الرئيسية | فنون جميله | علامة ـ منير كنعان

علامة ـ منير كنعان

بقلم: محمد مختار الجنوبى

كل فعل دون ان نلحظ قوته او سطوته علينا او نتخيل اننا نفعله ولانقصد به شيئا ، قد يكون هو الفعل الحيقى الذى نريده ، افعال فى وقت لانكون فيه على مايرام ، قد تصبح أكثر انفعالا و اكثر خشونة ، لكن هذا الفعل المحدد البسيط الذى لانحس به ونعامله على انه فعل يومى او غير يومى لكنه عادى مثل كل يوم ، هذا الفعل المرتجل قد
يوصلنا لفكرة عظيمة او للاشىء ، لكن حرصنا على ان نتبه الى مانفعل ، الى حركة أجسامنا التى قد تفعل بنا ما قد يتحول الى موضوع أو فكرة واطروحات جديدة ، حتى ان هذه الفكرة قد تدخل تحت جلدنا وتستمر معنا الى مالانهاية ، ولكن دائما هناك سؤال لماذا الأشياء لاتعطى نفسها بسهولة وتتسرب الينا بدون قدرة منا على متابعتها ، لكن من كان شديد الملاحظة فقد استطاع ان يمسك بموضوعه .

(( وسوف اضرب لك مثلا على علاقة الانسان الفنان باللحظة التاريخية .. بعد أن عجزت عن الرسم ، قمت بمسح العديد من اللوحات او محاولة لشطبها والأعتداء عليها .. ثم عدت أنظر للوحات فاكتشفت ان هذا الهجوم على اللوحة هوماكنت ابحث عنه ،وقدمت معرضا عن الرفض تقدم لوحاته على حرف (( × )) ،وكانت لوحاتى معبرة وقوية )) فى حوار مع منير كنعان .
كيف تحولت الأشارة الى قوة ، الإ ان تسيطر حتى انها تظل تحاوره تلعب معه لعبتها التى لم يستطيع ان يخلص منها ابدا ، العلامة الأشارية :
(( ترتبط العلامة الأشارية بموضوعها ارتباطا سببيا )) وهى من العلامات التى تشير الى شىء ما ، ولكن المؤشر يتضمن نوعا من الأيقون ، العلامة الأشارية ترتبط بموضوعها ارتباطا مباشرا متضمنة ايقونا خاصا ، وهذا ما كانته العلامة (( × )) ‏التى ليست رمزا ، لأن الرمز (( تكون العلاقة التى تربط الدال والمدلول والمشار اليه فى الرمز عرفية محض وغير معللة ، فلا يوجد تشابه او صلة فيزيقية ، او علاقة تجاور بينهما )) (1) ، هذه العلامة دخلت فجاءة فى طريق الرجل / كنعان ، ظلت تحاوره وتستخدمه ويطور فى تقنياته ويطور فى حرفيته ، ويمر الزمن وتظل موجودة فى كل ثنايا عمله ، تدخل معه فى قلب اسراره ولكنها هى اشارة لها مساحات ممكن قراءتها ، منير كنعان يري ان يتخلص منها فيبعد ثم يعود لها ، لكنه فى نهاية رحلته تخلص منها تماما ولكنه فتح من داخلها افق اوسع وارحب ولكنها العلامة التى ظلت تسيطر من 1967 الى لحظات ظاهرة فى اعماله التى تأتى نتائجها الأخيرة ، افضل مايكون بعد ان تخلص من هذه العلامة (( × )) ، كان قبلها يبحث عن شىء لايعرفه ، يخرج بنتائج لكنها لاتعبر عنه ، ولكنه كان ينتظر هذه اللحظة التاريخية فى تاريخه وتاريخ جيله .
الحرب تبدأ عادة بجروح ، لكن الحرب مرت بنا مع نهاية مشروع اخذ بنهاية الرجل/ عبد الناصر وقتل حلمهم الجميل ، فجاءت الحالة النفسية التى تعبر عن الهزيمة ، الهزيمة التى تعطى لكل شخص فى ان يقرر مصيره ، كيف سيتصرف وكيف يقول كل ماعليه ، كنعان تورط من خلال وضعه الصحفى ان يبث الدعاية وينتجها ويتفنن فيها طوال فترة المشروع الناصرى ، ينتجها ويشارك فى هذه المرحلة التى لم يستطيع ان يتنبىء بما سوف يحدث ، لكن كنعان أتى بفرشاة كبيرة يشطب عمله القديم او كل اعماله يشطب عليها ، لكنه لايقدر ان يستمر فأكتشف علامته الوحيدة التى استمرت تتشكل فى كل مرة ومرة عدة سنوات وتشاركه همه لحظة هزيمة هزت هذا الجيل فى صميم معتقداته هزيمة جاءت وتركت جروحا كثيرا ورفض من الداخل ،هى لحظة تاريخية فى حياة منير كنعان على مستوى خاص وعلى مستوى عام وخرج من هذه التجربة بهذه الأشارة التى ظلت معه حتى اخر اعماله .
