الرئيسية | فنون جميله | بالونات الثورة

بالونات الثورة

mohammed kamal محمد كمال

بقلم: محمد كمال

تحتشد الذاكرة البشرية بكافة الصنوف البصرية والسمعية والشمية التى تكون فى مجملها سلافاً إنسانياً يتم استحضاره فى ظروف زمانية ومكانية مختلفة، لذا فالنصوص الوضعية بأنواعها قد تولد عبر خاطر أو حوار أو رؤية خاطفة تستجلى فكرة لم تكن فى ذهن الكاتب لحظة الحدث، وارتكاناً لهذا المفهوم فإننى أود أن أرجع الفضل فى هذا النص لزميلتى الفنانة د. أمانى فهمى التى أوحت لى به عندما كنا فى معايدة متبادلة على الفيس بوك عبر صحبة من البالونات ، فإذا بها تطلق دعابة مباغتة وتقول “هذه هى بالونات الثورة ” ثم أردفت ” هذا هو عنوان مقالك القادم ” ، لأجد هاتين العبارتين وقد دفعتا بى إلى مشارف بكارة ذاكرتى ، حيث البهجة الفياضة التى كانت تغمرنى مع خيوط الصباح الأولى ليوم عيد الفطر المبارك ، وقتما كنت أبدأه بصلاتى الفجر ثم العيد مع والدى ( أطال الله عمره ). ثم أندفع إلى الشارع فى لهو منظم بملابسى الجديدة ، متسلحاً ببضع ورقات مالية جديدة كمصروف استثنائى لم أكن أحصل عليه فى الأيام العادية ، وهو ماكان يشعل لدى شهية الشراء بين حلوى جاذبة ولعب فاتنة ، بيد أن بائع البالونات يظل هو النموذج الفنى الآسر الذى يحتل ركناً رطباً من ذاكرتى الطفولية الغضة ، إذ لايبارح مخيلتى إلى الآن ذلك الرجل الذى يختبىء وراء تكوين مركب ضخم من بالونات متنوعة الألوان والأشكال والأحجام بين مستديرة ومستطيلة ..

بين صغيرة وكبيرة ، فى مشهد إبداعى بصرى أراه بعينى الفنية والنقدية الحاضرة وهو يجمع بين فنون البيرفورمانس والنحت والرسم والتصوير ، حيث الأداء التمثيلى الحانى للبائع مع الأطفال ، مقترناً بصفارته الغليظة التى كان يعزف عليها بعض النغمات المحرضة على شراء بالوناته ، إضافة إلى ذلك البناء الملون المتوهج فى الفراغ المحيط بالبائع والأطفال معاً ، والممتلىء بتجليات لهفتى البيع والشراء من الطرفين .. وبعد حصولنا على البالونات بما ندفعه من نقودنا الجديدة ، كنت أحياناً أرسم عليها لى ولأصحابى بالقلم الجاف بعض التكوينات التلقائية من بشر وحيوانات وطيور وأشجار ، بينما فى أحيان أخرى نتقاذفها فرحين مهللين بطيرانها السهل الذى يخترق الهواء بنعومة وكبرياء ، بعد أن ندفع إلى داخلها ببعض حبات الأرز التى تصدر بدورها نغماً حاداً كصياح الكتاكيت ، لهذا فعندما كانت تنفجر ، كنا نعوض حزننا عليها بالحفاظ على أشلائها كى نحولها إلى رقع مطاطية نشفطها بأفواهنا ونلفها يميناً أو يساراً لتصير كرات مشدودة متناهية الصغر تسمى ب ” الزقازيق “.

وربما كان سبب هذه التسمية أنها كانت تصدر صوتاً كزقزقة العصافير عندما نحكها بأسناننا ؛ فتتعانق الصورة مع الصوت فى جديلة إبداعية ساحرة ، فإذا انفجرت الزقزوقة ، نعاود صناعتها ثانية بحجم أصغر ، ثم نكرر هذا مرات ومرات عبر إصرار ينطق بحرصنا على اقتناص أكبر قدر من الإستمتاع بالبالونات إلى أن ينتهى وجودها المادى تماماً ، لتبقى الفرحة مترسبة فى قلوبنا حتى الآن كنطفة خصبة فى رحم ولود .. أما المدهش فى هذا المشهد فهو سمت بائع البالونات نفسه الذى كان غالباً مايرتدى الملابس المتواضعة النظيفة ، بينما وجهه يكتسى بعلامات الشقاء والإنهاك البدنى ، وهو ماكان يعتصر وجدانى الطفولى البرىء عبر الفارق الواضح بين ترفنا وفقره .. بين نعيمنا وعوزه ، ورغم هذا كانت الضحكة البشوشة تصادق ثغره ، والحمرة البهيجة تدثر خدوده ، والبريق اللافت يصقل عينيه ، والرضا بالمقسوم يرافق طلته ،

