الرئيسية | فنون جميله | د. صلاح قنصوة: ثورة 25 يناير تشبه العنقاء

د. صلاح قنصوة: ثورة 25 يناير تشبه العنقاء

salah-konsowahد . صلاح قنصوة: ثورة 25 يناير تشبه العنقاء
القاهرة – “الخليج”:

يُعد الدكتور صلاح قنصوة بفكره وأسلوبه نسقاً خاصاً في التفكير، يخرج على الأطر والأنماط المتعارف عليها والصور الجاهزة والمحفوظة والمكررة، يعتمد أسلوبه على إعمال العقل بجعل الفلسفة تنحاز إلى رجل الشارع ومع أفكاره التي تهفو دائماً إلى التغيير، وهي أفكار تسير في ركاب الثورة العلمية والتكنولوجية في الوقت نفسه . وهو أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة وأكاديمية الفنون، من أبرز مؤلفاته “نظريتي في فلسفة الفن”، في “فلسفة العلوم الاجتماعية”، تمارين في النقد الثقافي”، هنا حوار معه .

ما سر اهتمامك بالثقافة الجماهيرية؟

السمة الأساسية للثورة العلمية والتكنولوجية الحادثة الآن هي سمة الجماهيرية، بحكم أن المصطلحات التي تولدت عن هذه الثورة تحمل هذا اللفظ، فنقول إنتاج جماهيري، ووسائل اتصال جماهيرية، ومجتمع جماهيري والذي من المفترض أن يكون رجل الشارع والثقافة الجماهيرية تمثل عمق هذه الثقافة ومن هنا لا تنمية من دون اكساب هذه الثقافة الاستنارة .

كيف ترى دور المثقف في هذه المرحلة؟

إذا كان لدينا ثلاث سلطات: السلطة التنفيذية، السلطة التشريعية، السلطة القضائية، وقد أضيفت لهذه السلطات سلطة رابعة وهي سلطة الصحافة، إلا أن هناك سلطة خامسة، وهي السلطة الثقافية التي تعد لأهميتها أولى هذه السلطات، وإذا تأملنا ما يحدث من تغيير في المجتمعات، سواء كان جذرياً أو تدريجياً فهو لم يحدث في غياب المثقفين والسلطة الثقافية .

وماذا عن ثورة 25 يناير ودور المثقف المصري؟

كان هناك أزمة شعر بها الشباب، فجأة قاموا بالتغيير وحدهم من دون المثقفين، ومن هنا ضاعت الرؤية المستقبلية من الشباب وأنا أوجه الانتقاد الشديد إلى المثقفين، لأن هذه مهمتهم والترنح الذي يحدث حالياً بسبب تخلي المثقف عن تقديم رؤية مستقبلية . ويبدو إما متقاعساً أو عاجزاً .

إذا كانت الشوارع في الغرب تمثل متحفاً للثورة وليس للقبح كما هي الحال عندنا، فهل لذلك علاقة بالفلسفة؟

بالطبع فمن بين أسباب التراجع، انهيار الحس البصري والسمعي، وهذا يتطلب إعادة تأهيل، فالذوق البصري والسمعي في الأساس ذوق عقلي، لأن الإنسان حيوان عاقل، وبدلاً من أن تتذوق الجماهير حالياً التفسيرات العقلية والتفلسف تتذوق أيضا الجهل . . وتتذوق التعتيم، وأظن أن هذا الجهل ترعرع وازدهر بفضل القنوات الفضائية وهي موجهة إلى الجماهير ورجل الشارع أكثر مما هي موجهة إلى المثقف، فإذا أنت انحرفت بالذوق العقلي، فأنت تنحرف بالذوق البصري والذوق السمعي .

كيف ترى صيغة العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الشرق والغرب من حوار، خاصة بعد تداعيات عدة تعكس صدام الحضارات؟

لا أجد أفضل حل لهذه الإشكالية من مقولة ابن رشد في كتابه “فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، حيث يقول: إنه يجب علينا أن نستعين بما قاله لنا القدماء، سواء كانوا مشاركين لنا في الملة أو غير مشاركين، وهو يقصد بغير المشاركين فلاسفة اليونان .

فإذا أرد العالم الإسلامي أن يستأنف مسيرة التقدم فعليه أن يتخذ من ابن رشد جسرا للعبور إلى أوروبا المستنيرة .

كيف ترى مستقبل الثقافة بعد ثورة يناير؟

الثورة نفسها فعل ثقافي هائل يصلح القيم والمفاهيم التي تحرك المجتمع، ومن جملة ما أسقطته الثورة الوهم الكاذب بأن الشعب المصري هامد لا يثور، وهو وهم سجله ابن خلدون في مقدمته الشهيرة حينما قال: “إن حكم مصر في غاية الدعة والرسوخ لأنها دائما سلطان ورعية لا غير”، وبرر ابن خلدون زعمه الذي نقله عنه كثير من المؤرخين والكتاب بأن المصريين لا يتمردون بسبب “قلة أهل العصائب” أي القوى القبلية المنظمة التي تقود التغيير، لكن ثورة يناير أثبتت أن “قلة العصائب” كانت ميزة لاعيبا، فقد جعلت الشعب يتجمع في ساحات الثورة على قلب رجل واحد من دون قائد أو زعيم، وأنا أعتقد أن وحدة الشعب هذه هي حقيقة مصر الجوهرية التي تتجلى دائماً في أوقات المحن والأزمات، وهي التي صنعت ثورات مصر الكثيرة المتعاقبة عبر القرون وإن غفلت عنها أعين المؤرخين وأقلامهم .

لذلك فأنا لا تفزعني ولا تحبطني حالات المد والجزر التي تمر بها الثورة، مثلما تمر بها كل ثورة في التاريخ، وسوف تبلغ ثورة يناير العظيمة أهدافها طال الزمن أو قصر، وهي من تجاربها الأخيرة تثبت أنها تشبه العنقاء في الأسطورة الشهيرة التي كلما احترقت بعثت من جديد من قلب الرماد، ستنتصر إذن وستخلق ثقافتها الجديدة، وستعيد للدولة المدنية الحديثة بهاءها الذي ظن البعض أنه قد انطفأ، وإن يكن وهجه مرئياً لمن يريد أن يرى