الرئيسية | فنون جميله | طبق… و… تطابق – للكاتب محمد مستجاب

طبق… و… تطابق – للكاتب محمد مستجاب

طبق… و… تطابق

خضوعاً لنزعة شخصية, وتطبيقًا لمراعاة مشاعر أهلي – وكل أفراد الطبقة التي خرجت منها, ثم خرجت عليها, حاولت أن أتفادى الإشارة للموقف المحرج الذي أطبق على صدري حينما أشارت لي زوجة خالي – في أوائل أيام وصولي للقاهرة قادمًا من الريف – أن أناولها ثلاثة أطباق من المطبخ, هذا المكان الضيق المختنق بالأواني والصحون, وظللت أسعى بعيوني باحثًا عن أي طبق دون جدوى, حينئذ داهمتني زوجة خالي ساخرة لتتناول ثلاثة صحون, لم أكن – خلال تلك الأيام المبكرة – قد قمت بتعديل القاموس الريفي: فالطبق في بلادنا يعني مباشرة هذا الاتساع الدائري المصنوع من خوص وسعف النخيل, ويتم على مساحته رصّ وتنظيم خبزنا الحميم – البتّاو – لادنًا طريًا أو مقمرًا ساخنًا, أما الإناء الذي تناولته – غاضبة وهازئة – فهو الصحن وليس الطبق, وبالتالي فقد اضطربت – في عقلي الواسع -النظريات السياسية والاجتماعية التي تناولت الطبقات دون الصحون, وكانت الطبقة التي أنتمي إليها قد استحوذت على لفظ البروليتاريا تاركة الطبقات التي نعاديها (ونبحث عن كل أمراضها مع إسقاط أي امتياز إيجابي لها) تمرح بين البرجوازية والأرستقراطية, ورأينا فيها أوبئة الوصولية والانتهازية والأنانية والنفاق وممارسة أنشطة وأفعال تفشت – بلا أخلاق – في النصوص الأدبية والمسرحية وأفلام السينما – في ذاك العصر, دون أي محاولة منا لاختراق الجزء الراقي في أي طبقة منها, والمتمثل في إنجازات الفنون الراقية من موسيقى وتشكيل ولوحات وصناعات ودبلوماسية وعروض الأوبرا والباليه وصياغة البيوت والمدارس والمعاهد والمباني الدينية في المآذن والقباب والزخارف والآيات المتألقة في وجداننا الشعبي, ملاحظة سريعة من باب الاستدراك: أن تصميم هذه الأفكار يحتاج إلى إحساس متمدين بالغ الرقي, أما تنفيذ هذه التصميمات فقد تقوم به الطبقة التي أنتمي إليها من ذوي القدرات الفذة في البناء والتشييد وإدراك المساحات والتحمل والاحتمالات, وخلال هذا التصادم الطبقي في هذه العهود ظل العنصر الأساسي المشترك بين كل الطبقات هو الطباق, نعم: إنه ذلك النبات العشبي المعمّر من الفصيلة الأنبوبية ذات الزهور المركبة, أقصد نبات الدخان في أرخص أنواع السجاير وفي أرقاها وأغلظها وأكثرها رونقًا: السيجار, والذي نادرًا – بل من المستحيل أن تجد واحدًا من أهلي استخدمه – إلا إذا زار أوربا أو أمريكا ليعود مجللاً بافتخار خصوصية السيجار – بعض الوقت – ليعود إلى طباق السجاير والشيشة (ذات الليّ), مع إضافة أصناف أخرى تضع الموضوع كله خاضعًا لتطبيق قانون المخدرات, مع أن الطباق, لغة, يعني المطابق, أي الجمع بين معنيين متقابلين عند أهل البديع مثل: يُحيي…ويميت, إلا أن الثقافة الحديثة – أقصد ثقافة الطبق الطائر لم تعد تتوقف عند الموروث الحيّ من اللغة العربية, فأطبقنا عقلنا, وشفتينا, تمامًا مثلما نطبق طرفي الصحيفة لنركنها جانبًا بعد القراءة السريعة لمحتوياتها, مع أن التطبيق – الذي كان متوقفًا على الخبز ذي الاتساع أو الملابس النظيفة عند ترتيبها في مكان حفظها أو التعامل معها, هو ذاته فن التطبيق (علم التطبيق أفضل) الذي يعني – في بدايات المعرفة: إخضاع اللغة لقواعد النحو والصرف, ثم – بعد ذلك – إخضاع وتطويع المسائل والقضايا والسلوك والتعامل للقواعد العلمية ونصوص القانون والمبادئ الأخلاقية والقيم الإنسانية.

