الرئيسية | فنون جميله | حـوافـظ – للكاتب محمد مستجاب

حـوافـظ – للكاتب محمد مستجاب

حـوافـظ

ظلت حفيظة – بنت عم أمي – تحتل موقعاً متميزاً في حافظتي – أي ذاكرتي ــ كانت نحيفة ضعيفة لها أصابع طويلة ذات بروز في عظمة المفاصل. وقد هالني – فيما بعد بسنوات عديدة – أن هذه الأصابع النحيفة غير مستوية التضاريس, تفوق في طولها أصابع عازفي البيانو والجيتار والعود, وفي تقوّسها أصابع النشالين ومستنزفي خلايا عسل النحل وجامعي ثمار التوت. كما أن عيونها كانت تلمع في وميض عيون الثعالب ونقاد الأدب لحظة اقتناص الدواجن ومقاطع نظريات السرد في إبداع الأصدقاء فقط. ومع ذلك فإنهم جميعاً – حفيظة والثعالب ونقاد الأدب – لم يثيروا حفيظتنا, ولاسيما أن بنت عم أمي المشار إليها تتميز بعشقها الواضح للآخرين: تعاطفاً وكرماً وخيالاً دافقاً, لا تتورع أن تسألني – في جدية هامسة – أن أنقل لعبدالحليم حافظ تحيتها الشخصية زاعمة أنه قريبها ويعرفها جيدا, دون اهتمام بأن المطرب المشهور بالعندليب الأسمر لم يكن – حتى – من الصعيد, وأنني لم أره في حياتي, لكن قاعدة كونه يحمل اسم (حافظ), ثم: ولأنّ اسمي يَرِد في الجرائد والمجلات – يحول دون حفيظة والخروج من هذا الاعتقاد, والذي أكده أنّ شقيقها (نعمان عبدالحافظ) الذي لم تكن تحبه بالقدر الأخوي المعهود – أصبح بطلاً لأحد أعمالي الأدبية, وجاء اسمه في كلام الراديو والتلفزيون دون أن يرد اسم حفيظة بالمرة.

ودون تحفظ فإن أهل أمي كانوا – جميعاً – لا يعملون فلاحين, ويمتلكون قدراً مذهلاً من التكبر إزاء أهل أبي, ويتصرفون دائماً بصفتهم المحافظين على الأخلاق والمثل العليا والقادرين على النصح والإرشاد والإشارة إلى الطريق الصحيح, والتنبيه الدائم للمحافظة على المحارم ورعاية الأبناء وعدم تبديد الثروات, وهو أمر ظل يثير المرح – والسخرية أيضاً – لأنهم لم يكونوا ذوي ثروة أو عمل أو نشاط تجاري يبيح لهم ذلك. واحد فقط – هو خالي شقيق أمي مباشرة – ألقت به صدفة التعليم المبكر أن يصبح معلماً في المدارس الإلزامية – التي اندثرت الآن – وبعدها وصل إلى منصب ناظر مدرسة, وكنّا جميعاً – نحن وهم – نزهو به وظللنا نحتفظ به لنحارب ونباهي العائلات الأخرى. وقد استطاع خالي – الذي كان يقرض شعر المديح ترحيباً بذوي المناصب – أن يحيل جميع من حوله من أهله إلى نوع من الخدم البائسين, الذين ينتظرون أي إشارة منه, وكنت واحداً منهم, وما كدت أهرب حتى أفرغ حفيظته وحافظته ضدي, ليكتشف الجميع ما كنت أتميز به من صفات لئيمة ودنيئة, إنه السبب الأصلي الذي جعل الحافظ ينحرف بي كي أصبح كاتبا بدلاً من قاطع طريق.

والحافظ – لغة – الطريق البيِّن المستقيم, أما حافظ العين فهو الذي يظل يقظاً لا يغلبه النوم. أما إذا أصاب الحافظ تأنيث فأصبح حافظة فهي الذاكرة التي تحفظ ما تدركه القوة الذهنية من المعاني والمشاهد. وتأخذ الحميّة وسخونة المشاعر حقها من هذه المادة اللغوية تحت سطوة (الحِفْظة). ويقال: هو ذو حفظة: غيور على المحارم – دعك من أهل أمي الآن. كما أن الحرز أو التميمة أو الحجاب الذي يعلق على صدر الصبي يستأثر بلفظ الحفيظة – أي التي يعتقد الناس أنها قادرة على استدرار الحفاظ على الولد الغالي, وهو ما لا تحظى به الأنثى في هذا المجال بالذات وإن استخدمت الحفيظة حرزاً للوصول إلى أهداف أخرى. ولم يتورع عدد من ذوي النشاط السياسي أو المناصب الإدارية من اقتناص نصيبهم: وأشهرهم حزب المحافظين في بريطانيا, ثم المحافظ الذي هو أعلى موقع في الولايات والمقاطعات والمديريات في جميع أنحاء العالم. كما أن المصارف والبنوك والمؤسسات المالية تعشق أن يكون على رأس إدارتها المحافظ – ربما هنا يرتبط ذلك بمحافظ الأوراق المالية التي تحمل أصغرها وأقلها حجماً في جيبك الآن. ويرى أصحاب التحليل السياسي أن الاتجاه المحافظ هو ذلك الذي يرعى التقاليد والأعراف والقواعد الأخلاقية والسلوكية المستقرة, إلاً أن لفظ المحافظ لم يلبث أن أصبح اتهاماً يصف به الذين يرون في أنفسهم أنهم (تقدميون) المناوئين لهم في الاتجاهات والأهداف والطموحات السياسية أو الإدارية.

ولعل أشهر من حمل اسمه مادة الحفظ أو المحافظة أو الحفاظ كان نجيب محفوظ الروائي المصري الشهير, إلاّ أن الطبيب نجيب محفوظ له شهرة راسخة في عالم الطب العربي المعاصر (ولد عام 1882 – ورحل عن الحياة منذ حوالي 40 عاماً), وكان متخصصاً في أمراض النساء والولادة, وحصل على أعلى الدرجات العلمية والزمالة الفخرية من الجامعات الأجنبية, وقد أنشأت له كلية طب القصر العيني – المصرية – متحفاً لمجموعته المشتملة على نماذج ولوحات مكبرة عن العينات والجراحات الخاصة في هذا المجال. كما أنه وضع عدداً من الكتب الطبية بالإضافة إلى موسوعته في أمراض النساء, إلاً أن حافظتنا قد تجد واجباً عليها أن تشير إلى محفوظ عبدالرحمن الذي يعد من أرقى كاتبي سيناريو التلفزيون, والذي لا تستدرجه المعالجات المثيرة للرغبة والنوازع.

مقطع مستقل

ومحافظة على ما جاء في السطور السابقة من قيمة لا نميل إلى تناول أي محفوظ أو حافظ آخر, حتى لا تضطرب الأمور فنقع في المحظور ويثير ما في القلب من حفائظ ضد كل ما هو محفوظ في القلب ضد عدد مذهل من الذين تحفظنا عنهم واحترزنا من الإشارة إليهم, ليصبح التحفظ – في معنى من معانيه المعجمية: الصيانة والقيد دون التحرر والانطلاق.

محمد مستجاب