الرئيسية | فنون جميله | مشاريع تخرج كلية الفنون الجميلة 2010…دفعة الجبابرة

مشاريع تخرج كلية الفنون الجميلة 2010…دفعة الجبابرة

الفن هو تعبير عن كل شيء يؤخذ من الطبيعة والواقع ويشكل تشكيلاً جديداً, وملكة التعبير الإنساني هي الحياة ذاتها, يتخذ هذا التعبير شتى الأنواع والمستويات, فعلاقة الفن بالإنسان هي علاقة متكاملة, فهو وسيلة للحوار المعنوي في الوسط الإنساني فمنه نستطيع تبادل الرسائل بين صنوف البشر متجاوزة الفوارق الملموسة, فهناك لغة واحدة تقبلها كل الأطراف هي محور تعبيرات نستشف من خلالها البعد الإنساني للفنان,فإن القدرة الإبداعية مسألة نسبية من حيث الخلق والإبداع, وإن مستوي الرهافة الحسية عند الفنان أكثر تأثيراً من الآخرين وأيضاً بين فنان وأخر, هذا ما يجعلك تشعر بالتنوع المبهر عند زيارتك لمعرض فني جماعي, أو دخولك أتيليهات قسم التصوير في كلية الفنون الجميلة لتلقي نظرة علي مشاريع التخرج لهذا العام, خريجي اليوم وفناني المستقبل, دفعة الجبابرة كما أطلقوا علي أنفسهم, وهذا فعلاً ما شعرت به منذ لحظة تواجدي في أتيلية التصوير الزيتي عندما دعاني الفنان الشاب د.رضا عبد الرحمن للحضور لتغطية هذا الحدث صحفياً, وكان معه الفنان د. محمود أبو العزم, وعدد من الطلبة المتميزين كان منهم نهي حنفي, دينا بهجت, جيلان جوهر..

عندما تأملت الأعمال وجدتها ذات حرفية إبداعية متنوعةً, تتناول العديد من الأفكار المختلفة الموجودة في مجتمعنا المصري كالفقر, القهر والظلم, البيروقراطية, العجز والإعاقات الجسدية أو النفسية, الكنائس والقديسين وهي من أكثر المواضيع التي تتواجد بصورة مستمرة في مشاريع التخرج خاصة في قسم التصوير, إلي جانب الطبيعة الصامتة, المناظر الخلوية من حدائق عامة كحديقة الأزهر, المناطق الأثرية العتيقة وحتي الغابات الأفريقية, ثم المشاهد الواقعية كالقبور, المراكب وصناعتها وأيضا كانت بعض الأعمال تتضمن مشكلات شخصية ما مثل العنوسة والبطالة, الوحدة, الحسد, السلام وغيرها من أشكال الصراع الإنساني

أما عن تجربة مشروع التخرج قالت “نهي حنفي” لقد بدأ الأساتذة في متابعة الخطوات التحضيرية الأولي للمشروع منذ شهر مارس أي قبل التنفيذ بحوالي ثلاثة أشهر, حتي يتثنى لنا الوقت الكافي للتجهيز الشامل للمشروع من اسكتشات تحضيرية وتحديد الخامات اللازمة والمساحات والألوان وقبل كل هذا الاستقرار علي فكرة ناجحة لمناقشتها وكيف سيتم معالجتها بصرياً