إني أحس الآن أن أمورًا عدة بدأت تحاصرني وتطبق على عقلي وفؤادي, مما أصاب قلمي بالطباقاء, والطباقاء تعني – كما في المعجم – من يريد الكلام فتطبق شفتاه, وكنت معتقدًا أن ذلك تعبير عن العنف الذي يمارسه زعماء العصابات أو ذوو السطوة الإدارية أو الانضباطية (من الضبط والانضباط), إلا أن الأمر يظل واضحًا في تلك الطباقاء التي يمارسها ذوو القدرات الضاغطة من المذيعين ومقدمي البرامج في الإذاعة والتلفزيون, تسألني نجمة تلفزيونية في طباقاء واضحة: لماذا اخترت منطقة الصعيد لتكتب عنها قصصك ورواياتك, والإجابة تبدو سهلة: لقد قمت بتقسيم العالم ووضعته في طبق واسع من سعف النخيل أمامي: منطقة سيبيريا وألاسكا والشمال المتجمد, أوربا الشرقية, ثم أوربا الغربية, ثم منطقة الشام – حيث سوريا ولبنان والأردن, ثم شبه الجزيرة العربية, وبعدها منطقة الدلتا المصرية مع إضافة سيناء إليها, وقبل أن أتحرك جنوبًا لمناطق إفريقية وآسيوية حتى أستراليا, أحسست بأنني أصبحت أسير الإجابة عن سؤال طباقائي, وأن اختياري للصعيد موقعًا لكتابتي سوف يطبق على صدري, فرفضت الإجابة, كما رفضت أيضًآ أن أمعن في أصابعها المتشبثة بأوراق رقيقة, أمعنت فقط في عيونها, لعلها كانت اللحظات النادرة في حياتي التي اخترقت فيها طبقات الوعي الشخصي, والتي كانت أكثر صلابة من طبقة الصخور الرسوبية, والتي تختلف عن طبقة الرمال المتحركة تحت سطوة العواصف التلفزيونية المفتعلة, وهو مالا يعرفه الكثيرون من ذوي أو ذوات الوجوه اللامعة, حيث لا يدركون أن بنات طبق هي السلاحف, وأن الطبق – في علوم التشريح الطبي – هو الغضروف بين كل اثنتين من فقرات الظهر, وهو ما يخضع له واحد مثلي – بصفتي من غلاة المثقفين أو هكذا تبدو لنا الأمور – حينما يفوتنا أن بعضنا ينعم في (جهل أو جنون مطبق), وأننا نمارس المطبّق: هذا الشيء الذي يلصق به قشر اللؤلؤ حتى يصير كأنه لؤلؤ أصيل.

ومن الغريب أن الطابوق – أي صناعة الطوب – لم يرد التعريف بها في الموسوعات والمعاجم, مع أن اللفظ مصطلح وارد ويستعمل دون أي ضعف لغوي, وما ينتج من طوب يمتاز بتماسك جزيئاته وقلة المسام التي تحول دون نفاذ الأجواء الحارة جدا أو شديدة البرودة إلى المنازل التي تقام حوائطها بهذا (الآجر), وتكاد البيوت المصرية – الريفية بالذات – تستفيد من هذه الطبيعة الجميلة, وبالذات بيوت أهل النوبة ذات الجو – المعتدل في منطقة بالغة الحرارة صيفا, وهو ما يناسبني الآن كي أضع ذراعي تحت رأسي, وأطبق عيوني, وأنام.

كلمات لها معنى

أمر يراه البعض غريبا, كل أماكن إقامتي تكون الآن في الأدوار العليا, هل لهذا علاقة بالأدوار السفلى التي عشت في ظلالها – أو ظلامها – آلاف السنين المبكرة?!
أجمل ما يمكن أن نستمتع – في هدوء – به, يكون دائمًا – ويستحسن أن يظل – غير خاضع للتفسير والتحليل.
إحساس لم أستطع طرده أو الاعتراف العَلَنِي به, أن أحفادي المتقافزين في البيت: على الفراش والمقاعد وأسفل المكتبة في صخب طفولي بديع, ألقوا في جوفي بسؤال شائك: لماذا يحدث ذلك بعد أن توقفت عن الإنجاب بمجرد ظهور الجيل الثاني?!
أوزع ما أملكه من نقود – قليلة بالفعل – على كل جيوبي, حتى لا أضع يدي في أي جيب فأجده فارغًا خاويًا.
محمد مستجاب