الرئيسية | فنون جميله | الظلم والظلام – للكاتب محمد مستجاب

الظلم والظلام – للكاتب محمد مستجاب

الظلم والظلام

ربما كان الظلام وراء قيام المدن والتجمعات السكانية المتداخلة المتلاصقة, حيث تخفت سطوة الظلام مع التلاحم الإنساني – لا تحاول أن تخرج بالتلاحم عن المعنى الذي أقصده – لكن الظلام الذي أدَّى بنا – خلال أحقاب الوجل أو الهدوء – إلى هذا الجوّ الخانق المضغوط بين جدران الأسمنت والمصيص ودوائر الكهرباء والصراخ – أي الضجيج بموسيقاه الصاخبة – هو ذاته الذي دفع الجميع – مع كل اختلاف النزعات والطوائف والعقائد – أن نتمنى ثم نسعى كي نمتلك كوخاً (شاليه في المصطلح المعاصر) أو بيتاً أو قصراً في منطقة بعيدة عن ضغوط المدن, حينئذ, وفي استرخاء هادئ رقيق, يتهادى الظلام في الذكريات والأبوّة والأمومة والطفولة وصبيانية الأمنيات, ويتألق النظر إلى النجوم بالشجن والانفراج نحو الآفاق الساحرة, إن أقسى ظلم حاق بنا هو وقوع حواسنا – العيون والآذان بالذات – خلف النوافذ التي تطل على حوائط وأسوار ومعاقل – أو معتقلات – الآخرين, والتي تشغي بظلام التحضّر المضيء في خلايا وثكنات الأمن والضرائب والمدارس والعشق الخاوي من الخيال, مع إضافة ضجيج الموتورات والباعة والشجار والمرح الفوضوي تحت ظلمات الإعلانات والشعارات والمستندات والسندات والخزائن والتعليمات والأغاني, ومراعاة أن تنام مبكراً وتستيقظ مبكرا, وأن تغسل يديك قبل الأكل وبعده, لتصبح ظليما – أعني ذكر النعام الذي يظل واقفاً وحيداً في سعادة بعيداً عن العالم.

وليس صعباً أن ندرك المعنى ذا الهم الثقيل الذي جعل المتنبي أو ابن الفارض أو امرأ القيس يسعون في ظلام الفلوات تخلّصاً أو تخففاً من ظلم وقع عليهم أو مأزق وقعوا فيه وسط أضواء حركة الناس – أعني الجماهير, وربما سوف يصبح الأمر أكثر إشراقاً حينما تتاح لك فرصة التسلل إلى الجبال – جبل الدرهيب في الجنوب الشرقي لمصر كمثال – لترى تلك الكوات المتناثرة التي يطل منها المنقطعون للعبادة تحت سطوة الإشعاع الروحي الذي يتماوج في الجوانح إلى الهواء الطلق حيث لا يصبح الظلام ظلاماً, أو ربما لأن (الظلم لا يمكنه أن يتسلق الجبال), ولم أكن أعرف ذلك في تلك الدهور التي قضيتها في لف ودوران طفولي داخل تضاريس حقول قريتنا, وبين الترع والمصارف والقنوات الملتوية, في الظلام بالذات, دون أن أدري أن ثمة ظلما قد حاق بي في بيتنا البسيط ذي الفراش البسيط والمأكل البسيط, إلا أن الأمر تطور بي – بالصدفة أولا ثم بالرغبة العارمة ثانياً – أن أقترب من الجماعات المتنقلة غير المستقرة في الصحراوات كالغجر والنَّوَر والحلب, ثم هناك في جنوب مصر جماعات البشارية ذات الاستقرار النسبي, بنفوسهم الهادئة الممعنة دائما في السماء ليلاً استرشاداً بنجوم الظلام, والممعنة في الهضاب والتلال والصحراوات نهارا استرشادا بتكويناتها, التي لها ظلامها الخاص,إلا أن الأمر يصبح أكثر إشباعاً للرغبة عندما شاءت الظروف أن أقترب من جماعات المساليب, أي هؤلاء الذين يهيمون أفراداً ثم يلتقون آخر غروب الشمس جماعات محدودة العدد, وتحس إنهم لا يطمئنون إليك أو إلى غيرك, ولا أعرف إن كانت ثمة دراسات أو بحوث قد شملت جماعات المساليب الرافضة دوماً التآلف مع الآخرين, مع قلة عددهم وشدة حاجتهم, في الوقت ذاته – مع إحساس عارم بأن ثمة مطاردة وراء تجوالهم – فإنهم لا يلعبون ولا يمرحون كما تفعل الجماعات الأخرى عندما يحل الظلام, والذي أثار انتباهي إلى ذلك أن جماعات – أقصد عصابات قطع الطرق المنتشرة في العالم كله بأشكال متعددة – فتحت لي باب إدراك المعنى الضاغط للظلام وما وراءه أو ما ينتج عنه من ظلم, إذ إني صادفت بعضا منهم في أحقاب تالية تحت غضون جبال أسيوط الشرسة عندما كنت في إجازة من عملي في مشروع السد العالي في الستينيات, وكانت قبضة نظام جمال عبدالناصر أيامها قد حدّت من جهنم الثأر في الصعيد ومحافظتي الشرقية والبحيرة, أي أن الثأر لم يكن – ولن يكون – مرتبطاً بالصعيد المصري وحده كما تميل الثقافة العصرية الهشّة إلى الوقوع في دائرته, ومع مرور الوقت – صحبني واحد تعرفت عليه في جلسة (مصطبية) عادية إلى عصابة قطع الطريق خلف جبال (دُرنكة), وبعد التآلف معهم – الذي استهلك بعض الوقت والابتسامات والإمعان الدائم في إدراك ما في صدري ضدهم – كما تعودوا, وبسبب عدم توقف تسللهم إلى المناطق الزراعية في الوادي الأخضر, بدأت الأفئدة تسترخي, والتواصل الإنساني يزيح الشك والارتياب جانبا, إلاّ أن المدهش بالفعل: أنهم – وكانوا ستة أفراد – يظلون في ضوء النهار يلعبون ويعبثون وينظفون السلاح في ظلال الصخور, لكنهم في الليل – ومع حلول الظلام يبدأون في تخطيط التآمر ضد الناس, تخطيط تلقائي مع تقليب الوسائل الأكثر سهولة في الوصول إلى النتائج الأوفر سلباً واقتطاعاً ولصوصية, مع أنهم طوال النهار – في ضوء الشمس, لا يتحدثون في ذلك, فكاد الظلام يعمم معناه المستقر في نفوس عامة البشر عن ارتباطه المباشر بالتآمر والشر دون اختراق العالم السماوي الرحب الذي يكمن وراء الشعر والرسم والقصة وأنواع عديدة من الإبداع الذي يتسلل بعيداً عن الضوء الكاسح, لينمو في الجوانح المضيئة بأنوار الظلام الجميل الذي يتألق فيه – وبه – خيال الفن الراقي المتواصل مع الحس الإنساني الدافئ.

