الرئيسية | فنون جميله | العصر – محمد مستجاب

العصر – محمد مستجاب

العصر

وبمجرد أن اقترب من لفظ (العصر) يصطبغ معناه بالآية الكريمة: (إن الإنسان لفي خسر) وتطوف عيناي في سماوات عصرنا المضطرب الملتهب ثم في أراضيه ليزداد الإحساس بالاضطراب والخسران, حتى أن الوجدان الإنساني تعتصره شجون تفرز حزنا غامرا في القصيدة والقصة والذكريات والمذكرات والحوادث وأوراق التحقيق والمحاكمات والخوف والتوجس والارتجاف, ولولا التوازن الذي يحدثه الإيمان بالله لأصبح البشر عصارة تسيل على الخدود ـ إن كان للعصور خدود, الحديثة بالذات, وهو ما يجذبنا إلى أخطر المصادر التي توالد منها لفظ (العصر), إنه تلك الحركة التي مارسها الإنسان منذ نشوئه عندما تلتف أصابعه المدربة حول ليمونة لتستنزف منها عصيرها, وهذه الأصابع بدأت تتوقف عن هذا النوع من العصر الخاص بالليمون بعد أن انتشرت عصارات كهربائية حديثة, وبالتالي فقد تفرغت ـ هذه الأصابع ـ لاعتصار المخ استنزافاً لقدراته في النميمة والوشاية والشكاوى الكيدية وخلط الحقائق ـ رجاء عدم استبعاد فن الإبداع: شعراً ونثراً ـ من هذا النشاط الذي تقوم عليه ميكانيكا العصر, وليس صدفة أن يستولي التعريف بالزمن التاريخي للنشاط الإنساني كله تحت لفظ العصر:

عصر الجليد وما تلاه من عصور حجرية وحديدية ونحاسية وبرونزية, وما يلي ذلك من عصور قديمة أو وسطى أو حديثة استطاعت ذاكرة التاريخ أن ترصد معظم حركتها وتطورها ـ فيما يعتقد المؤرخون, إلاّ أن شقائق أخرى من النظر إلى العصور تميل في إسنادها إلى حركة العقل الديني الذي يبدأ بعصر سيدنا إبراهيم ثم سيدنا موسى ثم سيدنا عيسى عليهم السلام, ويتوج آخر عصور الأديان بعصر الإسلام لنبينا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم), وقد مالت العواطف أن تستحوذ على بعض العصور لصالح القلب فاستولت على مراحل في الشعر والفن التشكيلي: العصر الجاهلي في الإبداع العربي قبل ظهور الإسلام ليحتوي على قصائد من الفخر بالرضيع الذي إذا بلغ الفطام تخرّ له الجبابر ساجدينا, لكن الأمور أصبحت أكثر إنسانية عندما انتشر الإسلام ليظهر القيسان: قيس بن الملوح الذي اعتصره الوجد سعياً وراء ابنة عمه ليلى طوال عمره دون أن يحظى بها, وقيس بن ذريح الذي أحب لبنى وتزوجها على غير رغبة والديه اللذين عذبا نفسيهما حتى يكرهاه على تطليقها حتى رضخ لهما, وبين هذين القيسين دارت عصور الإرهاق الوجداني التي أثرت في تكوينات النصوص العربية في المسرح والسينما والتلفزيون, دون أن ينفصل عصرنا هذا عما حدث في أوربا من دراما عصور مماثلة في روميو وجولييت أو مرتفعات وذرنج أو غادة الكاميليا, وبالتأكيد فإن أدب الهند والصين واليابان ومنغوليا وأندونيسيا ـ وأي بلد في أي موقع ـ لم يستطع أن يكون له عصر منفصل عن هذه الدراما الرومانسية.

إلاّ أن العصر الحديث ـ ثم الأحدث الذي نعيشه الآن: عبث في كل القدرات الوجدانية بعد أن هيمن العقل ـ بقدراته الذرية والتفجيرية والتحليلية ـ على شجن الوجدان, ولم يحس الفؤاد الإنساني بالوحدة والانعزال كما هو حادث له الآن تحت سطوة عصر الصواريخ والتدمير والاختراق والمشاهد المروّعة التي تصنع المجد للعقل العسكري المعاصر, وأصبح من أحلام اليقظة ـ أن نعود إلى ليلى في الصحراء نمعن في القمر ونهوّم في غيوم آخر الليل, ونرتعب من مجرد خلو السماء من قوس قزح, ألم تنتبه يا صديقي أن سماء العصر الحديث قد خلت من المشاهد الرقيقة الجميلة حينما تتطاير عصافير آخر النهار لتحوم حول مآذن وقباب المساجد في تشكيل قوس قزح الذي يكاد كثيرون من أجيالنا لم يستمتعوا بنظره أبداً, ولتصبح ـ في المقابل ـ لوحات الجيوكندا ورحلة السيد المسيح إلى مصر مجرد تاريخ لعصر لم يعد ممكناً له أن يتكرر مرة أخرى? دعك من محاولتي استبعاد ما يحدث في فلسطين خارج كل العصور.. الآن..

محمد مستجاب