هذا الشىء (( × )) علامة فارقة فى اعمال كنعان ، قبلها كان كنعان مختلفا وبعدها مختلفا ايضا ، هذه العلامة الأشارية (( × )) هىالحرف الرابع والعشرين من حروف اللغة الأنجليزية × رقم عشرة فى الأرقام اللاتينية × فى الرياضيات هى علامة المضاعف هو المعامل العددى الذى ينبغى ان تضاعف به الرقم المضروب فى غيره × رمز عقلى “”ايديوجرام “” يشير مباشرة الى تصور ما ، فى القاموس : × علامة الخطأ ، علامة الرفض × تقاطع طرق × صليب × محنة × تقاطع خطين × يشطب × يعترض × معاكس مضاد × يجعله متصالبا × يعرض يقاوم × يفسد × متضارب × نزاع مشادة × التهجين ، هذه العلامة/ الفعل الذى كان عاديا لشطب اومسح بعض اللوحات ، أصبح أشارة ظلت تتأرجح وتتحور وتخرج بطرق أخرى مختلفة لكنها تعطىمساحة لمنير كنعان ان يبحث،وتخرج بكل شكل يمكن رؤيتها ويمكن تبينه ، تختفى فى اعمال ويبقى اثرها واضحا وتتضاعف فى اللوحة عدة مرات حتى انها تسيطر وتختفى من بعضها احيانا .
“” × “” فهى عكس علامة الصح “” “” ، هى الصليب ، هى مساحة المربع الأسلامى ، المربع الذى تتساوى أضلاعه ، (( “”×”” دال عبارة عن حقيقة مادية محسوسة ، وهذا المحسوس “” × “” يستدعى فى ذهن المتلقى حقيقة غير محسوسة )) (2) هى الأعتراض والمقاومة والخطأ ، والتقاطع .
منير كنعان المصرى اللبنانى المارونى الذى عاش فى الظاهر و اكمل جزء من عمره فى القلعة فى درب اللبانة ، بقرب جامع السلطان حسن ، بحثه عن مادته هو بحثه عن استقرار خاص به يجعله اكثر هدوء ، اكتشف علامته الأشارية ، منير تحولت حياته بعد هذه الوحدة الصغيرة ، هل استطيع ان احكم انه من الممكن أن تتحول حياة انسان بعد معرفته علامته او وسمه ، تولت العلامة الأشارية التى كانت مصيره ، مصير كنعان فى هذه العلامة (( × )) بكل تنويعاتها ، (( تبحث الأشارة من وجهة نظر علم النفس لبيان مدى تمثيلها للأفعال المنعكسة الشرطية أو الأفعال المنعكسة فقط ، والأشارات ذات المعنى هى تلك الأشارات التى يعينها الناس لأنفسهم و للآخرين ، يجدون المعانى التى يقصدون اليها من ورائها )) (3) ، قد لايكون الأمر معنيا لأحد ، أن يهدر انسان حياته على علامة ، يبحث عنها ، يحاورها ويريدها ان تختفى لكنها تحاصره ولاتتركه الا فى اواخر العمر ، ولكن أن كانت العلامات / هى حياتنا / الحياة علامة / أشارة ، نحن نأول ونفسر علاماتنا ونعيشها .
منير كنعان تحول بذاته وبجسمه الى علامة ، الأعمال الأكثر قوة الأكثرمجاهدة ، هى ماتدور حول هذه الأشارة ( × )) لكنها هى أسئلة كنعان التجريبية ؟ اختلاف زمنها ، فى بداية التجربة ، بعد الهزيمة كانت بلا لون تقريبا الوان لاتتعدى الأبيض والأزرق والأسود ورماديات باهتة ، فى زمن الهزيمة لالون ولاشىء سوى العلامة نفسها سوى المربع نفسه بداخله العلامة (( × )) بفرشاة عريضة رسمها قوية ، تتعانق من أجل صناعة مساحة رفض ، كأنه الغاء للحوائط التى صنعها سابقا ، لماذا المربع الذى أخذ يتحرك حتى صار هو الموضوع ، وصارت حياة كنعان تدور حول هذه الأشارة ، ولماذا المربع ولماذا المساحات مربعة ، لأن المربع الساكن فى الفن الأسلامى المرتبط بمربع اخر يصنعان وحدة زخرفية اسلامية موجودة بكثرة ، المربع الذى يحتوى العلامة (( × )) كأنه حالة المنطقة والاسلام الذى يحتوى كنعان الذى يبحث عن ذاته التى تؤرقه كأنسان وكفنان يبحث داخل منظومة اوسع ، منير الذى وجوده مرتبط بقدرته على الحلول والبحث ، وليست الأستقرار على شىء معروف يعطيه القدرة على ان يكون مطمئناوالفن ضد فكرة الأطمئنان والأرتكان الى فكرة واحدة تقتل الفن .
منير كنعان يريد ان يحقق معرفته العالم ، لكنه يتصرف بطريقة مع المسطح ، يحاول ويجاهد ان يتخلص من هذا الشىء العلامة ، فيحوله الى شىء تحولت اطرافه الى اسهم ضخمة ، الى شىء ما ، يدل على شىء ما ، من يريد أن يعرف قدر نفسه يحسب علاقته بالعلامات ، كلنا متورطبن فى العلامات ، فى رأى ان كنعان ابن علامته التى أصبحت اشارته التىتختفى وتدور الأسئلة حولها ، حول هذه الطريقة فى الأداء ، يحاول قبلها ان يمزق كل مايعرفه يستدعى من ذاكرته ومن مايعرفه ، وعندما رأى النوبة اثناء بناء السد ، خرج منها بشىء مختلف ، لكنه تركه وبحث عن جدران وبعدها وجدها ، ولم يتركها يجرب فى كل شىء وهى علامة مسيطرة تتحرك معه حتى نهاية رحلته.

