الرئيسية | فنون جميله | لائحة اللوح واللوحة – للكاتب محمد مستجاب

لائحة اللوح واللوحة – للكاتب محمد مستجاب

لائحة اللوح واللوحة

كلما لاح لي أن أقترب من عالم الألواح أو اللوحات لوَّحت أمور عديدة بسيفها حتى أبتعد, وبثوبها كي أخترق هذا المجال الواسع الممتع, مع مراعاة لوائح الأخلاق والتقاليد حتى لا يستمر التلويح في وجهي بالقلم أو الثوب أو العصا أو السوط, ولعل أقدم لوح عرفته كان ذاك المصنوع من الصفيح نحمله ونحن صبيان إلى كُتَّاب سيدنا الشيخ محمد عثمان تدوينا لآيات القرآن الكريم لنحفظها ثم نرتلها في خشوع صباح اليوم التالي, وهو ما أدى بعقلي الصبياني المبكر – والذي لا يزال مهيمناً على جمجمتي حتى الآن – أن يتصور اللوح المحفوظ في الآية الكريمة: بل هو قرآن مجيد, في لوح محفوظ يتمدد في الكون الشاسع بهذا الشكل الذي كنت أحمله تحت إبطي, إنه الإحساس النقي الجميل بالوجود الذي ترسخه في الجهاز العصبي الإنساني كل الإنجازات العلمية الحديثة في المجالات كافة, والذي انفصل تماماً عما قد يعنيه اللوح في الحياة السفلى – أقصد الأرضية, إن مشهد اللوحة العليا لتآلف الشمس – في مرح – مع قليل من السحاب, أو تسلل القمر المفعم بالشجن المضيء بين النجوم الأليفة, يمنحنا العزاء حين يخترق اللوحة – مع البرق والرعد – أنواع من الصواريخ الشريرة, حيث نعود إلى سلواننا الإنساني الخاص, والذي يتيح لنا فرصة النوم الهادئ – إن استطعنا. وستظل ابتسامة الجيوكاندا في لوحة دافنشي ساحرة بكل الرقة التي نسعى إليها, مع أن لوحات عديدة حملت ابتسامات رقيقة متعددة – وأكثر تعبيراً منها, لكنها لم تستطع أن تحتل موقع شفتي الجيوكاندا في فؤادنا, حتى لو كانت – هذه الابتسامات – قد حملت من المعاني والإيحاءات ما لم يطرأ في بالنا إزاء لوحة دافنشي, التي لم ترتكز صاحبتها على وسائد أريكة أو ركن من الفراش أو مائدة تفح باللذة, والتي تتفاعل فاكهتها – التفاح بالذات – مع الجمال الأخاذ لابتسامة الأنثى.

غير أننا – نحن وغيرنا – لا نلبث أن ندخل اللوح -دون اللوحة – إلى معجم التوصيف الهازئ هجوماً على الآخرين, وفي دعوى رفعها مواطن في أسوان – جنوب مصر – ضد أحد خصومه متهماً له بوصفه أنه (لوح) بما يعني الانتقاص من شأنه وتجريح شخصه, مع جفاف إدراكه وإحساسه ومشاعره, وهي لغة منتشرة ومعروفة, وحتى بين الأصدقاء في لحظات المرح المبالغ فيه, إلاّ أن القاضي رأى أن ينصح المدعي أن يتصالح مع المتهم, وضحك – من باب الدعابة – هامساً: لو أصدرت حكما ضد اللوح فسوف تتحول المحكمة إلى (مغلق) – والمغلق مخزن ألواح الخشب – وعروقه أيضا.

