل الخامات الأخرى لها قدرات تعبيرية خاصة بها، ويستطيع الفنان في هذه الحالة أن يعطي فرصة للخامة للتعبير الخاضع لإرادته كفنان، والفنان أيمن جودة استطاع أن يجمع بين كلٍ من التعبيرين، وهنا تكمن قدرة الفنان التشكيلية، فقد أدى هذا الجمع إلى إعطاء الأعمال قوة وقدرة على التعبير العالي المستوى، وخرج بهذه الأعمال إلى مستوى التعبير المركب فأصبحت أعماله تمشي على الأرض، وخرجت من نطاق عبودية الشكل الثابت والكائن حول محوره فقط”.

د. هبة عزت الهواري
مجلة المحيط الثقافي

القاهرة 2005