الرئيسية | فنون جميله | النقد بين العاطفه والعقل – كاظم شمهود

النقد بين العاطفه والعقل – كاظم شمهود

د. كاظم شمهود

on 12/ 3/ 2011 ان المتتبع الى تاريخ النقد العربي الحديث يجد انه لم يمارس بشكل فعلي الا في بداية القرن العشرين بينما نجده حاضرا في الساحة الاوربية منذ القرن السابع عشر و خاصة بعد الثورة الفرنسية حيث بدا الجدل والحوار حول نظم الحكم وحرية الراي والمعتقد والاختلاف في الرؤى في الفكر والفلسفة والفن … ويعود هذ التأخر الى اسباب معروفة للجميع منها انتشار الامية والتخلف الثقافي ووجود سياسة التتريك وتحجر بعض عقول اهل الفقة والدين الذين افتوا بحرمة التصوير يضاف الى ذلك عنصر مهم جدا وهو عدم وجود المطابع والصحف والتي هي الميدان الاول للكتابة والنشر واظهار الرائ والرائ الاخر حيث جاءت متأخرة الى الدول العربية وبالتحديد في نهاية القرن التاسع عشر مثل مجلة صباح الخير وروز اليوسف في مصر والزوراء في العراق 1869 .كما دخلت لاول مرة مطابع الزنكغراف للعراق سنة 1930 

… الخ

وكانت اول مدرسة للفنون ظهرت في مصر سنة 1898 . وفي الجزائر انشأ الفرنسيون ورشة للفنون تدعى ورشة عبد اللطيف سنة 1906 وفي العراق تأسس معهد للفنون سنة 1939 … وهكذ اخذت بقية البلدان العربية تحذوا حذو مصر والعراق . وعندما اصبحت هناك ظواهر وحركة فنية و تواصل بين الشرق والغرب اعطت تلك اضاءة جميلة للفنان العربي وسجل فيها الرواد خطوة مباركة نحو الانعتاق والتحرر من التقاليد الجامدة . وفي ضل هذه البيئة الفنية المتواضعة نمى و نشأ النقد الفني مما ساعد ذلك الى الالتفات الى التراث الحضاري الانساني والاستفادة منه كالسومري والبابلي والفرعوني والاسلامي الذي كان في سبات منذ عدة قرون . ومن رواد الفكر والنقد الفني في عالمنا العربي.

/ في مصر يتقدم- احمد يوسف احمد- فهو مؤرخ و ناقد فني , نشر سنة 1922 كتابا اسماه – الفنون الجميلة قديما و حديثا – وقد اتسمت هذه الخطوة بالجرءة والالمام بكل المواضيع في وقت مبكر من الحركة الفنية العربية و بالتالي فقد سجل الريادة في الكتابة عن النقد والتاريخ الفني . زكي محمد حسن – وهو اكثر المصريين ثقافة وتأليفا و افقا , وحتى في مجال الترجمة كان رائدا . ومن كتبه -الفن الاسلامي في مصر 1935- والفنون الاسلامية 1938 – و كنوز الفاطميين 1937 . وغيرها من عشرات الكتب القيمة والنادرة والتي لازالت تضيئ المكتبة العربية . محمد صبحي الجباخنحي – ويعتبر من رواد النقد الفني حيث اصدر مجلة فنية اسماها – صوت الفنان – سنة 1950 –

وكان يتابع اخبار ونشاطات المعارض الفنية وينشر عنها وكذلك يكتب في جريدة الاهرام و البلاغ ومجلة الثقافة . ثم ظهر عدد آخر من المؤرخين والنقاد منهم حسن محمد حسن – ابو صالح الالفي – محمد عبد العزيز – ثروة عكاشة – محمود بسيوني – نعمة اسماعيل علام … وفي سوريا ظهر كثير من النقاد في مجال الفن و في مقدمتهم- عفيف بهنسي – حيث يعتبر اكثر سطوعا في عالمنا العربي في التاريخ والنقد والفلسفة فقد قام بدراسات معمقة لتاريخ الفنون القديمة والمعاصرة . ويتجه في كتاباته على ابراز الفن الملتزم والايديولوجي والفن للمجتمع . وصدر له عشرات الكتب القيمة .