ويحظى اللوح بمواقع في تاريخ البشر, ربما يكون أقدمها لوحة نارمر الرخامية السوداء الموضوعة بين قدمي الملك مينا – أول ملوك مصر – والتي شملت أمجاده التي تضمنت توحيد الوجهين البحري والقبلي لتصبح أساساً دائماً وخالداً للقطر المصري, ثم هناك لوح الصلصال من الطين اليابس كان يكتب عليه أهل بابل مآثرهم وانتصاراتهم, كما أن للرومان لوحة مبادئ القراءة: صفحة من الورق تخط عليها حروف الهجاء والأرقام وأدعياتهم بخط كبير واضح وجليّ, وتلصق على لوحة رقيقة من الخشب, ومن الغريب أن المعاجم ودوائر المعارف تذكر ذلك دون الاهتمام بلوح كُتّاب سيدنا محمد عثمان وأمثاله في كل أنحاء مصر دهوراً طويلة, بل إنهم ازدادوا اهتمامًا باللوح ليشيروا إلى النوع الشمعي الذي كان يكتب عليه الرومان – أيضا – بطريقة يمكن طمسها وإزالتها لإعادة الكتابة عليه, لأنه لوح خشبي مغشى بطبقة من الشمع, مع أن أشهر لوح لا يزال يعمل حتى الآن: ذلك الذي يستخدمه عمال الأفران في إدخال رغائف أو رغفان الخبز – بمرونة فائقة – إلى بلاطة جوف الفرن الملتهب مع استعادتها بمرونة أكثر دقة, كما لا يمكن لك أن تغض العقل – وليس البصر – عن مشهد إمعان العازف الموسيقي للوحة المثبتة أمامه متضمنة (النوتة) الموسيقية.

وقد استطاعت اللوحة – واللوح أيضا – بعد إنجازاتها في القراءة والكتابة والرسم والموسيقى والتسجيل التاريخي أسفل الأقدام أو فوق مساحات حوائط الهياكل – أن تنحني تحت وطأة القرارات والقوانين والتنبيهات في لوائح تنتشر في المؤسسات وأدراج المديرين وسطوة الرقابة والتحقيقات ونظم المخازن والمحافظة على الأسرار وترتيبات الانضباط, لكن أي لائحة في أي موقع تخلو من وسائل الوشايات والدّس والنميمة, لأن هذه الصفات تكمن في لائحة القلب أو بين عظام الجمجمة, وتؤدي عملها – المثمر – لتنهار كثير من القصور الجميلة إلى ألواح محطمة في العراء – ومع قليل من العزاء والسلوان.

أما أخطر أنواع الألواح التي حين تتحطم يصبح صعبًا ترميمها فهي لوح الظهر الإنساني الذي يتحمل ما لا تطيقه ألواح المخلوقات الأخرى, عليك أن تقرأ أي مذكرات لأي فرد مبدع في الأدب أو الهندسة أو السلوك الاجتماعي – أو أي مجال – لتشهد بنفسك ما تحسه في حياتك – أحياناً – ودون مذكرات

كلمات لها معنى

غريبة: عائلات عديدة تحمل لقب الشايب – أي الذي اخترق كل المراحل من الطفولة حتى المشيب, دون أن تجد عائلة واحدة تحمل لقب الشاب الذي في ريعان الحياة, ربما لأن الشاب في اللغة الخالصة تعني الذي يصيب مرة ويخطئ مرة, دعك من الشاعر أبو القاسم الشابي الآن.
الذهول لا يصيب العقل فقط, فكثيرًا ما يصيب الأرض الخاوية الجافة بالمطر المفاجئ, فتضطرب وتنبت الحشرات دون النبات.
أسير في خطا هادئة, عيناي إلى السماء, لكن أمنيتي أن أخترق الأرض.
أسرع وأخطر أنواع الموت: الترف الكسول.
لابد من إنشاء جمعية لرعاية الموائد لكي تظل للسمر والمأكل والروائح الشهية, أي لحمايتها من جفاف ولؤم ومكر المباحثات, السياسية بالذات.
كل أنواع حروف الجر والعطف والوصل والإشارة جامدة لا تصلح للصرف مثل الأسماء والأفعال.
محمد مستجاب