إضافة إلى شمسية البالونات التى كان يستظل بتكوينها المترامى ، ويغتسل بألوانها الصداحة. وربما كان هذا المزيج الإنسانى الساحر فى شخصية بائع البالونات هو مايدفعنى الآن لاستحضاره كنموذج للشعب المصرى المكافح الصبور الذى ظل طوال تاريخه يدرأ عن جسده سهام الإستبداد والإستغلال ، تارة من بعض حكامه ، وتارة أخرى من كتائب المستعمرين التى لم تتوقف يوماً عن التربص بمصر كوطن يبدو كماسة بارقة بين كل الأوطان ، الأمر الذى جعل هذا الشعب النبيل فى حالة من الحركة الترددية الدائمة بين الإستيعاب الحليم لجبروت السلطة العمياء والإستنفار الثورى ضد الأنظمة الفاسدة .. فإذا افترضنا أننا سنرسم الآن خطاً بيانياً لتاريخ السلالة المصرية العريقة ، فسنجد حتماً ذلك التضاد الجلى بين الصعود والهبوط ، فيما يشكل مشهداً بصرياً فريداً يجمع بين قمم وسفوح .. بين رؤوس وبطون .. بين تلال منتصبة وأخرى مقلوبة.

وربما كان المصريون ومازالوا يستعينون على ذلك الحراك الموجى بقدرتهم الفائقة على إنتاج البهجة والفرحة فى أقسى حقب الذل والقهر ، واستجلاب الصفاء والنقاء عند أعلى نقطة على منحنى السحل والتنكيل .. تماماً مثل بائع البالونات الذى رأيته فى طفولتى يتاجر فى الإبتسامة النابتة من وجهه ، بينما الفقر يغتال وجدانه .. وربما كانت تلك التركيبة الإنسانية النادرة بمثابة الفخ الذى وقع فيه معظم من حكموا هذا الشعب الفريد بالحديد والنار عبر أزمنة مختلفة ، حيث سقطوا فى مصيدة صبره على المكاره ، وغرقوا فى بئر صمته على الطغيان ، وهى النتيجة المنطقية لجهلهم بطبيعة الجغرافيا البشرية المصرية التى يمتزج فيها هدير البحر برقرقة النيل ، ونعومة السهول بخشونة الجبال.

وأعتقد أننا عند هذا المنعطف الفكرى يمكن لنا أن نميط اللثام عن عبقرية ثورة 25 يناير 2011م التى انشقت فيها الأرض عن طوفان من الجماهير الحبلى بالغضب عند نقطة الحدية على قمة منحنى الصبر ؛ لتنطلق متكأة على خليط مذهل من الفرحة والإصرار على اكتساح أطنان من الفساد فى كل ربوع مصر بعد طول سكوت على الفاسدين .. أما العجيب فى عيد الفطر هذا العام فهو أننى عقب دعابة الفنانة د. أمانى فهمى التى أشرت لها سالفاً ، إمتزج فى مخيلتى على الفور مشهد بائع البالونات الذى عشقته وأنا طفل صغير مع رؤية مشهد الثوار من عل ، والذين بدت لى رؤوسهم بمنظور عين الطائر كبالونات الثورة التى ضاق هواؤها النقى بسكناها سنين عددا ؛ ففر هارباً من محبسه النائح بأنين الظلم إلى براحه المغرد بتراتيل الحرية ،

لذا فقد كان بديهياً أن يبقى المشهد أمام عينى مبللاً بندى البهجة المصرية المألوفة ، وهو ماتأكد لى فى تلك الكوميديا الشعبية البديعة التى كان يرتجلها الخاصة والعامة من المصريين أثناء ثبوتهم فى ميادين الثورة المختلفة ، سيما ميدان التحرير الذى شهد أبهى التجليات العقلية والوجدانية والروحية لهذا الشعب العريق. وقد كنت ومازلت أصل لأعلى درجات النشوة الوطنية ، عندما تنصهر أمامى أعذب مفردات المشهد الثورى مع بعضها من الأعلام ولافتات الإحتجاج ووجوه الثوار وبالونات الثورة ، لأننى حينها أتيقن من طزاجة تراثى الطفولى عبر قدرته على الإتصال بمكتسب اللحظة الثورية الراهنة ، داخل مسبح أمارس فيه التطهر بين أهل وطنى.

وعلى جانب آخر مازلت أرى بالونات منتفخة بهواء فاسد تمتزج فيه الفروسية المزيفة بالمزايدة الفجة ، وتختلط بداخله الخيول العرجاء بحمير النظام ، لهذا فعندما تنفجر تلك البالونات الآن ، أشاهد هواءها السام وهو يذوب فى رحم هواء الثورة النقى مثلما تذوب حبات الملح فى قاع النهر، وهى النتيجة البديهية ليقظة الجماهير فى هذه الثورة المجيدة التى برزت فى عيون العالم كواحدة من أنضج وألمع ثورات العالم الحديث. أما المثير لدى الآن هو أننى بعد انقضاء عيد الفطر هذا العام واختفاء كل بائعى البالونات ، أصبح العيد عندى ممتداً ، لأننى بت أبصر رؤوس ناسى الطيبين فى كل ميادين وطنى كبالونات محشوة بهواء صاف لم يعد يطيق الفساد ، وأصبحت أرى الشعب المصرى من جديد كحارس للحرية وفارس للبهجة وتاجر للسعادة عبر عيده الدائم الذى يقبض فيه على الخيط المكين الرابط لكل بالونات الثورة .

محمد كمال

نشر فى جريدة نهضة مصر – صفحة فنون جميلة – الخميس  8 / 9 / 2011م