الرئيسية | فنون جميله | بسمة.. فابتسامة – للكاتب محمد مستجاب

بسمة.. فابتسامة – للكاتب محمد مستجاب

بسمة.. فابتسامة

أحسست أن المجال اللغوي للتعريف بالبسمة ينقبض دون الاقتراب من تعبيراتها الدقيقة الذكية الجميلة, والتي – في حالات عديدة – تقوم بما تعجز عنه الزهور والفواكه والمعابثة والملامسة وطلاقة اللسان وعذوبة نظرات العيون, حتى أني خشيت أن أنزلق – من تأثير الابتسامة – إلى تلك البسمة التي تراقصت ناعمة على شفاه يهوذا إشارة إلى جنود الرومان ليتحركوا نحو النبي المسيح عيسي (عليه السلام) ليقبضوا عليه ليلة العشاء الأخير, والتي – ابتسامة يهوذا – تراها في أخطر وأدق حالاتها في لوحة ليوناردو دافنشي بالغة المكر والجذب والجمال الخادع, وقد توازيها في التعبير الجميل دون خداع: ابتسامة أمي – في توترها العطوف – لتحول بين كف أبي المشرعة كي لا تهوي فوق خدي عقابًا لسلوكي الصبياني اختراقًا لحقل طماطم جارنا الطيب, إلاّ أن الابتسامة الغامضة والرقيقة وبالغة الإحساس بالتواصل كانت فوق شفتي (الموناليزا) البسيطة والعميقة والبريئة للرسام ذاته دافنشي الإيطالي المشار إليه في مؤامرة يهوذا, ولعل الرومانسية – في الفن والأدب والسلوك – أفرزت أنواعًا من الجمال المبتسم الذي يعني الموافقة أو الرفض أو الاحتجاج أو إدراك ما لم تقله الكلمات, حتى أن فرانسواز ساجان كانت شديدة الاهتمام بالخروج المعاصر على الرومانسية لتكون روايتها (ابتسامة ما) إشارة واضحة على عبثية المعنى الإنساني الرقيق حينما اجتاحته الاتجاهات الوجودية المعروفة في أوربا, والتي كان سارتر – فيلسوف فرنسا الذي رحل منذ سنوات – واحدًا من المؤثرين فيها.. وفينا أيضًا, إلاّ أن البسمة الشرقية – والعربية – ظلت تقاوم وتستمر في إشعاعها والذي ترى أثره في عيون المبتسم – ذكرًا كان أم أنثى – حينما تطرف أو تنغمض في بطء أو تضطرب لتضيق ثم تتسع لترى التعبير المتألق ذا الشجن المتفاعل مع مصدر انبعاثه: الابتسامة فوق الشفتين, والمجال الجوي بين ما يشع من الشفتين, ومن العينين – هو الذي تطايرت فيه مشاعر عمر الشريف أمام فاتن حمامة: الابتسامة والنظرة – ليخرجا من فيلم (صراع في الوادي) ليقترنا – أقصد يتزوجا, إلاّ أن ابتسامة الفتاة البسيطة نعيمة -أي سعاد حسني – أمام صوت المغني حسن ظلت ساحرة عدة أفلام, ثم أهلكتها ظروف العصر المضطرب الضاغط والمطارد للابتسامة التلقائية النقية النابعة من السليقة والفطرة, وهو ما يمكن لك أن تستمتع به – أو تحس به – في تلك الحركة التي تبدأ هادئة عند (الحاوي) المتخصص في استخلاص العقارب والثعابين من شقوق الحوائط أو السقوف القروية, ثم لا يلبث الهدوء أن ينطلق من الحاوي صارخًا مهددًا آمرًا, لينخفض الصوت – جوابًا للقرار في الموسيقى – فيلقي بعصاه جانبًا, ويهمس داعيًا الثعبان في ابتسام بالغ الود, لتمتد ذراعه العارية ذات الكف المفتوحة نحو الغموض الذي يتسلل من بين الجدران ثعبانًا زاحفًا في بطء وامتثال, ليأمره الحاوي بالتوقف حينما وصل إلى الأرض, فيظل الثلاثة يبتسمون في تعبير بالغ الذهول: الحاوي والثعبان وأنا, إلا أن الابتسامة النابعة من الفطرة والسليقة عند الحاوي, وعلى شفة جدتي وهي تحكي – ما لا تحكيه الجدات الآن – عن أبو زيد الهلالي وعنترة وعلي بابا والبساط السحري وأم كلثوم وأسمهان وخالد بن الوليد – لن تحسن الإحساس بهذه البسمة حينما تجالس رجال الأعمال أو الفلاسفة – لاسيما المنقطعين للعلم في وحدة منقطعة النظير – أو راقصات الأفراح أو خلال المحاورات حول الموائد الدبلوماسية, مع أن أفواههم تبتسم فعلاً, وعيونهم تنظر أيضًا, وهم يمارسون ذلك – بإدمان مذهل – وهم خارج هذا الجو المتحفظ, ففي قاعة ناد مشهور دعانا صديق صحفي وكاتب دبلوماسي لسهرة عشاء ذات سمر ومرح لأصدقائه وداعًا له قبل عودته إلى عمله في الولايات المتحدة, وكانت نشوتنا المليئة بالتعليقات الساخرة الذكية تتألق في الجلسة الدسمة, الابتسامات تنطلق من رقتها لتخترق مجال الضحك السعيد – لم أقل الضحك الصاخب, لكن اثنين أو ثلاثة من الأصدقاء كانوا يبتسمون في تحفظ شديد, رقته ونعومته – هذا الابتسام – بالغا التكلف, والاصطناع أو الافتعال, الهدوء في النظرة, وفي الإنصات, ثم الابتسام والنظر بين وقت وآخر في ساعة يده, وهي حركة لا يمكن إدانة صاحبها رغم خطورة ما يدور في ذهنك نتيجة لذلك, فاستعدت التعريف الذي قام به الصديق ليقدمنا واحدًا واحدًا, إنهم يعملون في السلك الدبلوماسي الذي يقوم على التحفظ في إبداء المشاعر والآراء وعدم الانطلاق في ردود أفعال مبهجة أو محزنة نقوم بها نحن الذين من الفئات الأخرى, وعندما بدأ أحد الأصدقاء في إصدار ألحان من فمه تمهيدًا للغناء, طلبنا منه أن يشجينا ويسعدنا بصوته الجميل في أغنياته التي نحبها, وظلت البسمة تتهادى لتصبح ابتسامة, ثم بدأت حالات الانتشاء تحاور الأفئدة تحريكًا للمشاعر السعيدة المستمتعة, وكان ذلك مناسبًا أن أحافظ على متعتي الخاصة مع أصدقائي الأصليين الذين لا ينظرون – بين وقت وآخر – إلى ساعات معاصمهم, حيث تحرّكت أجسادنا في الجلسة إلى زوايا يصعب على العيون أن تقع في مجال المشاعر المتماسكة جدًا.