وجاءت فكرة المشروع حيث أستلهمت المنظر الطبيعي في المناطق الشعبية, تقول نهي في يوم ما أثناء مرورها علي كوبري 15 مايو من بولاق وحتي الزمالك في طريقها للكلية لتبدأ يوم دراسي آخر, تأثرت بأشكال المباني متنوعة الاستطالات والتلاصق العشوائي المثير بصرياً, لفت نظرها هذا التنوع المعماري-الفني ما بين النبوغ الهندسي في حليات النحت البارز وأعمدة المباني القديمة التي ظلت صامدة حتي يومنا هذا, وبين العشوائيات التي أوجدت مكانها بين كل هذا التراث المعماري دون سابق إنذار, بكل ما تحتويه هذه العلب المتضاغطة من ألوان غير متناسقة وحبال الغسيل -التي غالباً ما تتراص فيها الملابس الرجالي الداخلية في الصف الأول تحديداً لسبب لا يعلمه إلا الجيران- فقامت بتصوير بعض اللقطات التي أثارت انتباهها ورسمت بعض الأسكتشات السريعة لأماكن الإضاءات والظلال وبالطبع لم تنسي أسكتشات الصف الأول من حبل الغسيل الرجالي, وحتي وقت التنفيذ لم تكن تبلورت لديها بعد رؤى داخلية عن بالته اللون التي ستستخدمها ولكن تحقق نجاح البعد اللوني للمُنتج البصري أثناء التنفيذ وحتي النهاية, لقد أهتمت في البداية فقط بالخط الخارجي الذي نجده قد تأكد باللون الغامق ليقتحم المساحات اللونية بجرأة متناهية ليأخذ مكانه ويثبت وجوده المسيطر في تحديد وتوضيح خطوط الفواصل تارة والمنظور الهندسي تارة أخري, وأكدت علي أن الاستغلال السليم للوقت والطاقة الجسدية والنفسية هم من أهم دعائم النجاح

كما قالت “دينا بهجت” إنها مرت بمرحلة طويلة من العصف الذهني المحير, فقد كانت مهتمة بأن تقدم عمل يحمل رسالة وطنية, وأن يكون معبراً عن حال الشباب المتردي, إلي جانب أختيار كادرات فنية ناجحة, وقد أطلقت علي مشروعها ” حالة ضياع” وهذا أكثر ما يعبر عن الشباب في عصرنا هذا من وجهة نظرها.. وعندما بدأت دينا في الاستقرار علي الفكرة, أخذت تجمع العناصر التي تتفق مع الحالة المنشودة كزجاجات الخمر وعلب السجائر والشيشة, وأيضاً قرأت كثيراً عن ما حول الموضوع وقد وجدت الكثير من الكتابات التي تناولت صنوف حالات الضياع بشكل مباشر أو غير مباشر, هذه القراءات بالطبع أفادتها في تبلور الحالة بداخلها بكل تفاصيلها لينبثق من وجدانها أصدق الأحاسيس بالحزن والأسي متسائلة.. كم أم فقدت أبنها بسبب المخدرات؟ كم صبي فقد حياته بسبب التدخين؟, ثم أختارت أحد هذه الكتابات وهي بعض أبيات الشعر لتنقش حروفها باللون الأزرق الباهت ولتعرضها إلي جانب العمل البصري لتثري العمل وتصقله, ولا سيما أنها اختارت “اللون الأزرق بدرجاته” ليملأ معظم لوحاتها, لأنه من أكثر الألوان تعبيراً وإدخالاً للحالة إلي جانب أنه أحد ألوانها المفضلة, وتعمدت أستخدام الألوان الباهتة الكئيبة لتؤكد علي حالة الضياع المحزنة..وقالت دينا أنه فيما يتعلق بعنصر الوقت أنها كانت تأتي يومياً إلي الكلية في الصباح الباكر منهكة القوي حتي لا تشعر بالتقصير في حق العمل

جاءت “جيلان جوهر” بمعاناة واقعية معاشه في بلدان العالم عامة ومصر خاصة بعد أن كانت في حيرة وسط كل ما يتواجد حولها من مُلهمات كالعشوائيات مثلاً, لكنها بعد تأمل عميق أستقرت علي أحد أكثر المواضيع تعذيباً للشعوب وهو”البيروقراطية”. ثم قامت بجولة روتينية في المصالح الحكومية كمصلحة الضرائب العقارية ومجمع التحرير وتسللت خلسة لبعض المكاتب العامرة بالمواطنين والمكتظة بأطنان من الدفاتر والأوراق والأعداد اللانهائية لأصحاب الحاجات اللذين يتعاملون مع عدد لا حصر له من الموظفين اللذين يقضون معظم وقتهم في أداء فروض صلواتهم و”إصطباحات” الشاي, مخلفين كل شئ في إزدياد وسط أصوات أزيز المراوح المستهلكة من ذوات الريشتين وهم كل ما تبقي من فعل الزمن ليلطف حرارة الجو وغليان القهر في طابور الانتظار, والذي نادراً ما يخرج منه صاحب المصلحة دون حاجة لأن “يفوت عليهم بكرة”. منذ ذلك الجولة الميدانية المحبطة قررت أن يحل الروتين علي عدد الشاسيهات التي حددته مكان للتعبير عن البيروقراطية المستفزة, أستخدمت الألوان الغامقة والترابية لمحاكاة الواقع المعاش في مثل هذه الغرف الضيقة التي غالباً ما تعتبر مستوطنات لأنثي العنكبوت لتضع بيضها بين ذرات التراب المتلاحمة, أو بجانب الذباب الملتصق علي الأسقف, لأنه هو المكان الوحيد البعيد عن الزحام

