الرئيسية | فنون جميله | العشرة الطيبة – للكاتب محمد مستجاب

العشرة الطيبة – للكاتب محمد مستجاب

العشرة الطيبة

يا معشر القرّاء…, كدت أتسلق أعلى ما في الأرض من جبال كي أخطب فيكم, فاتضح لي أنني لا أصلح لتسلق الجبال أو حتى التلال, ولا الهيمنة على معشرالقرّاء, وأن كل ما أملك – رعاكم الله – مجرد العشرة (رجاء كسر العين مع تسكين الشين), أي المعايشة الطيبة الهامسة, والتي اضطربت بسرعة في عصرنا الحديث, حتى أن لفظ (العشيرة), الذي كنا نلوذ إلى دفئه, مع إحساسنا بالتواصل الإنساني الراقي الرقيق, لم نعد نستخدمه الآن, فقد احتل لفظ الأسرة أو العائلة موقعه, ثم لم يلبث الرقم القومي أو رقم البطاقة الشخصية أن أزاح كل ألفاظ معجم العلاقات الإنسانية جانبًا.

إلاّ أن مسألة (العشيرة), التي بدأت ألغيها, بسبب اندثار معناها, الذي أشرت إليه: بدأت تفح بمعانٍ أخرى, أثارت في نفسي الشر الكامن, فبعد أن كنّا نسمع مَن يهمس في هدوء عذب: اللهم عشِّر خطاي, أي اكتب – يا إلهي – لكل خطوة عشر حسنات, داهمت المعاني الراقية الموروثة أنواع أخرى مقلقة, فإذا ما الفعل (عشّر), ارتبط بالحمار, فيعني أن الحمار كرّر النهيق في طلق صوتي واحد, وإذا ما ارتبط بالغراب, فيعني نعق, أما الناقة – أنثى الجمل – فإنها تعني عُشَراء, وفي اللغة العامية العربية: تعني الناقة العشار, وهو اللفظ الذي لايزال قادرًا على الحياة الشعبية حتى الآن, مع أن الرقم, أو العدد إذا ما عشّر, فيعني مباشرة أنه كان تسعًا, ثم أصبح عشرًا بعد زيادة واحد إليه, فإذا ما عشّر فلانًا القوم: أخذ عُشْر أموالهم – هذا ما في المعجم اللغوي, ولا دخل لي فيه, لأني كنت – منذ سطورعشرة – أحاول أن أعتشر العشرة فينا – وفي أي قوم – في حدود التخالط والتصاحب والتصادق, لكي نصل معًا إلى تلك الجلسة الحميمة بليلة العاشوراء, في اليوم العاشر من شهر محرم, والذي لايزال بعضنا يحتفظ بقدرة طيبة كي يقدم في هذا اليوم إلى ضيوفه طبق العاشوراء – أو العاشورة – المجهزة من حلوى مقشور القمح, ذات الطبيعة الشعبية الساحرة, والتي – مع الأسف – سوف يحاصرها الاندثار العصري, بالرغم من إضافة اللبن والزبيب ومكسرات الجوز واللوز.

وقد أفرزت العشرة القديمة ألفاظًا, مازالت تسعى بين مصطلحاتنا وأسماء ذوي الشأن من أعلامنا, مثل الكاتب المسرحي نعمان عاشور, ونقيب المحامين المصريين سامح عاشور, لكني – بقدراتي المحدودة – فشلت في العثور على حاكم طوال التاريخ العربي, احتوى اسمه أي عاشور, وكانت المفاجأة أن الذي لقّب بالعاشر, كان الموظف الحكومي في الموانئ والمطارات, الذي يقدر المكوس والضرائب, ويقوم بتحصيلها على السلع الواردة, وقد اندثر هذا اللقب الآن, إلاّ أني كنت في (دراو) – التابعة لمدينة كوم امبو بأسوان – وتعتبر إحدى محطات حركة درب الأربعين في الصحراء الغربية بين مصر والسودان – ففوجئت ببعض مَن كنت جالسًا معهم – يتحدثون عن صديق لهم بصفته عشّارًا, فاعتقدت أنهم يقصدون واحدًا له دراية بطريقة (عسّ البهائم) أي يعس في بطن البقرة أو الجاموسة – ليحدد إن كانت حاملاً. أقصد: عشارًا, وهذا – لفظ العس – ولا ينطبق على الأنواع الأخرى, مثل الجمال والغنم والماعز, لكنهم كانوا يقصدون واحدًا يقوم بتحصيل ما يراه مناسبًا من نقود على العابرين في درب الأربعين, مصطحبين أي حيوان, نعم: عشّار قاطع طريق.