والبسمة – في أداء واجبها الإنساني – سوف تجدها في عيني القطة حينما تلوذ بك فتأخذها في حجرك, وفي عيني الكلب – مع ارتخاء مستسلم لأذنيه المشرعتين – حينما تلقي إليه ببعض المأكولات, وفي غوريللا حديقة الحيوانات فور إخراجك سيجارة وتقديمها لحارسها, حيث تظل تتابع السيجارة بعينيها شديدة الفرح والابتسام الذي يضيق بهما فمها ذو الاتساع المذهل – حينما يناولها الحارس السيجارة مشتعلة, ولكن أخطر وأجمل ابتسامة – بعيدًا عن شفاه الإنسان – هي تلك التي تراها بوضوح حينما تظل ممعنًا في وجه غزالة بحديقة الحيوانات, فتمعن – بعينيها فيك, ثم تضرب الهواء بذيلها الصغير المنفوش كالورد – فإذا ما مددت أصابعك إليها ببعض الحبوب, فسوف تتوقف حركتها ثواني عدة, بعدها تنداح شفاهها بابتسامة مع عودة ذيلها لإيقاع حركي جميل, لتفتح لك قلبها, أقصد فمها الذكي, تحياتي إليهما: زوجتك أو حبيبتك, مع قليل من الابتسام إنهاء لهذا الموضوع.

كلمات لها معنى

يالجمال متعة القراءة, والتي بدأت تدخل مراحل فنائها أو موتها الأخير, بعد أن قام التلفزيون والكمبيوتر بمحاصرتها تمهيدًا لكتم أنفاسها, فوداعًا.
هل يمكن لواحد يضع في جيبه إبرة حقنة أن يتراقص في متعة خلال جولة تحطيب?
تاجر الجلود يميل إلى أكل اليمام والعصافير والسمان, ولا يتحمل مشهد الدق على الطبول.
كان هارون الرشيد يحب سماع الشعر أثناء إلقائه المفعم بالانفعال, وإذا ما وصلت متعته إلى أقصى – أو أعمق درجاتها – يأمر الشاعر: اذهب فقد منحتك جملاً, دعك من جوائز الدولة الآن.
محمد مستجاب