الرئيسية | فنون جميله | صدق الاحتراف وجماليات الأداء

صدق الاحتراف وجماليات الأداء

رؤية: مجاهد العزب

د. السيد القماش هو رئيس قسم التصوير الجداري بكلية الفنون الجميلة ، جامعة المنيا .. مواليد مدينة طنطا .. عضو فاعل في العديد من الجمعيات الفنية والنقدية ، إلى جانب إسهاماته في الحركة التشكيلية المصرية والعربية وله العديد من المعارض الفردية والجماعية في جميع أنحاء العالم ( 30 معرضا فرديا ـ 135 معرضا دوليا ) وحاصل على 36 جائزة دولية في فروع الفن المختلفة .

يقول : ” جدي لوالدي ( السيد القماش الكبير ) والذي سميت باسمه وتبركا بالسيد البدوي ، كان يعمل نحاتا لحجر الطواحين الدائرية العملاقة لوابور الطحين الفرنساوي الشهير بالسبع حجارة ” . ( * )

السيد القماش في معرضه الأخير ـ جداريات خزفية ـ يقدم لنا نموذجا جديدا من الإبداع التقني في الشكل والخامة معا .. تجربة تستحق الاهتمام والإشادة استمرت عبر خمسة وعشرين لوحة بمساحتين وطرق تعبير مختلفة ، بين تجريدية وسريالية وعمل تركيبي ورسم خطي .

أنت إذن في صحبة معلم يجيد عرض تجربته الجديدة أمام تلاميذه ـ مشاهديه ـ بأساليب متنوعة ، محاولا كعادته طرح بعض المفاهيم الخاصة به والتأكيد عليها من خلال حواراته معهم أثناء تجوالهم بين المعروض .

يقول : ” أن الفن يولد من أقل الأشياء وأبسطها .. والخامة ـ أيا كانت ـ فهي متعددة العطاء ، قادرة على التعبير عن ذاتها ووفقا لما يتاح لها من استخدام .. والعمل الفني له قيم صارمة لا يمكن تجاوزها أو التهاون معها ، أولها قدرته على البقاء ، وآخرها أن يقدم في أحسن ما يكون من حيث الترتيب والإخراج والعرض ” . ( 1 )

لا تندهش بالكلفة العالية للخامات المستخدمة وأنت تضع أولى قدميك داخل صالة العرض ، ولا بإطار اللوحات العريض بلونه البني المائل للصفرة غير الموفق ، أو بتلك الورقة الملصوقة بجوار كل لوحة وبخط عشوائي كتب عليها تفاصيل العمل وخاماته ودرجة حرارة حرق بلاطة الخزف داخل الفرن !! .. أنت بين متناقضين ، لكن يكفيك وجه القماش وهو يلقاك مبتسما بسيطا هادئا يسر لك ـ خاصة ـ بكلمات الترحيب .

دخلت .. انتهى الترحيب الهادئ والحديث الودي ؟! ، غرقت في بحر هائج من الأفكار ، تأخذك بعيدا ، تروح وتجئ ، تسلمك لوحة لأخرى .. لا تنتبه لمن حولك ، أنت ومرآتك ، وحدك وجها لوجه .. وكأن السيد القماش قد تعمد وبمكر ملاقاتك ، وأن يضعك هكذا أمامك بعد وقت من الترحاب والبشاشة وهدوء يسبق عاصفة حالك ، لترى حقيقتك مجردة دون قناع .

يقول : ” أما جدي لأمي ، فكانت مهنته عمل نماذج الجبس للعديد من الأشكال والعناصر الزخرفية على هيئة عناقيد عنب ورسوم نباتية ورؤوس نمور وأسود وحيوانات أخرى ” . ( * )

صورتك الأولى :

( من منظور عين الطائر ) يقف بصرك للحظة أمام طائر ملون ووضع غريب ، فوق عش بخطوط قاسية ومخالب ، لا تبني أية جسور معه ، وتنفر منه رغم ألوانه الزاهية .. هو طائر الموت ، تتركه لتدور بقوس في اتجاه عقرب الساعة ـ هكذا بنيت اللوحة ـ لتراك طفلا وليدا بليل .. أفراح وتعاويذ أسبوعك الأول .. كبر الطفل ، تزاوج وأخصب .. صار شيخا فمرض ومات ، ليقبر مع الأمراء والكبراء والصعاليك وهوام الأرض .. هي شجرة حياتك بتفاصيلها .

حالة من الاستغراق الذهني وطرح الأسئلة محاولة للفهم .. كل الموتى أزواج ( ذكر وأنثى ) حتى ابن آوى !! .. ولأننا كمصريين نعرف ماهية الرمز وكونه الإله الجنائزي المتوج في طقوس الموتى عند أجدادنا القدامى ، لكن جديد السيد القماش أن جعله زوجا وألبسه زيا جديدا مائلا للبياض المزركش رغم ما عرف عنه في التراث القديم أنه باللون الأسود ( لون البعث ) .

الكل يموت ، حتى ابن آوى حارس القبور ومشيع الأجساد ، لم يعد يقوم بمهمته الموكلة إليه وينتظر من يصاحبه إلى مثواه الأخير .. ينتظر من يقيم طقوسه الجنائزية ، من يلقنه كلمته الأخيرة .. إلا طائر الموت ، يظل قابعا في أعلى مكان بألوانه الزاهية وريشه الطاووسي ومخالبه !! .