وقد التقيت معه في دمشق ورحب بي خير ترحيب واهداني احد كتبه وكان مطير العلم وطيب المجلس. ومنهم ايضا – فالح المدرس – والذي كان مدرسا ومؤرخا, اصدر كتابا سماه – موجز تاريخ الفنون الجميلة – سنة 1954- وكذلك – غالب سالم – طارق شريف- سعد قاسم – عبد العزيز علوان – عادل عبد الحق – ممدوح قشلان , وقشلان هو من رواد الحركة التشكيلية في سوريا, ويشرف على كالري – ايبلا – وقد اقام لي معرضا فيه . وله كتاب جميل يدعى – نصف قرن من الابداع التشكيلي – في المغرب ظهر في النقد الفني – محمد المليحي – محمد القاسمي – محمد شعبة – محمد السرغيني – ويعتبر السرغيني-1923- من رواد الفن التشكيلي المغربي حيث درس الفنون في اشبيلية في اسبانيا ثم اصبح عميدا لمعهد الفنون الجميلة في تطوان . وقد زرته في تطوان في المغرب واطلعت على اعماله وكان اسلوبه يمتاز بطراز الواقعية الاشتراكية . وفي فلسطين يبرز من الفنانين النقاد – اسماعيل شموط – ومصطفى الحلاج … و غيرهم..

اما في العراق فيعتبر- شاكر حسن آل سعيد – فنانا ومفكرا وفيلسوفا وناقدا . نشطت بحوثه و دراساته الفنية سنة 1962 , وصدر له عدد كبير من الكتب ونشر كثير من المقالات في الصحافة العراقية . اسس مدرسة فنية اطلق عليها اسم – البعد الواحد – سنة 1971 – وانظم اليه عدد كبير من الفنانين العراقيين الشباب . جبرا ابراهيم جبرا – وهو فلسطيني الاصل حل في بغداد سنة 1948 -ويعتبر بحق من رواد الفكر الفني العربي فكانت كتاباته مميزة ومنورة للساحة الثقافية والفنية في العراق , يضاف الى ذلك انه روائي ويتقن اللغة الانكليزية كتابة ونطقا بشكل جيد . وقد ترجم كثير من الكتب الى اللغة الانكليزية وبالعكس . وقد اثرت كتاباته على الشباب المثقف واعتبرت مصدرا مهما للالهام والتجديد والانفتاح نحو آفاق رحبة وموكة للعصر. شوكة الربيعي – وهو كاتب وناقد فني له مؤلفات كثيرة منها :- مقدمة في تاريخ الفن العراقي – سنة 1970 .

نوري الراوي – فنان وناقد ومن رواد الحركة التشكيلية في العراق , له كتاب – تأملات في الفن العراقي – 1976 – فائق حسن 1914 و جواد سليم 1920 – وهما مؤسسي الحركة التشكيلية في العراق وحاملي لواء الفكر والتجديد والحداثة وما بعد الحداثة في العراق . كما لا يمكن لنا ان ننسى الناقدين المتألقين علي النجار وصلاح عباس, والتي لازالت كتاباتهم تسطع علينا من كل مكان. كما نرى اليوم في بلداننا العربية عشرات المجلات والصحف المتخصصة في مجال الفنون التشكيلية وكذلك البرامج التلفزيونية والاذاعية والتي اصبحت ميدانا ومرتعا خصبا للطاقات الشابة والمبدعة . وقد تعرض بعض النقاد الى السخرية والتهكم والتشكيك بمصداقية ما يقولون او يكتبون من قبل بعض المفكرين والفلاسفة على اعتبار انهم يفرضون اذواقهم وينحازون الى هذه الفئة او تلك .

