اللحـم – للكاتب محمد مستجاب


اللحـم

لا يوجد في أنحاء أقطارنا رمز للكرم والجود يعلو على اللحوم ـ مختلفة الإعداد والتجهيز والتحمير والشيّ والسلق, مع قليل من الابتسامات الهادئة, والتي يمكن أن يضاف إليها نوع من الحفاوة الدافئة لو تمّ هذا الكرم تحت عناية أنثى. وما زلت أتساءل ـ دون أي جواب ـ لماذا تحتل اللحوم هذا الموقع المتميّز فوق المائدة الإنسانية (الشرقية بما فيها العربية بالذات), مع كل الهجوم الضاري على ما تسببه اللحوم من أضرار في الجسد الحيّ, ومع كل محاولات أجهزة الإعلام والتدريس والإرشاد في رفع شأن الأسماك والنباتات لتحتل الموقع المؤثر في الجهاز الهضمي البشري, إلاّ أن أطباق اللحوم لا تسمح لكل هذه المحاولات ـ أو المؤامرات ـ بأن تزيحها من ساحة المائدة أو الطبلية أو حتى الشطائر (السندويتشات) السريعة المعاصرة. ولعله من المناسب أن نشير هنا إلى أن كثيراً من مجتمعاتنا لا تزال غير قادرة على تقديم الأسماك ـ دون لحوم الحيوان أو الطيرـ للضيوف, وليس صعباً أن تفاجأ بتقييم أو تثمين وضعك الاجتماعي للقادمين, يبغون مصاهرتك من تضاريس اللحوم المقدمة على ساحة كرمك, الحيوانية أولاً ثم لحوم الطير, أما السمك فسوف يدمر نتائج المباحثات تدميراً لا علاج له, مهما حاولت أن تبدو مثقفاً مراعياً القواعد الصحية التي يجب أن يلتزم بها عتاة وجبابرة المتباحثين.

والحيوان النباتي ـ الذي لا يستسيغ ولا يقبل أن يأكل اللحوم, ولا حتى الأسماك ـ أكثر وعياً وامتداداً في الحياة من غيره: الأفيال والبقر والحمير والخيول والغزلان والأرانب والجمال والأغنام والماعز والمتخصصون في الدراسات الغذائية وكبار قادة الأمم الناهضة: غاندي لم يذق اللحوم أبداً, وهناك من يرى في القادة المتهورين الحمقى الذين يقومون بأفعال مدمرة لأممهم ـ والأمم المجاورة لهم ـ أنهم نموذج لمدمني أكل اللحوم, وقد لاحظ أحمد حسنين ـ الرحالة المصري الذي اخترق الصحراء الغربية واكتشف بعض الواحات غرب مصر وجنوب ليبيا ـ أن الحيوانات آكلة اللحوم, مثل الضباع والثعالب والذئاب , تعيش طويلاً حتى تصاب بوهن وضعف الشيخوخة , إذا ما ظلت في الصحراء المجدبة القاحلة التي تعاني فيها ـ هذه الحيوانات اللحومية ـ من ندرة اللحوم, وأن أمثالها من النوع نفسه حينما تقترب من الوديان ليتيسر لها الحصول على لحوم الدواجن والضفادع وطيور المزارع والحقول لا تعيش طويلاً, ولذا فمن الملاحظ ـ بالنسبة لنا نحن محدودي التجربة ـ أننا كثيراً مانجد الحيوانات المفترسة المشار إليها, وقد نفقت وأصابها الموت الفجائي أو البطيء ,خلف أسوار المذابح والسلخانات حينما كانت تقام خارج التجمعات السكانية, حيث كانت بقايا الذبح والسلخ غذاء وفيراً يقصر أعمار المستفيدين منه: الإنس والحيوانات.

