الرئيسية | فنون جميله | الـخبـر والاخـتـبـار – محمد مستجاب

الـخبـر والاخـتـبـار – محمد مستجاب

الـخبـر والاخـتـبـار

لعل الأمر يصبح أكثر وضوحاً لو أنك هجرت الموقع الذي تقرأ فيه هذه السطور, وأن تترك خلفك – بعض الوقت – كل أنواع الوثير من المقاعد والفراش والمصابيح وأوراق المكتب ومجالات الدوائر الكهربائية المغناطيسية للإرسال التلفزيوني, وأن تنسى – بعض الوقت أيضا – حبوب تخفيض ارتفاع الضغط الدموي ومخففات الدهون ومذيبات الكوليسترول, مع تجميد ذاكرتك حتى لا تسحب خلفها زوجتك وأنجالك وكل الورثة – رعاهم الله, دون الإشارة إلى وجوب طرد الأصدقاء والأعداء من هذه الذاكرة المفعمة بالقوانين والواجبات والأمنيات والأمور ذات الشجن – أقصد الحزن العميق, بعدها يمكن لك أن تحس بالحياة إحساساً مختلفا حينما تخترق بعض التلال أو الآفاق الخضراء, لتكتشف أن الأمر سوف يصبح أكثر وضوحاً أمام المشاعر القديمة الخالدة حينما تبدأ حواسك في دخول المختبر الواسع الرائق, لتستيقظ ارتعاشات دقيقة وناعمة في الشرايين والآذان والعيون والوجدان, انظر – دون اضطراب أو قلق – إلى هذه السحلية ذات الألوان المتوازية الخطوط الذهبية وهي تنظر إليك وكأنها ترحّب بك, وكأنك خبر في قواعد النحو العربي جاء متألقاًَ لمبتدأ غامض, أو هذا العصفور الذي تقافز – على الرمل أو في الهواء – عدة قفزات فطرية تجعلك تود أن تمد كفيك إلى صوته المتقطع الطفولي المرح, الاختبار أصبح يسيراً – وعذباً – الآن…