حيث ذكر الدكتور حسن محمد حسن في كتابه -الفن التشكيلي المعاصر – آراء عدد من المفكرين الذين انتقدوا بعض نقاد الفن مثل تولستوي الذي تحامل عليهم واتهمهم بانهم طبقة تشيع فساد الذوق وانهم بادعائهم الاختصاص قد اساءوا الى الفن والذوق لسلبهم عملا ينبغي ان يترك للمجتمع باسره بحيث توكل تقيم الاعمال الفنية لذوق الجماهير . كما هاجم الفنان الفرنسي كوكان النقاد ووصفهم بعدم الفهم والتقصير في الحكم على الاعمال الفنية بقوله ( يوجد لدى الفنان الحس بالتطلع نحو المستقبل بينما نجد الناقد الفني الذي يقال انه مثقف.

ليس مثقفا الا بالماضي ومن الماضي لا يحفظ الا بصورة عامة سوى الاسماء المذكورة في الدليل . ان الفنون التشكيلية لا يمكن فهمها بسهولة. ولكي يتمكن المرء من اجبارها على الكلام يجب ان يسألها في كل ساعة وذلك بسؤال ذاته …. فنون معقدة لان فيها كل شئ : ادب , براعة , مواهب , عين , موسيقى . ) لعل من اهم المؤثرات التي يلم بها الناقد ويهتم هي الظروف الاجتماعية والحياتية التي ولدت اتجاها من الاتجاهات الفنية لان الفن هو مرآة الحياة, وحتى الظروف الجغرافية والمناخية هي عوامل مؤثرة في الفنان والناقد ..

وهناك مشتركات بين الناقد والفنان حيث كلاهما يميل الى تحقيق الجمال المدرك بواسطة الحس والجمال المدرك بنور البصيرة ‘ والفنان حدسي معبر مبدع متذوق , والناقد حدسي متذوق تحليلي عقلي منطقي له ملكة في الحكم. والحدس اشبه شئ بالوجدان بالنسب للاخلاق وانه العقل بالنسبة للعلم …. وتذوق العمل الفني والتفاعل معه مرتبط بعوامل مختلفة بعضها نفسي وآخر اجتماعي وبعضها اخلاقي .. وقوة التذوق هي ليس قوة الذكاء , حيث ان التذوق اكثر تعقيدا من المعرفة … وقد وضع بعض المفكرين شروطا للنقد وهي . 1

– تصنيف المدارس الفنية وربطها وتحديد مصادرها وخصائصها ومقارنتها بالواقع او القواعد الكلاسيكية . 2

– دراسة التاريخ و محاولة استرجاع الاتجاهات والطرز الفنية الى الحضارات القديمة مثلا تأثيرات الفن المصري على الاغريقي او ربط الفن الرافدي الفن الاسلامي, وكيف انتقل تأثيرات عمارة الزقورات على المآذن … 3

– دراسة الظروف والمحيط الذي يعيش فيه الفنان ودراسة المجتمع الذي ولد فيه. كذلك يتضمن قراءة تاريخية و فلسفية وذهنية وفكرية للعمل . فان مجموعة اعمال الفنان هي قصة حياته الداخلية والخارجية .. ولا نستطيع ان نفهم حياة بيكاسو الا من خلال دراسة المرحلة الوردية والافريقية والتكعيبية والسريالية..

. 4- دور الناقد ان يكون مرشدا و مغذيا و مشجعا وليس مهدما او منحازا . و ان يكون متذوقا في اعلى المستويات و معتدل المزاج .. الاطناب والانحياز المراقب اليوم لحركة النقد الفني العربي يرى على الاغلب انه يدور في محيط العاطفة وليس العقل, ومازاد الطين بله هو الانحياز الى هذه الجهة او تلك ثم دخول القبلية على الخط والتي عادت بنا الى الماضي المرير ومعارك الفرزدق وجرير الهجائية . وقد سجل البعض ملاحظاته حول النقد العربي ولخصها في النقاط التالية .

– عند البعض اصبح النقد اشبه شئ بنزهه ادبية يصف بها اعمال الفنان باسلوب شاعري وعاطفي جميل.