وما أكاد – أيضا في أحقاب تالية – أقرأ تاريخ أو تفاصيل أو مذكرات الانقلابات العسكرية أو المداهمات التي تسعى للعدل – كما يعلنون دائما -وللحرية أيضا, حتى أقف طويلاً أمام التفكير التمهيدي لذلك, والذي يتم تحت همسات شعائر الظلم تحت أستار الظلام, مع أن ذات التفكير كان يمكن أن يتم في ضوء النهار, ولاسيما أنهم – في كل دول الانقلابات – يقيمون ويجتمعون في أماكن بعيدة منقطعة عن الارتياب أو الشك فيهم, لماذا في الظلام بالذات? دعك الآن من المساليب وجماعات قطع الطرق التي تقع في المأزق نفسه أيضا, وعليك أن تعرف أن الظلم يلد الظلام عند النفوس المظلمة, أما النفوس المضيئة فإنما هي تتألق وتتماوج عذوبة تحت إيقاع النجوم البعيدة ذات الشجن

كلمات لها معنى

كل التجارب أثبتت أنه من الممكن استئناس الحيوانات الضارية المفترسة كالأسد والنمر والفهد, مهما احتاج الأمر إلى صبر ودراية, لكن التجارب ذاتها فشلت في استئناس الكلاب الضالّة, والتي كانت مستأنسة أصلاً.
رواية: قررت أن أتخلص من زوجتي بأقل تكاليف, وأثناء إعداد المؤامرات التي أحقق بها هدفي, فوجئت بزوجتي تسعى للتخلص مني بأي ثمن, فقررت أن أنتقم منها, وأن أجعلها موعظة يعتبر بها الجميع: أن أتمسك بها, فإذ بي أفاجأ بحصولي على الجائزة الكبرى بصفتي نموذج الزوج الوفي المخلص.
وقعت خلال المليون عاماً الأولى من عمري في مأساة الفرق بين ما أريد وما أستطيع, وقد حققت كل آمالي بسبب وقوعي في كارثة الفرق بين ما أستطيع وما يريده الآخرون, دعك من المليون عام المقبلة.
محمد مستجاب