كما أعترض بعض الأساتذة علي المساحات شديدة الأستطالة التي وقع عليها اختيار الفنانة خوفاً منهم من أنها تفشل في توزيع العناصر بشكل ناجح تكوينياً في هذه المساحة, لكنها رأت أن هذه المساحة ستتناسب مع تراص المستندات والسجلات الرسمية عالياً إلي عنان السماء. كانت جيلان تمر بحالة من الخوف والتوتر الإيجابي من أن يمر الوقت سريعاً ولا تتاح لها الفرصة الكافية للانتهاء من المشروع في الوقت المحدد بشكل المرُضي وذلك لأنها تعودت علي مدي سنوات الدراسة أنه غالباً ما يتم زيادة المدة المحددة لتسليم المشاريع, فطوال الوقت كانت تشعر أنها في حاجة إلي زمن إضافي

وسألتهم عن الصعوبات والمتغيرات التي واجهتهم خلال فترة المشروع؟ تجمعت الإجابات في إطار واحد فالمعاناة واحدة بين ظروف خارجة عن أرادتهم كظروف المرض المفاجئ أو أي عوارض من هذا القبيل, وبين عملية تنظيم الوقت والعمل الذي كان بالنسبة لهم أكثر تحفظاً عن مشاريع أعمال السنة, إلي جانب المعوقات التي كانت تواجههم في الكلية كالروتين الأداري في تغير لمبات الإضاءة التالفة مثلاً و أنقطاع الكهرباء أثناء أوقات العمل, وتنظيم الأتيليهات التي لا تسمح لكل هذه الأعداد من الطلبة للعمل بشكل مريح نظراً لضيق المساحة, وضعف الإمكانيات والتجهيزات, وغيرها إلي جانب محدودية قدرات الموديلات المتهالكة التي غالباً ما يستعينون بهم داخل الكلية أثناء الرسم, ويتمنون جميعاً أن تتطور الكلية ويتغير كل هذا من أجل مستقبل فني أفضل

ثم جاء السؤال الأصعب وهو ما هو أثر الدكاترة والأساتذة في هذه التجربة؟ أفادت الفنانات بإيجابية تأثير الأساتذة والدكاترة حيث وصفوا الدكتور” محمود أبو العزم” بالمتفاني الدؤوب الذي يبث لهم الطاقة الإيجابية طوال الوقت ودائماً في حالة تفكير مستمر في كل ما يخص مشاريع الطلاب من معالجات وتعديلات حتي يصل بهم لأقصي درجات النجاح في تحقيق منتج فني متكامل العناصر, ويبدأ أهتمامه بشكل خاص ومكثف بالطالب منذ وصوله لسنة التخصص. اتفق ثلاثتهم علي أن كل دكتور له ميزته ورؤياه الخاصة والمتفردة ومن أقربهم إلي قلوب الطلاب الفنانة الشابة “رانيا الحلو” التي تكبح جماح فكرها دائماً لتجد حلول مناسبة لأعمال الطلاب تتناسب مع رؤياهم وليس وفقاً لذوقها الخاص..فهي المثقفة الخلوقة

وكما أضافوا أرائهم المحملة بمشاعر الإجلال لأساتذتهم كالفنانة أماني فهمي الصريحة المحملة بالعاطفة, الفنانة مروة الشاذلي المثقفة الغامضة أما الفنانة فيروز سمير فهي صاحبة التشجيع المتوازن

وبالنظر إلي باقي الأعمال نجد زخم تعبيري إبداعي متنوع الاتجاهات والمدارس الفنية, فنجد مشروع “هبة حازم” التي عبرت فيه عن”بلدنا” وزحمة العاصمة من حيث الكثافة والأضواء وعشوائية إعلانات “الأوت دور”الملونة وسوء تنسيق المباني بألوانها وأشكالها والتي عبرت عنها بالألوان الصاخبة من درجات الأصفر والأحمر وبعض الألوان الدافئة كدرجات الأزرق والأرجواني لإعطاء تضاد ثري مفعم بحيوية اللون

