الصّحن – للكاتب محمد مستجاب


الصّحن
ظلت الإنذارات التربوية التي كانت أمي توجهها لي كي أصبح صبيا مهذبا تحمل الإيعاز لأبي حتى يصحنني, أي يطحنني طحناً, ومن كثرة هذه الإنذارات غير المؤثرة تحول استخدامها للصحن بما لا يتجاوز شكل صحن الطبيخ, فلم نكن نستخدم لصحن المأكولات لفظ الطبق الذي اشتهرت به المدن, إنما كان الطبق ـ في معجم القرى ـ يعني هذا التكوين الواسع المصنوع من خوص النخيل ويحمل في ساحته الخبز (البتاو والرغفان أي الأرغفة) في معظم الأحوال.

ومع أن الصحن يحتل موقعاً جيداً في صحن القاموس العربي, فإن النص الأدبي الخاص بنا لم يتحمل ـ ولم يتضمن ـ صحناً واحداً حتى الآن, ربما لأننا نشم في مكوناته رائحة العوز الشعبي المبكر, وقد طردته البيوت خلال تقلصها إلى شقق محدودة التكوين, كما أن القصور (والفيلات والشاليهات أيضا) لم يعد بها صحن البيت: هذه الساحة المركزية التي تطل عليها جميع مكونات الدار ولا يعيش فيها أو يرتادها سوى الأهل والأقارب, ويؤمها المصلون إن كانت في المسجد أي صحن المسجد.

وبين صحن الدار وصحن الطبيخ وقف القدح الكبير شامخاً على بوابة أشهر القصائد العربية القديمة ليعلن عمرو بن كلثوم التغلبي موقفه الأثير:

ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا

وذلك عندما أراد عمرو بن هند ملك الحيرة أن يجعل أم شاعرنا تخدم أمه, فأنف الشاعر وفتك بالملك وهرب, ويقال إنه وصل في عمره إلى مائة وخمسين عاما, وكانت قصيدته هذه تشع بالكبرياء والمفاخرة التي ظلت ترددها تغلب لتصبح ملحمتها الخاصة حتى استقرت ـ خلال كل القرون ـ في صحن دماغنا منذ دخولنا للمدارس المبكرة حتى الآن, إلا أن الأمور شابها ـ في الدماغ الثقافي العربي المعاصر ـ اضطراب وقلق: بعد أن تحول صحن الدماغ إلى مطحن تنهرس فيه أجزاء ودقائق من الثقافات الوافدة إلى ساحة العقل من أوربا وأمريكا ـ ثم أمريكا الجنوبية, وأصبحت المراجع الغالبة ـ في الإبداع ـ شديدة الانصياع إلى تأسيسها وتجذيرها تحت سطوة الغرب, إنها تجاوزت دوائر المعرفة الراقية إلى الامتثال والمثول للوجبات السريعة التي لا تحتاج إلى صحن ـ أو طبق ـ في أغلب الأحوال.

وفي مناطق من وادي دجلة والفرات ـ بين العراق وسوريا في الأغلب ـ يصنعون (الصحناة) المعدة من السمك الصغير (أو الكبير بعد تقطيعه أجزاء صغيرة) لتغمر بالماء والملح أياما حتى تتهرأ, بعدها تصفى وترفع ليتم حفظها في الصفائح أو البلاليص (جمع بلاص) لتصبح الصحناة بعد ذلك طعاما له مذاقه الخاص, ويقول ابن داود الأنطاكي في تذكرته الشهيرة إن الصحناة هي (الملوحة) المصرية, وأكلها (يجفف الرطوبات ويذهب البخر ونتن الإبط) وهي الأمراض المنتشرة الآن في شكل (الأوديما) والمسائل الأخرى التي تتهامس بها عن الآخرين ـ والآخريات أي الإناث بالذات, الزنجبيل يساعدالصحناة في أداء مهمتها بطريقة أسهل وأسرع, دون اهتمام بورودها في المعجم اللغوي صحناء وليست صحناة.

إلا أن أمر الصحن يتجاوز ساحات الديار وصحناة السمك وقدح عمرو بن كلثوم ليصبح الصحن هو الأرض الواسعة المنبسطة لا شجر فيها, ثم لا يلبث أن يتقلص ليصبح الصحن خاصا بالأذن ـ أي المنطقة التالية لفتحة الأذن وجمعها هنا: أصحان, أما الصحنان فهما الطاستان الصغيرتان اللتان تضرب إحداهما على الأخرى في أصابع الراقصات أو ضابطي إيقاع الموسيقى, ثم لا يلبث المشاكس الرفاس من الخيول أن يجتاز على لفظ الصَّحون ـ بفتح الصاد, فإن أردت أن تعود إلى المائدة ـ أو الطبلية ـ القديمة ذات المأكولات التي هجرناها فسوف تجد أن المِصْحنة هي القصعة, أي الإناء الواسع الذي يحمل العصيدة والفتة, حاول أن تستفيد من ذكريات الأواني التي حاصرتك أيام صبيانيتك أو أي مرحلة صبيانية مر بها أهلك.

وقد ورد في أخبار المواقع المهلكة ـ مثل مذبحة المماليك ـ أنها كانت مصحنة, أي أنها هرست عظام المماليك في شراسة دموية لتنسحق في إناء التاريخ.

وهي خاتمة غير مريحة كنا نتمنى أن نستعيد فيها بعض أبيات عمرو بن كلثوم ليظل صحن الموضوع يتألق بتكوينات غذائية ـ أو عقلية ـ تستبعد مثل هذه المصـاحن من ساحة الفؤاد.

محمد مستجاب