الرئيسية | فنون جميله | الكرم – للكاتب محمد مستجاب

الكرم – للكاتب محمد مستجاب

الكرم

أطمع أن تتسع جوانحك معي – يا صديقي – كي تظل كريمًا مبتسمًا, وأن تفتح صدرك للهواء البري الطلق الذي تراقصت (كارمن) على أنغام الموسيقار الجميل (بيزيه) تحت سطوته لتخترق الآفاق الممتدة بين ثنايا جبال البرانس, بين إسبانيا وفرنسا, على إيقاع طبيعتها الساحرة, وسوف تظل الابتسامة الإنسانية هي الإشارة العذبة لمعنى الكرم الذي جعل من حاتم الطائي رمزًا للإحساس النقي الراقي للجود العربي التاريخي, ليصبح مثالاً للكرم الأصيل فيما روي عنه, حتى أنه قام بذبح حصانه الأثير تضحية لإكرام ضيوف عابرين. ولقد حظي حاتم الطائي بمساحة من التواصل الحيوي الراقي في كتب المدارس والقصص المتوالية في الآداب العربية والفارسية والتركية, ليظل شعره يدور حول الأخلاق الكريمة من جود وتضحية وإيواء ومساعدات بالغة الدفء الهادئ دون ضجيج.

وكان المخرج المصري كرم مطاوع منبهرًا بحاتم الطائي, يسعى للتعبير عنه في نص مسرحي أو تلفزيوني, لكنه رحل دون أن يتحقق أمله, وقد شاءت ظروفي السعيدة أن نتقارب معًا, حيث كان يتألق في ليالي السمر, فيلقي لنا ببعض أشعار هذا الفارس الكريم, كان ذلك محاولة من كرم مطاوع كي يواجه الاختناق العصري الحديث الذي لايكاد الكرم يجد فيه مستقرًا إلاّ داخل حفلات التكريم المنتفخ بالشعارات والأغاني.

إلاّ أن الكرم انبثق من مصدره الأخلاقي الخاص بالجود التاريخي, ليبدو شديد العذوبة في صوت كارم محمود, ذلك الذي أثار كوامن شجن عصور مراهقتي إزاء (أبو العيون السود) وترجمتها – أو صياغتها الفصيحة: ذات العيون السوداء, مع أهمية أن الغزل عندنا – أي في البلاد العربية – يتطارح لغويًا بصياغات المذكر في حالات عدة مشهورة, الحبيب المجهول لعلي محمود طه وغناء محمد عبدالوهاب, وما يتوالى على فنون التعبير عن العشق: حبيب الروح, يا عزيز عيني. وفي اللغة الدارجة: (كل ده كان ليه لما شفت عنيه). وكان المخرج السينمائي المصري المبكر: محمد كريم يعشق الحب عنوانًا لمعظم أفلام محمد عبدالوهاب: يحيا الحب, وممنوع الحب, ولقد ظللت – بناء على جهلي القروي – أتساءل عن علاقة محمد كريم المخرج, ومحمد كريم قائد الإسكندرية ضد الحملة الفرنسية, وكريم خان حاكم فارس – إيران حاليًا – في القرن الثامن عشر الميلادي, وكل من حمل اسمه صفة الجود الكريم: بالكريم الذي ينتشر عنوانا لأنواع من المراهم الخاصة بترطيب البشرة وإزالة خشونة ملمس الجلد, حتى عرفت – من المعاجم – أن الكريم المقصود يعتمد على أنه المعنى الإنجليزي, ثم في باقي اللغات الأوربية: الزبدة والقشدة, وما يقابلهما وما ينتج منهما من صياغات تقابل المعنى اللغوي العربي: أزبد وأرغى, في حال الانفعال…أو الدّسامة, وقد تتواصل هذه الصفات الناجمة من الكريم – دون الكرم – ليحملها في اسمه: كرومويل: رئيس الجمهورية الإنجليزية في القرن السابع عشر الميلادي, وهي الفترة التي لم تزد على خمس سنوات (1654-1659), لتعود إنجلترا إلى نظامها الملكي القائم حتى الآن, ودون أن ننتبه إلى إنسان الدور الأعلى أو الأرق في العصر الحجري القديم الذي يحمل اسم (كرومانيون), وهو ذات اسم الموقع الذي اكتشفت فيه بقايا هيكله العظمى بمنطقة الأليزيه بفرنسا, ويعتبره علماء تاريخ البشرية السلالة التي ينتمي إليها الإنسان الحديث بقامته المنتصبة وطوله الفارع, أما كرومر الشهير في التاريخ المصري فهو إداري ودبلوماسي بريطاني ظل يمثل السلطة التي ينتمي إليها, وقيل إنه كان يحب مصر حبّا يخرج من دائرة الاستعمار الغربي, حيث قام بتأليف كتابين: مصر الحديثة (1908), ثم الاستعمار القديم والحديث (1910).