يقول : ” والدي صالح القماش ، في بداية حياته العملية .. قام بتصنيع ونحت قوالب صب العرائس الخاصة بالمولد النبوي ومولد السـيد البدوي ( حلاوة المولد ) مدة تتراوح بين الست أو السبع سنوات .. تركها وعمل في صناعة الاسطمبات المعدنية ” . ( * )

صورتك الثانية :

وحدك تحاول والمجهول ، عاريا ، لا تفصلك عن لحظة الموت سوى صرخاتك في الفراغ وعيون يملؤها الرعب وقطرات الملح المسال ، تنخر جلدك الواهن .. تحطمت أشرعتك كلها ، غاصت أطرافك وقاع سفينتك الخربة .. لم يبق لك من معين .. خارت قواك حتى استحال إدعاء البطولة .. من يخرجك الآن ، وأنت كما أنت .. هو .. نعم هو .

حالة من الخوف والرعب المباغت ، وهج وسماء مصفرة وحركة دوامة دائمة تحاصرك وتمسك بتلابيب جسدك وعينك ، لا تستطيع الإفلات .. ثم كتابات حذرة متقطعة ، حادة نحيفة في جانب .. تعلو رويدا رويدا في جانب آخر ، تصل إلى صراخ أحادي ولا مجيب ، وكأنك قد أسلمت حالك لمن هو نعم المولى ونعم النصير .

يقول : ” حلقات الزار عند قريبتنا ( الشيخة أم سعاد ) .. تلك الحلقات المليئة بالخرافة والشعوذة ، أشاهد حركات النساء ورقصاتهن المتشنجة ، ملابس وألوان غريبة وطيور ذبيحة ، إيقاعات ترج قلبي ورائحة بخور ” . ( * )

صورتك الثالثة :

مقدمة قطار في مهب الريح .. كتل بشرية ممددة الأطراف وأنثى تفرد ذراعيها .. حرف الحاء باتجاهات مختلفة .. ثم .. يستخدم السيد القماش لغة الاختزال الصوفية الدالة على وجود المعنى .. يدخلها في توافق جريء مع الحلول الشكلية .. فحرف الحاء له عدة دلالات لفظية :

حب .. حياة .. حدة .. حريق .. حيرة .. حذق .. حميمية .. حاد .. حوى … الخ ، وهي كلها إيحاءات يفرزها حرف الحاء مجردا .. إلى جانب هذا ، فله أيضا دلالة شكلية تظهر في تنوع كتابته داخل الكلمات ونوع الخط الذي يكتب به :

ثلث .. ديواني .. فارسي … الخ .

لكن السيد القماش يتعمد كتابته بالخط الحر الحديث لخلق تكوينات جديدة تناسب ما يريد توصيله من معنى مضاف لدلالة اللون فوق المسطح الكامل للوحة .. فهو يستخدم اللون الوردي والبني الفاتح المائل للحمرة ، لخلق حالة رومانسية قريبة للحلم ، بعيدة عن التأكيد البصري الصريح ، اللهم إلا في خطوط خارجية أكثر تصارعا والتحاما .

خاتمة :

بعيدا عن القراءة الذهنية للوحاته ومفرداتها ، وما تعنيه دلالتها وتحتويه من مضامين .. يبقى السؤال الأكبر والأشد إلحاحا ، وكلما انتهينا منه نعود :

هل تكفي الذهنية فقط لتقيم فنا ؟! .

هل تكفي الأفكار والفلسفات والمقولات المأثورة والنظريات .. التاريخ كله وما تعارفنا عليه من خبرات ؟! .

هذه واحدة .

والثانية : هل تقيم الحرفة ” الصنعة ” فنا ؟!! .

في ظني أن الفنان ـ أي فنان ـ لابد من جمعه لثلاثة محاور أساسية لاكتماله الفني .. المحور الأول ، يتلخص في قدرته على امتلاك أدواته وخاماته ووسائط تعبيره بكل ما فيها من حرف الصناع ومهارتهم .. والمحور الثاني ، في استيعابه الكامل لثقافة مجتمعه وقضاياه والأفكار المؤسسة لها ، من قيم وأعراف وسلوك ومتغير وسير شعبية وحكايات .. أما المحور الثالث والأهم ، فيكمن في عمق الأداء وسحره وقدرته على خلق علاقات وقيم جمالية ومساحة مراوغة ، يترك فيها للمتابع والمتلقي فرصة إعمال خياله . أعمال السيد القماش في عمومها ـ من وجهة نظر الكثيرين ـ يشوبها الغموض الذي يصل أحيانا إلى حد الطلسم ، ناهيك عن الانزعاج البصري ، فتنفر منها ولا تتابع .. لا أنت قادر على اختراقها أو التفاعل معها ولو في أضيق حدودها الحسية !! .

وفي تجربته الحالية ، أجد قصورا ظاهرا في معرفة تكنولوجيا المواد وخصائصها وكيفية التعامل معها من حيث الأداء التقني .. إذ من المفترض ـ حسب تعبيره ـ أنه يقدم أعمالا جدارية معالجة السطح تصلح للاستخدام في واجهات الأبنية بكلفة اقتصادية أقل !! .

يستخدم الفنان الدكتور /السيد القماش مادة الإيبوكس الشفاف ، فوق مسطح خزفي من الطين المحروق وبعد تلوينه بألوان مختلفة .. وهي مادة غالية الثمن مقارنة بمثيلاتها من تقنيات قديمة ـ الجليز مثلا ـ ولا تقاوم عوامل التعرية ، بل على العكس ، قد تكون عاملا مؤثرا إضافيا لإهلاك الواجهة بالكامل !! .

ملاحظة عابرة :

بيكاسو .. كاندنسكي .. بول كيلي .. فازريللي

كلها أسماء طرحت أثناء العرض !!! .

وكم من حماقات ترتكب باسم النقد !!

( * ) فقرات من سيرة الفنان .

( 1 ) من حديث جانبي خاص .

الفنان د. السيد القماش