الرئيسية | فنون جميله | عمر شعبان .. رحيل فى صمت | محمد كمال

عمر شعبان .. رحيل فى صمت | محمد كمال

محمد كمال - mohammed kamal

منذ أن تفتحت عيناى على الدنيا وأنا أراقب تنوع السلالة البشرية ، بين هادئة وصاخبة .. بين عادلة وظالمة .. بين شامخة ومنبطحة ، لذا عندما اعتركت الحركة الفنية والثقافية المصرية تأكدت لى تلك الرؤى ، ورأيت أنواعاً من المثقفين لاينتجون إلا فى أجواء شديدة الإزعاج ، حتى لو لم يقدموا شيئاً يذكر ، وهناك أنواع أخرى لاتشعر بها عند وجودها أو رحيلها رغم حرصهم على حفر بصمة مميزة ، وقد تداعت إلى ذهنى تلك الخواطر عندما هاتفنى صديقى الفنان فاروق شبل منذ عدة أيام ليخبرنى بوفاة الزميل الفنان والناقد عمر شعبان ( 1944م _ 2011م ) بشكل مفاجىء ، فأصابنى الحزن الشديد لأن أحداً لم يشعر برحيله ،

رغم أننا كنا نتواصل تليفونياً بين الحين والآخر ، أو عندما كنت أزور مسقط رأسه فى طنطا ، حيث كان يجمعنا الفنان الكبير الراحل مصطفى مشعل فى مرسمه غير مرة ، مع الكاتب السيد عوض والفنانين إبراهيم فلوبس وفاروق شبل الذى التقينا فى مرسمه أيضاً خلال إحدى زياراتى لطنطا .. وفى كل لقاءاتنا كان الناقد عمر شعبان مثالاً للخلق الرفيع والتواضع الجم .. وقد تعرفت عليه للمرة الأولى عندما ظهر بقلمه الشاعرى العذب فى جريدة القاهرة مع مطالع عام 2003م ،
ويومها إعتقدت أنه شاب صغير ، من فرط عاطفته السياله وإقباله على الحياه عبر لغة بسيطة وسهلة الإستيعاب لقطاعات مختلفة من القراء ، حتى تقابلنا لأول مرة فى المؤتمر الأول لنقاد الفن التشكيلى بأتيليه الإسكندرية ، والذى أقامته جمعية النقاد بالتعاون مع الأتيليه فى يونيو عام 2003م ، وفوجئت أن عمره كان يناهز الستين عاماً آنذاك ، ومنذ ذلك اليوم وأنا ألمح فى عينيه شجناً غريباً كان مصدره أن سنوات الغربة خارج مصر نالت منه وعرقلته كثيراً عن إدراك إنجاز كبير ، وهو مادفعه لمسابقة الزمن كى يترك شيئاً تذكره به الأجيال بين كتابة فى النقد التشكيلى ورسومات للكاريكاتير كان يجيدها ، لكن معظمها لم يأخذ حظه من الظهور لعموم المتلقين ..

كان عمر شعبان مطارداً بنداء السماء ، حتى أنه أهدانى صورته الشخصية ذات مرة على أحد مقاهى الإسكندرية خلال حضورنا إحدى دورات البينالى بها ، وقال لى حينها ” خذ هذه الصورة ، لأنك ستكتب عنى قريباً عندما أطير إلى أعلى ” مشيراً بيديه إلى صدر السماء ، وعندما لاحظ تغير ملامح وجهى ، قال لى .. لاتنزعج .. فأنا أعلم أن رحيلى قريب .. وبعد تلك المقابلة التى كانت مظللة بشمسية روحية ، كان شعبان يغيب ويظهر كشمس الشتاء التى تختبىء وراء السحب أحياناً ،

وتفلت منها أحياناً أخرى .. وبنفس قدرته على الظهور والغياب ، كانت مهارته فى الكتابة داخل مساحات متباينة ، وهو ماساعده أن يترك مجموعة كبيرة من المقالات مختلفة الحجوم والموضوعات وتقنيات التناول ، بيد أن مايجمعها كلها هو العاطفة المشبوبة والجماليات اللغوية والرباعيات النقدية ، بمايشكل فى مجمله نصوصاً شديدة الطراوة الإنسانية والإبداعية ، نسجها عمر شعبان فى صمت ، مثلما رحل أيضاً فى صمت .
محمد كمال
عمودى الأسبوعى ” ضى النهار ” _ جريدة نهضة مصر _ صفحة فنون جميلة _ الخميس 17 / 11 / 2011م