الـبـيـت – للكاتب محمد مستجاب


الـبـيـت
وطنا – يكون – وفؤاداً ومهداً طفولياً عذباً… ومعذباً

وحتى الآن، وقد تجاوز عمري الألف عام – رعاك الله – لازلت أسأل نفسي: لماذا تفعل ذلك ؟، ومثال لهذا الذي أفعله وأسائل نفسي عنه أنني – وبعد عناء – وجدت عملاً في أسوان (مشروع السد العالي)، وأخطر ما وفّره لي هذا العمل لم يكن – فقط – الأجر أو المأكل، بل كان هذا المهد الذي تحقق لي النوم عليه في حجرة مستقلة، أعرف أن المهد هو فراش أو سرير الأطفال، ومَن قال لك إنني لم أكن طفلاً قد تجاوز – حينذاك – ربع القرن الأول من حياته؟ ، ومع ذلك – أي بعد تحقيق هذا الحلم: ظللت أرنو إلى قريتي البعيدة في بداية شمال الصعيد وبينها وبين أسوان ما يقرب من سبعمائة كيلومتر، كانت (ديروط الشريف) مهدي وبيتي وملاذي ومأواي، وهي لغة شاعرية عاطفية بالغة الحنوّ عن بيت خارج القرية لا أثر لسرير في أثاثه (إنه أثاث مجازي وليس حقيقياً)، وجدران البيت تتساند لتصنع نوعاً من الرغبة العارمة في أن تتهالك متساقطة فوقي، كنت أنام على حصير وأتغطى بمفرش حتى أنني – إن أردت بعض الترف والراحة القصوى، كنت أنام على حافة البركة ذات الماء الساكن – لم أقل الماء الآسن – الممزوج بالنقيق الجميل المقلق لضفادع قارة إفريقيا، وحتى عصر قريب ظلت هذه الأمنية حلمي الأكبر أينما كنت وعلى أي فراش وثير أنام، وداخل أي منزل ضخم أو متسع أعيش، وعندما قام صهري – خلال حركة الانفتاح التي اجتاحت المجتمع كله أخيراً – بتسوية (البيت) في البركة مع إزالة كل أنواع النخيل وأشجار السنط ليصبح شارعاً يحمل اسمي (رجاء الانتباه) تقوم عليه المنازل التي تبدو حديثة، لم أستطع أن أتشمم الهواء هناك مرة أخرى، فلم تعد البيوت بيوتاً: بل منازل، البيت هو الوطن السرمدي الدائم، أما المنزل فالإحساس بأنه مؤقت يصلح للنزول فيه فقط يظل ضاغطاً، ولو لم تغادر المنزل أبداً.

ولذا سما وشمخ إلى أعلى معنى البيت متجاوزاً الإحساس بالسكن والوطن إلى العنصر الإيماني ليكون بيت الله هو المسجد، ثم عندما يرد مجرداً (البيت) فإنه يصبح علماً على الكعبة المشرّفة، وبعد ذلك تتوالى قدرات لفظ البيت منتشرة في رحاب الحياة لتكون المرأة بيت الرجل، وعياله أيضاً، ثم استولى القبر – رعاك الله – على معنى آخر للبيت، ولم يلبث الشعر أن قام بتنظيم النثر وإقامة علاقات ذات وزن لغوي ليصبح له بيته الخاص، لكنك حين تجمع بيت الشعر فسيكون أبياتاً تاركاً البيوت للحياة، وتتسلل الرغبات الإنسانية (لم أقل الحيوانية) ليصبح لها بيتها المستور (بيوت الليل)، أما نحن فلنا بيوت النهار بصفتنا نبدو أطهاراً ذوي نوايا حسنة، من خيرة البيوتات في المنطقة كلها، والبيوتات جمع الخلاصة يبدو فيها التدليل والرفعة، تماماً كما يقفز جمع الرجل فوق الرجال ليصبح – إن سمحت له ظروف اللغة – رجالات، إنها خلاصة الفخر الأعظم سوف تجدها مبثوثة في علوم التاريخ الإنساني بين أنواع من الأمم، ربما لم تحظ بأي نوع من الرجالات ذات عصر، وهي صيغة (أنثوية) نقوم نحن السادة الذكور بإعلائها على هذا القياس – النادر – كي نحول دون صعود حريم البيت إلى ما قد يزلزل سطوتنا.

وفي لغات عدة – بما فيها من حضارات – سوف نجد أن مقطع (بيتا) اللغوي يعني الفطرة أو البدائية النقية أو المدخل الأساسي، في المجتمع والأشعة والأدوية، ومع جهلي المطبق بهذه الشئون، فلايزال هذا الاستنتاج ناجماً عن وجود (بيتا) شائعة على الأفلام وآلات التسجيل والتصوير ومصطلحات حديثة في علوم النفس والكيمياء والطبيعة، إلا أن بيت القصيد – أي ذلك البيت الذي يفترض أنه يتضمن خلاصة القصيدة أو الهدف النهائي من المشروعات والمؤامرات والقوانين والعقوبات ودروس المدارس – سوف يظل عربياً خالصاً، حتى ولو شمل العالم كله في رواية الشاعر الهندي طاغور (البيت والعالم) والتي يرجع بعضنا قيام رواية (ميرامار) لنجيـب محـفوظ تأثراً بها، دون أن نتخـلى عن مصطلحاتنا الخاصة حول (بيت العز) الذي نطلقه على بيوت بدأنا فيـها حـياتنا – مع غض البصر عن لفظ العزّ، لأنها الوطن، والاحساس، ومأوى المبيت ليلاً احتماء من الأعاصير والمداهمات والقلق والخوف والتوجس، حتى لو كان هذا البيت العظيم الأثير الكامن في شغاف الروح هو ذاته مصدراً لكل ما يرهقنا ويقلقنا، ويجعلنا نمعن في الوجـود، إنهـا متـعة لا حدود لها.

محمد مستجاب