منير كنعان المتورط فى مهام عمله الذى فرض عليه طوال الوقت ان ينتج هذه الكمية من الدعاية والترويج لتغيرات الواقع كل يوم من تاريخ هذه الدرويات التى تصدر بشكل منتظم وعليه ان يتابع وينتج ، لكنه على الجانب الأخر لكى يكون حقيقى مع ذاته ، اخذ يتمرد ليس على مايفعله فى نصف اليوم بل يتمرد على ماينتجه الأخرين فى الحركة الفنية، ولكنه لم يستطيع ، ظل يتأرجح فى اعمال متواضعة ، حتى لو كان تاريخها يمر عليه خمسين عاما ، فهى اعمال فنان يبحث عن طريق ، تجارب فى مجملها غير مستقرة ، لكنه عند لحظة اكتشافه لعلامته ولحظته التاريخية ، اصبح منير كنعان له شىء يستطيع ان يمسك به فهو يحاول فى التجريد ، لكن يده التى تفعل فى نصف اليوم فعلها التشخيصى المتواضع بقوانين الفن ، تستعصى عليه وتذهب به الى مناطق لايقدر على ان يخرج منها ، فيصل الى منطقة غامضة هى الحوائط ، فجاءت الهزيمة كأنها هزيمته الأخيرة وانتصاره ، ساعتها يستطيع ان يقول ان الدعاية التى يفعلها فى الصباح للمؤسسة التى يعمل بها ، ولايقدر ان يتحسس خطايا الفترة ، لكن الهزيمة فضحت امامه وعرت كل المرحلة ، فكانت الفرصة ان ينتقم من اعماله ومن الفترة وحتى لو انه لم يتوقف عن رسم اغلفة ورسومات الدوريات اليومية فى المؤسسة ، لكنه يرسمها وهو غير مقتنع بها ولابالجو العام الذى ينتجها ، فهزيمة يونيو انتصار له واخر هزائمه الشخصية كمصور يبحث عن وحدته التى اصبحت تحت يده ، واستعملها حتى انها لم تتركه حتى اخر ايامه ، اعطته القدرة على ان يبحث ، فى كل الخامات وكل المشاكل التقنية ويستعملها هى كوحدة اولية يعرفها جيدا ، ويعرف انها معنى دائم فى تاريخه الفنى ، منير كنعان يغير ويبحث ، حتى مرحلة أيطاليا التى بعد فيها عن اشارته العزيزة عليه اصبح الأعمال ضعيفة ومهزوزة من 1981 الى 1987 م وهى مرحلة كأنه يحاول ان يتخلص من علامته ، لكنه لايعود الا اليها ، ولكن بمستوى جعلها تختفى لتجعل لقوة منير كنعان نفسه ان تستمر وتنتج اعمال لها قوة خارجة منها تماما .
ومن هنا شغلت هذه العلامة الجميع ، بعضهم اتهمه انها صليب معقوف ، هى اشياء كثيرة لكنها متداخلة لأنه لم ينتجها الى فى مساحات اقرب الى المربع ، ولم يختفى هذا المربع الا فى مراحله الأخيرة تماما . المربع الذى يحتوى العلامة ، المربع الأسلامى بشكله وجوهره ، اساس النجمة الأسلامية الشهيرة ، لكنه يحتوى ايضا على صليب متارجح لو قلبنا المربع وعرضناه يظهر الصليب متقاطعا مع المربع ، فتأتى النتيجة اكثر قوة ، منير كنعان يبحث عن ما يرسيه على الأرض ، يبحث عن ذاته التى تحاول ان تجد لها هوية ، وان كان ما ينتجه يعتبره البعض ضد هوية الفن الذى يبحث عن اصول ، اعتقد ان كنعان متورط فى افكار تراثية اكثر من غيره، من خلال اختياره لمساحاته واختياره لعناصره واصراره عليها لسنوات طويلة ، طوال الوقت يحول هذه العلامة الأشارية الى اشكال تنفتح او تتكرر و تظهر كأنها تملاء المساحة ، انها مضغوطة حتى انها تظهر فى مساحة صغيرة جدا ، (( فى قراءة للفنان محمود الهندى لوحدة زخرفية هى النجمة ثمانية الأضلاع ، يطرح شكلا لقوة المربعان وعلاقتهما ببعضهما ، ويطرح المربع المتحابكين ، نجد المربع الفعال او غير المستقر يدفع ليخرج من المربع المستقر ـ وهذا يرمز لفترة توسع ، وايضا ، عكس ذلك نرى المربع الفعال يتفاعل مع المربع المستقر مولدا فترة انقباض )) (( 5))