إلا أن كل هذه العذوبة قد تصادر فجأة من رنين قطعة التليفون – أو المسرة – التي في جيبك (وقد غاب عني أن أنبهّك ألا تجعلها ترافقك), لتحمل إليك خبراً سوف يجذبك من كل اتساع الفيافي الجميلة – حتى ولو كان خبراً يحقق لك أمنية أن تصبح عضواً في المجالس الشعبية أو الوطنية أو الاستشارية أو الوزارية الكامنة في جمجمة العصر, ويستدعي هذا الخبر خبرتك في مواجهة الدنيا, وتضطر أن تبحث عن صخرة تلوذ إلى الجلوس عليها دون انتباه إلى هذا النوع من نبات الخابور ذي الرائحة الناعمة المزهرة الرقيقة بين قدميك, أو ذاك الخبار الترابي الدقيق الذي يتجمّع حول أغصان الشجر – وأغصانك الآن: أقصد أعضاءك, وعيونك تبحث بين الآكام على خبر آخر لا تدركه المدنية: فالخبر هو منقع الماء في الجبل أو وسط مناطق الزرع الجافة, كما أن الخَبْر هو – أيضا – السِّدْر والأراك (الذي يستخرج منه السواك المعروف في تنظيف الأسنان), كما أن الناقة غزيرة اللبن يمكن أن تأخذ حقها في لقب الخبر, مع ملاحظة أن الخبر مدينة حديثة بالمملكة العربية السعودية على الخليج العربي, وهي مركز تجاري شهير ويتقطع (الخبر) إلى عناصر عدة, هجرناها وتم طردها خارج الذاكرة الإنسانية العصرية, فالخُبرة ما تشتريه لأهلك من طعام (حتى لو طلبته جاهزاً بالتليفون), وما قد تحمله في أسفارك من زاد, والفطيرة – أو الثريدة – الضخمة الدسمة, والشاة التي تستحضرها بالشراء أو الإهداء وتذبحها مع أصدقائك كي تصل بالمتعة إلى حدود الامتلاء, لتصبح خبيراً في الضيافة يشهد بخبرتك فيها عدد مذهل من أجهزة الهضم, وحتى لا تنزعج معاً: أنا وأنت, فإنني سوف أشير بسرعة إلى أن الخبرة قد تجرّنا إلى التخابر, لنصبح أعضاء في تلك المؤسسات التي تقوم على مصالح المخابرات دون مراعاة للمشاعر والأحاسيس ابتداء من الهمس أو الدسّ أو تشفير الأخبار, حتى مرحلة الخابور, والخابور لا أثر له في القواميس, مع أنه معروف بتكوينه الحاد الذي يجهز – أصلاً – لملء الثغرات في الحوائط والأرضيات, ثم لم يلبث أن استخدم في المهام المروعة للخازوق ذلك العمود المدبب الرأس الذي يجلسون عليه المذنب – في الأزمان الغابرة – ليخترق جسده, القاموس اللغوي يقول ذلك معتقداً أن عصر الخازوق أو الخابور قد انتهى, ومادمنا قد تورّطنا في أمور لا يصح أن تفكر فيها – أو تتذكرها – في الهواء الطلق, فإن من الواجب أن أعتذر إليك, حيث لابدّ ألاّ يفوتنا ما جرى للخبر حينما هيمن في الأحقاب الأخيرة الملوّنة والمزركشة على العالم الواسع الممتع للأخبار في المجلات والصحف والإذاعة والتلفزيون والفيديو والأقمار الصناعية, وتأثير الخبر في الفنون التشكيلية – وبالذات الرسم الكاريكاتوري, والتعبير التخطيطي, والصور الفوتوغرافية على أغلفة الكتب والمجلات, ولعل أروعها – وعذراً فهذه مشاعر خاصة – الاختراق الحيّ للطائرة الثانية للبرج التجاري الأمريكي الشامخ, لم أشهد الطائرة الأولى لأنها جاءت خبراً دون تصوير من خبير ذي دراية ولماحية.

ولأن بعض ذوي الخبرة في صياغة الأمور لصالحهم قد يفسّرون – لذوي الشأن – بعضاً من هذه السطور لتصبح اختباراً قد أرسب فيه دون ملحق, فإنني أرى أن (نكفي على الخبز ماجوراً), وهو مثل شعبي في الصعيد يميل إلى أن نغطي الأمور الرديئة بإخفائها تحت الماجور – وهو إناء فخاري بدائي يتم إعداد العجين فيه تمهيداً للخبر – ودعك من كون الماجور رتبة عسكرية أيضا, فالمهم الخبر والخبرة والبعد عن الاختبار والخابور, وحتى نعود إلى بيوتنا – في المدينة – شديدي الإحساس بالسعادة, أو هكذا نأمل

كلمات لها معنى

يتواءم اللون الأصفر مع الأخضر بسرعة مذهلة, وكلاهما يعاني ويختنق حينما يحتكّان باللون الأحمر.
ليس خوفا أو دفاعا أو طلبا للأكل: ينبح الكلب, بل كثيرا ما يظل يـنبح بصــوت شـــديد الاقـــلاق لمجرد إثبات وجوده فقط, بعـضنا يفعلها طلبا للشهرة.
يد الأنثى تظل تشع بأصابعها أنواعا من الإشارات الإنسانية, ذات التواصل المأمول, وما تكاد هذه اليد تتعوّد على تقديم المأكولات وترتيبها لك, حتى تخفت أشعتها, وتبرد.
الجبان لا يأتي من الجبن فقط, بل من انحناء الجبين أيضاً.
تصبح النجوم زاهرة مادامت ساهرة في دنيا الشجن الجميل.
كل القصص التي أبطالها آباء تمور بالجحيم, والتي أبطالها أمهات تنفعل بالمسرة والعشق الحنون, مجرد ظاهرة.
محمد مستجاب