أما عمل “منة الله جنيدي”, جاء تعبيراً عن حال العسكري المصري الذي أصبح تواجده في المجتمع مكرر وصوري من حيث دوره التفاعلي الاجتماعي وتأدية المهام والذي توضحه من خلال وقفته المتراخية الغير مكترثة في عدة أوضاع مختلفة, في نفس الوقت أظهرت العسكري الذي يحمي المواطنين ويحافظ علي أمن البلاد, ذو الوقفة الحازمة الملتزمة ولأسف قد أصبح مجرد “سيلويت” لوني ليس له وجود سوي حالة ضبابية رمادية باهتة, وجاء أداءها الفني تجريدي معاصر من حيث الألوان, وأضافت “النسر”, رمز العلم المصري في الخلفية بتحليلات لونية مكررة تشبه التصميمات المنفذة علي برامج الجرافيك

جاءت أعمال “فاطمة يحيي عبده” مستلهمة حياة سكان القبور ذوي الفقر المدقع في ضوء ليال مقمرة, بنمط حياتهم البسيط في هذا المكان الذي يتنفسون فيه غبار الموت, ويسكنون فيه مع عظام من كانوا أحياء جنباً إلي جنب, وينامون في الليل الدنيا مع من ينامون للأبد في ليل دائم,ليل من نوع أخر, حتي أصبحت الحياة بالنسبة لهم لا تفرق كثيراً عن الموت بالنسبة لمن كانوا بشر,ووضعت بعض أسس المعيشة كالزير وأنابيب الغاز والصناديق الخشبية وغيره من التسهيلات الحياتية, إلي جانب شواهد القبور المكتوب عليها دعوات معذبة بالرحمة لمن رحل, النباتات الجافة ونبات الصبار الذي يوجد بصورة دائمة في المقابر, أستخدمت فاطمة بالتة الألوان الترابية والأزرق والرمادي بدرجاتهم لتعبر عن حالة المقابر الكئيبة الباهتة والمُشبعة برائحة الموت العَطِنة وهبوب الموت علي الألوان

وعن “نيفين السيسي” التي تخاف من “الحسد” في جو شعبي منصرم, مستلهمه السيدة المصرية بقوامها الأنثوي المكتظ وملامحها المزينة المميزة وحليات “الشفتشي”التي تزين “منديل رأس الست”,إضافة إلي الزخارف التي تربط معظم أجزاء العمل معاً كوحدات منفصلة متصلة, فصنعت حالة روحية ظهرت فيها بصمة متأثرة بأعمال المبدع الجزار, جاءت الرموز الإعتقادية كالسمكة والعين الزرقاء من الفلكلور الشعبي لتمنع الحسد, واعتمدت علي لصق ورق الذهب في بعض الموتيفات والحلي المذهبة لجذب الانتباه وإضافة لون مذهب بأدائية مختلفة وإنتاج عمل فني متنوع الخامات, ثم كتبت بعض الأقوال المأثورة مثل”عين الحسود فيها عود والعين صابتني ورب العرش نجاني” لتدعيم فكرة الحسد عن طريق الجمع بين النص المكتوب والتكوينات البصرية واللونية. وبعد هذه الجولة الطويلة الفاحصة في أتيلية قسم التصوير الزيتي قرر د. رضا عبد الرحمن أن هذه الدفعة جديرة بالتقدير وبأن مستوي الأعمال يتيح لها العرض لقاعدة أعرض من مجرد طلبة الكلية والأساتذة والإداريين لرؤية هذه الأعمال المتميزة, أقتناعاً منه ورغبة في مساعدة هذه المواهب الكفؤ في النمو والانتشار قرر تنظيم معرض جماعي يشمل الأعمال المتميزة, يدعمه صندوق التنمية الثقافية في قصر الأمير طاز بالمنيل, حتي تكتمل فرحة هؤلاء الفنانين الشباب بالتخرج وليبقي حماسهم متقد حتي يظلوا دائماً الجبابرة.