– الاطناب مدحا واغراق النص بالسريالية والمفردات الجميلة ومرادفاتها الانيقة بحيث يدخل القارئ في انفاق مظلمة ومتاهات. وبالتالي يخرج من المقالة وهو لايفهم شيئا وربما يذم الناقد . استعمال احيانا مصطلحات غامضة لا يفهم منها شئ .

– ان البعض يتعامل في وصف العمل الفني والكتابة حوله كما يتعامل اصحاب القصة والرواية في وصف شخصياتهم في الرواية من ناحية نفسية وشكلية . كما هو عند نجيب محفوظ والمنفلوطي مثلا, حيث لم يتركوا زاوية الا ووصفوها .

– ان غالبية النقاد اما كانوا صحفيين او ادباء او شعراء او كانوا يكتبون القصة او مارسو النقد والكتابة عن هواية وبالتالي يكون هناك نوع من الخلل في عملية التقيم و النقد . لهذا تجد احيانا ان مستوى قوة التقيي عند الفنان الناقد هي غير مستوى قوة التقيم عند الاديب الناقد .

– احيانا يشم رائحة الحقد والحسد والابعاد بصورة متعمدة ومتطرفة عند بعض النقاد لكون الفنان مثلا ينتمي الى هذا الحزب او تلك الطائفة مما يعطي انطباعا مشوها لرسالة الفن الانسانية العالمية الجميلة والعظيمة . – لا زال النقد في بعض الدول العربية يسير تبعا للاهواء السياسية والعنصرية والايديولوجية خاصة في العراق وسوريا غير اننا نجده اكثر اعتدالا في مصر.

وهذه الظاهرة موجودة على ارض الواقع مع الاسف. والامثلة كثيرة ولا نريد ان نذكر اسماء…… فهناك نقاد انتهازيون عاشوا في زمن نظام جائر اجرامي عنصري في العراق حيث تخندقوا معه وكسبوا شهرة واموالا طائلة وطبعت لهم الكتب وجندت لهم جميع وسائل الاعلام …. واليوم نرى بعضهم في دول الجوار لازال يكتب وعلى نفس الخط الانتهازي فيرفعون بعض الفنانين ويطمسون او يبعدون آخرين… وهو عمل خطير جدا وممارسة غير مشروعة وتشويه واضح لمسيرة الفن العراقي ومصادرة لحق الفنان العراقي ولتاريخه الاصيل… واتذكر كتابات علي الوردي عندما يتحدث عن الشخصية العراقية وفي مضمونها بان الشخصية العراقية فيها جانب حضاري وآخر بدوي بمعنى ان هناك جانب طيب وآخر عنف. لذلك دعونا يا اخوان: ان نعمل على الجانب الطيب ونفعله بقوة لعلنا ان نبتعد بمرور الزمن عن هذه الشرور والقبح وهذه الممارسات الغير لائقة بالمثقف العراقي الاصيل… ولهذا فان دور الناقد يجب ان يكون خاليا من العواطف المذهبية والعنصرية ملتزما بالحياد العلمي . ( والفن اليوم اصبح عالميا يجمع الماض بالحاضر وعالمية الفن هي الذوق العام للفنون بمختلف شعوبها وبيئاته . والبحث عن الاسس المشتركة للروح البشرية بصورة عامة كي يتم التبادل لفني بين الفنان والمشاهد).. ويذكر لنا التاريخ الخلاف الذي حدث بين الفنان الفرنسي كوربيه ونابليون الثالث لان الاول رسم الطبقة الفقيرة من عمال وفلاحين وعلى اثر ذلك الخلاف الفكري تم نفي كوربيه ومات في المنفى, ويقال ان نابليون ضرب احد لوحاته بالسوط فمزقها … لكن بقى موقف كوربيه حيا ابدا وشكل مدرسة كانت هي الاساس لظهور المدرسة الاشتراكية في مطلع القرن العشرين . خاص “أدب فن”

المصدر: أدب فن: النقد بين العاطفة والعقل / 1
adabfan.com/