الرئيسية | فنون جميله | الفـرسـان … والعشـق – للكاتب محمد مستجاب

الفـرسـان … والعشـق – للكاتب محمد مستجاب

الفـرسـان … والعشـق

ماكدت أقترب من عالم الفرسان حتى شعرت بنشوة – يكمن في طياتها حزن حديث – وأنا أعود غلاماً إلى الفيافي أو الحقول أو الآفاق الممتدة, أركب عوداً ناشفاً من البوص وأتقافز به فارساً مفعماً بالغرام لعبلة أو ليلى أو رابحة, وكلهن معشوقات قامت بأدوارهن على الشاشة البيضاء (كوكا) ابتداء من عنترة أو بدر لاما أو سراج منير أو – في آخر الأمر – فريد شوقي: فرسان السيف والخيل وقصائد اشتعال القلوب, ثم لم ألبث أن أصابتني خيبة التصوّر عندما اتضح لي أن أعظم العشاق ذوي السيرة الغرامية الموروثة لم يكونوا من الصف الأول من الفرسان: قيس بن الملوح المشهور بمجنون ليلى بصفته العاشق المتيم بها ويكثر من ذكرها في حديثه وأشعاره (ويأتي دارها بالليل – كما ورد في الموسوعة العربية دون أي تدخل مني – وإن كنت سعيداً بذلك), فمنعه أهله من زيارتها, ورفضوا أن يتزوجها, فذهب عقله وهام على وجهه شجناً شعرياً يتبخّر في آفاق الصحراء: حتى مات, أمّا قيس بن ذريح فقد نجح في الزواج السريع من معشوقته لبنى (وليست ليلى) على غير رغبة والديه (اللذين ظلا حتى الآن والدينا – في السينما والروايات والواقع والأقاصيص), فألحّا عليه إصرارا منهما على تطليقها, وعذّبا أنفسهما ليكرهاه على ذلك, وأثارا عليه قومه (لاحظ أنني ضيق الصدر بصيغة المثنى ولاسيما حينما يكونان والدين), حتى أذعن العاشق لهما, وطلّق زوجته المعشوقة, لكنه, لم يتحمل فراقها ومرض, فقاما بتزويجه أخرى, فلم يعاشرها, وتصاعدت الأمور عندما تزوجت لبنى الحبيبة, فلم يتوقف قيس عن الانهماك المستميت في حبها حتى نجح في تطليقها من زوجها, فماتت دون أن يستعيدها, أو مات قيس نفسه, ولأن الأمر بهذه الطريقة المفرطة في التشاؤم المؤسف لا تشبعنا, فقد وردت أنباء عن استعادته لها, والحياة هنيئاً معها, ولعل ذلك هو العنصر الذي لايزال فاعلاً – ولو كان مفتعلاً – في النصوص الغرامية الحديثة الآن.

وقد اختلف الأمر قليلا مع فارس آخر من فرسان الغرام, جميل بثينة, والذي عشقها وكانا يتلاقيان, فغضب قومها ورفضوه وحالوا دونه والزواج بها, فتزوجت من غيره فلم يكف جميل عن حبها والتشبيب بها (الإغراق بسيرتها) فشكاه أهلها إلى الوالي الذي أراق دمه بعد استنفاد النصح والتأنيب واللوم والتهديد, فهرب جميل إلى اليمن, ثم رحل إلى مصر, ومدح أميرها ثم مات بها (أين مقبرته في مصر? لا أعرف), أما كثير عزة الذي اشتهر بعشقه لعزّة بنت أبي بصرة, فقد عشقه العرب باعتباره واحداً من فحول شعراء العصر الأموي, عاش بالمدينة, لكنه ظل محبّاً للسفر في الحجاز والشام والعراق ومصر, (مع أنه كان مفرط القصر دميما), وهي صفات لم يكن العرب يميلون إلى الوقوف عندها, إلا أن قوة شعره استلزمت – فيما يبدو – أن يجعلوا من النقيصة أو العيوب – تميّزاً لصالح العاشق, مع أني لا أعرف إن كان كثير قد تزوج عزة حتى الآن.