، هذا الشكلان يعبران عن قدرة المربع ، وحركة ال(( × )) عند كنعان
ولكنها تتداخل حتى فى اعمال الكولاج الملونة التى يعلقها كمربع على اطرافه ، والتى يعرضها كمربع محدد ولكنه يقلب علامته ويغير فى وضعها ، حتى لو كانت المساحة اقرب للمستطيل تنقسم تحت يد كنعان الى مربعان او ثلاثة وتتحرك علامته فيهم وتتحرك ، دائما تصاحبه حتى انها تتفكك الى شرائط منفصلة وتتجاور بدلا من أن تتقاطع وتتعارض وتتشابك ، شرائح منفصلة لها احجام مختلفة ، واحيانا يختفى نصفها وتترك فى نهاية اللوحة اطرافها التى تحولت الى شكل السهم الحاد ، علامة فارقت كونها علامة الى كونها مع علامات اخرى الى حياة كاملة ظلت تتداخل مع حياة الشخص منير كنعان ، اصبحت علامة ملونة فى مرحلة انتقالات 1968 الى 1970 ، 1970 الى 1979 وايقاعات ، لو انك الغيت الألوان وتركت المساحات فارغة لظهرت لك العلامة المعروفة ، ولكنه كان يبحث فى خامات كثيرة ويجرب وظلت (( ‏الأشارة هى جزء من الموضوع او هى ملامس له بطريقة سببية ومن ثم فهى‏ ‏جزء من الكل اوانها تؤخذ باعتباره الكل ، ان رفات القديس أشارة وكذلك‏ ‏بالنسبة للبصمة او الاثر على الرمل اودخان النار ، ‏الصورة كأشارة تسحر تكاد تستحث المرء لكى يلمسها ان لها قيمة سحرية‏ ، ‏الصورة كأشارة تذهل‏ )) (4)

كنعان باشارته يسحر ويذهل ويظل دائما معرض لسؤال وطارح لسؤال نحاول الأجابة عليه والبحث معه على اجابة .

محمد مختار الجنوبى
يونيو ـ القاهرة ـ 2001م
(1) مدخل الى السيموطيقا دار الياس 1986م .
(2) مدخل الى السيموطيقا دار الياس 1986م .
(3) معجم العلوم الأجتماعية الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975م
(4) ريجيس دوبريه ، مجلة الثقافة العالمية ، الكويت ، عرض / شوقى جلال .
(5) مجلة القاهرة ، العدد الثالث ، فبراير 1985م