غير أن اللحم ظل مخترقاً كل الأزمنة بما فيها من نصائج وتعليمات ليحتل الموقع الغذائي المؤثر الأبدي الخالد, حتى أن الالتحام تولدت منه عوامل الالتئام, واللاحم الأعظم في الذهب والفضة هو الصائغ, والحكيم يلحم الأمر: يحكمه ويصلحه, ولحم بالمكان: أي أقام فيه طويلاً, فإن التحم الأمر بين شخصين فإنه يعني الاتحاد المعنوي أو الجسدي (وما في ذهنك حول هذا الالتحام صحيح وإن كان محرجاً) أويعني هذا الالتحام: الوصول بالصراع إلى تصادم دموي, رعاك الله دون الوقوع في هذا الالتحام, فإن اتصف الجرح بالالتحام فإن ذلك يعني ـ مباشرة ـ الوصول إلى طريق البُرْء والشفاء, وقد نجح اللحم ليكون المعنى الأعظم للوشاية والنميمة وإيقاع الأذى بالآخرين اغتياباً: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه , وفي كثير من معتقدات الناس ـ حتى الذين لم يصدر في دينهم نص واضح بالتحريم ـ أن لحم الخنزير أو الحلّوف يحمل أنواعاً من الخلايا والتكوينات المؤثرة في النفس الإنسانية: ربما المقصود بذلك الأعصاب والمخ, ومع ذلك فإن ظاهرة انتشار هذه اللحوم مجففة ومتبلة ومصنّعة بشكل يمنحها قدرة على المقاومة لتظل قابلة للالتهام, تثير الكثير من الاندهاش, حتى أنها ـ لحوم الخنزير ـ تسللت إلى مجتمعات يقف فيها النص الديني ضدها وقوفاً حازماً, الدين الإسلامي بالذات, وهذه اللحوم لا تجد لها موقعاً في القرى والمناطق البدوية, بعض المدن تغض البصر عن ذلك دون حرج.

أما بيت لحم فهي بلدة فلسطينية يقال إنها مسقط رأس النبي عيسى بن مريم, ويطلق عليها أحياناً: بيت الخبز, أو بيت داود, ويعتمد سكانها على زائريها في موارد رزقهم, وقد استفاد يوسف إدريس من هذا الاسم ليطلقه على إحدى قصصه ـ ليعلو المجموعة القصصية ـ بيت من لحم, لكن الأمر لم يزد عن الاستفادة بالاسم دون أي إيحاء بمعنى آخر.

وأفضل اللحوم لذّة في التناول: الضأن, ثم صغار البقر والجاموس, ثم الماعز, ثم الديوك الرومية, ثم البط والأوز, ثم الإبل الصغيرة, ثم الدواجن, ثم اليمام, والحمام, وفي بعض الأقطار ـ مثل فرنسا ـ يميلون إلى لحوم الضفادع, دعك من ذلك الآن, ومن المؤسف أنني ـ وبناء على نصيحة أو أوامر الأطباء ـ يجب ألا أتناول اللحوم بالمرة, ولذا, فقد توقف التهامي لها عند حدود أقل من عشرة أنواع, دون مساس بحقي في نهش لحم الأعداء بين كل وجبة وأخرى.. حتى أصنع ملحمتي التي أشدو خلالها بوقائع تمزق العروق التي تحمل كل قصائد الملاحم.

كلمات لها معنى

كل هذه الأفلام والروايات والأغاني والأحاديث والحكايات والقصائد التي تتناول الحب, تؤكد أنها تتعرض لموضوع نادر.

سيدي رجاء الانتباه أن عروق الذهب لا يمكن إدراكها وفي ذهنك عروق الخشب أو عروق الدم, أو أي أمور عريقة أخرى.

حطت يمامة على نافذتي وظلت تمعن في وجهي باستغراب واضح, مما أفسد على مخي التركيز في إلحاق الضرر بأحد الأصدقاء الخونة, أحسست برغبة عارمة في النوم.

إياك أن تنهر كلباً لتوقفه عن النباح المزعج, دعه لشأنه وتحمل قليلاً, لن يستمر نابحاً إلا إذا نهرته.

محمد مستجاب