لكن اللغة العربية مفعمة بالعاشورات – أي الجمع الخاص بولائد لفظية العاشوراء, فإن عشر فلان مبلغًا من المال: أخذ العُشر – أي واحدًا من عشرة, وأن عشر التسعة: جعلها عشرة, وإن عشر قومًا: صار عاشرهم, فإن جاءت جماعات من البشر, أو المخلوقات الأخرى عشارًا: أي جاءوا فصائل متوالية, وكل فصيلة عشرة, وإن قبض على لص استولى على عشارة من متجر: أي أنه سرق من كل نوع بالمتجر قطعة – دون الاهتمام بنسبة هذه القطعة إلى ما في المتجر, فإن صار قوم عشارات, أي أنهم أصبحوا متفرقين في أماكن متعددة, أما العشارى, فتطلق على الثوب الذي طوله عشرة أذرع, والغلام العشاري, هو الذي بلغ عمره السنوات العشر, والعُشْر – كما هو معروف لنا جميعًا – فهو جزء من عشرة أجزاء, ثم أطلقت على ما يؤخذ من زكاة الأرض التي أسلم أهلها, والوحيدة التي يصل الحمل فيها إلى عشرة أشهر هي الناقة أنثى الجمل: العشار, إنه لفظ يستخدم حتى الآن في بلادنا بشكل عام, على أي أنثى, لأي كائن حي بمجرد التأكد من أنها حامل أو حبلى, أما العشير فهو الصديق, كما يطلق ذات اللفظ – العشير – على الزوج, وعلى الزوجة, وعلى أي واحد من الأقارب أيضًا, أما المعشر, فهو كل جماعة أمرهم واحد, وفي التنزيل العزيز يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي , ثم المعشار, ويعني جزءًا من عشرة, ثم لم يلبث أن أصبح مصطلحًا للتحديد التقريبي: لقد حصل فلان على المعشار, ونحن – المصريين بالذات – أطلقنا العاشر من رمضان على مدينة حديثة احتفاء بذكرى اقتحام الجيش المصري لشبه جزيرة سيناء, تحريرًا لها من إسرائيل, كما أن عشري – أو العشري – من الأسماء المنتشرة في البلاد العربية, اسمًا لأفراد أو عائلات, ويصبح مناسبًا – نتيجة لما أعانيه من معاشرة هذا الموضوع – أن أذكر لكم أن سيد درويش – الموسيقي المعروف – قدم مسرحية (العشرة الطيبة), وكنا نتكلم عنها, فنفتح العين والشين: العَشَرة الطيبة, وكانت تعني بذلك دورة في ألعاب النرد كما نفهمها نحن, وفي جلسة كان فيها الراحل المرحوم عبدالفتاح مصطفى – صاحب أغاني عدة لأم كلثوم – نبّهني بصوت حازم: اسمها العشرة الطيبة, بكسر العين, وتسكين الشين, فتغيرت المعاني, التي كنت أضمرها لاحتياجي الشخصي للعشرة, أي الصداقة, دون العشرة الخاصة بالألاعيب أو الألعاب, أو السياسة, التي تحتل العالم كله الآن, وبسببها كدت – يا معشر القرّاء – أتسلق أعلى ما في أيديكم من أوراق, كي أخطب فيكم, وأتمنى أن أستطيع ذلك مرة, أو عشر مرات إن أمكن.

كلمات لها معنى

الحمل والثور والسرطان والدلو والعقرب, وعدد كبير من تلك الأسماء تطلق على مدارات السماء في أبراج, لا نعرف عن عصورها ما نعرفه عن أبراج الفيديو والدولار والكمبيوتر والإنترنت والأشعة والبؤس الملون المعاصر, فلماذا لا نعيد النظر فيما لا نفهم لحساب ما نعتقد أننا به نفهم?
لا يمكن لجائع أن يستمتع بمشهد غروب الشمس ذي الشجن الطبيعي الجميل.
أخطر ما في لفظ الذهول, أنه – حين يداهمني – يحتوي ذهني بين عضلاته.
حرب ضارية بين الأفكار المنطلقة في الفضاء, والمعادن الثمينة, التي لاتزال تحت أقدامنا في عمق الأرض.
محمد مستجاب