ولعل الفاكهة الوحيدة التي نالت جزءًا من صياغة الكرم كانت العنب, مع تسكين الراء (كرْم), وبالتالي فإن الكروم ظل, حتى اليوم, يعتبر إشارة شعبية للكرم مع الضيوف, مع بعض اللحوم أحيانًا, وإني أعتذر الآن عن مقال لي عن حاتم الطائي – ذي الجود المشار إليه – والمؤثر في السلوك الخاص بنا حتى الآن, حينما قمت بتحريف اسمه من حاتم الطائي, إلى حاتم الطاهي, فقد كان يستمتع متعة رقيقة وراقية حين يقوم بتقديم الطعام بيده بعد إعداده وتجهيزه بمعرفته, فقد واجهني أمر بالغ الشرّ: ماذا لو أنه نحر حصانه – أي جواده – كرمًا لي بصفتي مسافرًا مرهقًا, وأنا لا آكل لحم الخيول? حينئذ أحسست بهذا الشر يسحبني إلى الكرملين: تلك القلاع الروسية الشهيرة بخشونتها وعضلات أو جفاف أفكار مَن يقيم فيها, دعنا من الكرملين الأكبر في موسكو الآن, السفر في الصحراء أفضل.

وقد يكون مجرد تساؤل عن ممثلة مصرية اسمها كريمان ظهرت في عصر عبدالحليم حافظ, ولا أعرف عنها أي معلومات تبيح لي أن أعترف لها بموقعها في الفؤاد, إلا أن كريمة مختار تلك الأم الحنون الغاضبة وشديدة التأثر بما يجري حولها في أفلام ومسلسلات التلفزيون والمسرحيات, احتلت موقعًا مؤثرًا في العواطف العائلية المضغوطة في العصر الحديث, لتصنع انفراجًا بعيونها, واهتزاز نظراتها, فتفتح شفتها العليا في ابتسامة بالغة الدفء والبساطة, إنها تتكارم: أي أنها تؤدي دورًا تعلو فيه عن الأمور غير المريحة, وتتنزه عنها, وهنا يمكن أن نقترب قليلا من الكرامة, والتي تعني اختزالاً خالصًا – ونقيًا – بامتزاج الكرم مع العفة والشرف والانتماء عائليًا ووطنيًا ودينيًا – أي إنسانيًا أيضًا, ومن أنواع هذه الكرامة تلك التي يحملها في أرواحهم وسلوكهم أولياء الله, إنها الأمر الخارق الذي لا يمكن أن تقوم أنت – بصفتك شخصًا عاديًا – بإبرازه دون استعراض للتحدي أو الادّعاء, إنها أمر خاص وطبيعة استثنائية غير الكرامة التي نعيش في ظلال معانيها السلوكية, وإن كانت الكرامتان تلتقيان دائمًا, مع النظر إلى ما قد يريحك حينما تخترق الصحراء الشرقية المصرية في طريق الكريمات إلى البحر.

ومع أني لا أود أن أستدرجكم إلى مسائل أخرى نابعة من الكرم, فإني أودّ أن أبدي ملاحظة حول مَن يحمل اسم كريم, ففي الأرياف والواحات يتم نطق هذا الاسم بتشديد الياء مع ضم الكاف وفتح الراء: كُريّم, وبمجرد أن ننتقل إلى المدن نتخلص من هذه الصياغة ليصبح الاسم كريم فقط دون تشديد أو ضم أو صيغة التصغير, فيكون كريم على وزن فعيل أو سليم أو عزيز أو نبيل, دون تشديد يجعل من كُريّم لحنًا صوتيًا بالغ الروعة خارج المدن والمواقع المؤثرة.

إنها فرصتي أن تتسع جوانحك – مرة أخرى – كي تظل كريمًا ومبتسمًا ليس مع الأصدقاء ورفقاء الجلسات الممتعة, بل في بيتك, مع أسرتك, ولو بعض الوقت.

كلمات لها معنى

لماذا – حين ترفع وجهك للسماء, وتمعن بعينيك فيها بعض الوقت, ينزاح القلق والتوتر والخوف من كل كيانك? عليك أن تبعد عينيك عن الأرض – بعض الوقت أيضًا.
أخطر أنواع الهمس: الوشاية والنميمة, حتى أن الحب يجد حرجًا حينما يحتاج إلى درجة من الهمس.
كان ضيفي من الدانمرك – أي شمال أوربا, ظل طوال الوقت لا يهتم بالمأكل والمشرب, عيناه تتابعان الشمس شروقًا وغروبًا, لم أكن أعرف أن الشمس عندهم نادرة, وأنواع الطب والعلاج لا تعرف هناك ما نصاب به: ضربة الشمس.
مع كل العوائق التي تحاصرني كي أبدو إنسانًا عصريًا لا يجوز له أن يزور صديقًا أو قريبًا دون اتصال وتمهيد سابق, سأظل مصممًا أن أطرق بابك دون اتصال أو تمهيد سابق, متعة لا حدود لها.
محمد مستجاب