وفي كل هذه الحالات فإن فرسان الغرام هم الذين صاغوا مقررات مواد مناهج مدارسنا بعد ذلك, فإن الدراسات – ولاسيما في الدرجات العليا مثل الدكتوراه – أخذت من هؤلاء الأبطال المرهقين مادتها البحثية في اللغة العربية, أو اللغات الأخرى, ولاسيما المستشرقون, إلا أن أبا الفوارس عنترة بن شداد هو الذي كان – وظل – رمزاًً خالصاً للفضيلة العربية التي تتميز بها الفروسية: الشجاعة, وإجادة ركوب الخيل, ومرونة التصارع – مبارزة أو قتالاً, والأخلاق النادرة القادرة على عدم الاعتداء الشديد فتكاً بالأعداء الذين وقعوا جرحى, مع التصميم العاشق للحصول على محبوبته, والتي كانت في حال عنترة استثنائية لم ترد في حال أخرى – في أي نص عربي أو غير عربي, ذلك لأن أمه كانت جارية حبشية (عائقان لا عائق واحد: كونها جارية ولأنها حبشية) في عصر ما قبل الإسلام الذي لم يألف التزاوج مع أمثالهن ولا مع أبنائهن, ومع ذلك, وبسبب ما تميزت به أخلاق ووقائع وسلوك وقصائد هذا الفارس في حروب قبيلته خلال داحس والغبراء, فقد تزوج من معشوقته عبلة ابنة عمه, ليخرج عنترة من وقائعه إلى سيرة غزيرة متنوعة الأبعاد, اخترقت الوجدان العربي في كل العصور, وأصبحت جزءاً دقيقاً واضحاً في الجهاز العصبي عندنا – مهما اختلفت الدول والأمم العربية, وقام الرواة – في الصحارى وعلى ضفاف الأنهار – ثم في طرق الأداء التمثيلي الفني في عصورنا – بإضافة التلوين الدائم وإبراز أنواع من العزف على تلك السيرة التي تجاوزت عشرة آلاف بيت, كل شاعر يرويها حسبما يكون باللهجة التي يتطلبها الناس, وبالطريقة التي يأنس ويحسّ برغبة الجمهور في تناول السيرة بها, وحتى حينما ولجت سيرة أبي زيد الهلالي سلامة المجال الشعبي, وهيمنت على المجالس العربية في القاعات والميادين, وعلى المصاطب ومجالات السمر, وفي أسماء القبائل والعائلات, ظلت – سيرة أبي زيد الهلالي سلامة – خارج المنهج المدرسي (حتى لو كانت ذات أثر واضح في البحوث الجامعية والتراث الشعبي – في مصر بالذات), والسبب في ذلك أن بطل هذه السيرة لم يكن يتصف بما اتصف به غيره من الفرسان في عنصرها الأول: أن يكون شاعراً مبدعاً حتى ولو ظل الشعراء الشعبيون في حال هيام دائم بشخصه المغوار.

إن سمة الإبداع – شعراً في هذه الحال – تصنع تميزاً آخر قد يعلو – في الاهتمام الدراسي على الأقل – على ما يلاقيه الفارس من عوائق وكوارث, ولاسيما حين يستطيع الشاعر الفارس المبدع أن يحقق أمله في الوصول إلى معشوقته, ثم أن يحافظ عليها بصفتها زوجته إلى آخر العمر, وعليك أن تراجع ما حدث في السطور السابقة, وأن تتركني أسترد وهمي الخاص بالحصول على فرس (مذكر ومؤنث) أمتطيها في عصرنا الحالي الذي قد يدفعني إلى البحث عن عود من البوص الناشف, فأعود صبيّاً, اخترق ضجيج المدن بحثاً عن عبلة – أو عزة أو كوكا: يرحمها الله, مع أن الفروسية تطالبني بأن أكتب عنها مرة أخرى.

كلمات لها معنى

همس في حزن: لماذا تفعل بي ذلك? ألست صديقك?! قلت في هدوء صادق: وهل تطلب مني أن أمارس الشر في واحد لا أعرفه??….!!

عندما يعسعس الليل: يبدأ النهار في التثاؤب… انتظاراً مملاًّ.

أطالب بدار استشفاء ذات تخصص في مرضين: عدم الحصول على جوائز الدولة, أو الحصول عليها.

أشجـــار التـــوت تجــــذب دود الحرير, وأشجـــار السنط تجذب دود القرظ ذا الأشواك, والأزهار تجذب الفراشات, والأرض تجـذب البشـر.

محمد مستجاب