الرئيسية | فنون جميله | الصِّفْر …. والصفراوات – للكاتب محمد مستجاب

الصِّفْر …. والصفراوات – للكاتب محمد مستجاب

الصِّفْر …. والصفراوات

علينا أن نستأذن صَفَر – ثاني الشهور الهجرية بعد المحرم وقبل ربيع الأول – كي نخترق المجالات الصفراوية التي تثير الوجل – أحيانا – في الصحارى والعشب الجاف, ثم الجوع, والذي أودى بعدد من العشّاق, هؤلاء الذين هاموا غرامًا تحت سطوة قوس قزح عندما ينسلّ الأصفر في ألوانه بالغة الجمال, ولو أتيح للتاريخ أن يشرِّح جسد واحد منهم فور توقف أنفاسه, لكان التقرير الطبي يشير إلى ما حاق به نتيجة ضمور سائل الصفراء (الذي تفرزه الكبد ويختزن في كيس المرارة), بصفته عنصرًا أساسيًا في الهضم والصبر والقدرة على التحمّل: خلال أزمة الغرام بالذات, لكن الأصفر يتراجع أمام صفير الحَكَمْ إعلانًا عن انتهاء مباراة قد تكون نهايتها في مصلحة الفريق الذي نختصمه, ولو أنك تجاهلت صافرة هذا الحكم الكروي: لما استطعت أن تهرب من تأثير الصفير في جماهير مباريات حلقات المصارعة والملاكمة والمبارزة, عليك أن تخرج الآن من هذه المجالات التي تهيمن عليها متعة التعصّب الرياضي كي تواجه صافرات الإنذار حربًا, أو إسعافًا, أو حريقًا, أو إنهاء لممارسات مالية في بورصة الأوراق ذات التأثير في ثروتك, إن ساعة الصفر أكثر وقعًا – وتأثيرًا – في النفوس والتاريخ أيضا, مع أنها لا تنطلق دائمًا, إن مهمتها تبدأ دون أي صافرة, بصفتها مصطلحًا عسكريًا يحدد اللحظة الأولى للتحرّك أو الهجوم, ولا يستخدم هذا المصطلح في الانسحاب بالطبع, ثم لم تلبث ساعة الصفر هذه أن تسللت من فيالق الجيوش إلى مجالات الأعمال والمشروعات, بالإشارة أو الإيماءات أو النظر إلى أعلى, وأي مجموعة عمل تخضع لسطوة ساعة الصفر حتى لو كانت تقوم بتصوير الروايات أو المواقع, دعك من الإشارة الشريرة التي لابد من الانتباه إليها في تحرّكات العصابات الإجرامية المداهمة للمدن أو البنوك والمصارف التي تستخدم مصطلح ساعة الصفر أيضًا.

وإذا كان الصفير – بالفم استخدامًا لأصابع اليد – يصدر منّا نحن البشر احتجاجًا, أو من شدة الإعجاب (ولو كان مفتعلاً) أثناء سطوة الروح الجماهيرية في قاعات الأغاني أو الرقص أو الأداء المسرحي المثير للمتعة الشائعة الآن, فإن هذا النوع من الصفير يستخدم أيضًا لاستدعاء أو لتنبيه الطرف الآخر في مواعيد الغرام, أو الصداقة البريئة, تمامًا كما أن لغة الصفير معترف بها للتخاطب – أو التواصل – بين بعض ذوي الخبرة من البشر مع الحيوانات والطيور والحشرات: في الحقول والجبال والسيرك (موقع استعراض قدرة الإنسان للسيطرة على السباع والنمور – ولا أعرف إن كان مجمع اللغة العربية قد قام بصياغة لفظ عربي مقابل كلمة السيرك), وكذلك ما يقوم به الحواة للهيمنة على الثعابين والعقارب, حتى أن ما يصدره الحاوي من صفير يكون له جواب – بعد فترة شديدة الرهافة والحساسية – من الثعبان الكامن في شقوق جدران المنازل أو التلال أو الأنفاق, أو بين غصون الأشجار, فإذا ما خرج الصفير من دائرة الاستدعاء والتواصل, أي وضع فعله الأول مرفوع الصاد ومكسور الفاء: (صُفِر) فإنه يعني: جاع, وأصابه الصفار فهو مصفور: صفة لمن أصابه الجوع الشديد, فإذا فتحت الصاد, فإنه يدخل دائرة الخلو أو الخواء: صَفر البيت من المتاع والإناء من الشراب والقلب من الحنان والثدي من اللبن, وإن صفرت يدك من المال فسوف تصفر علاقاتك العصرية بالأصدقاء, والأخطر من كل أنواع الصفار السابق أن يصفر عقلك أو قلبك من الإيمان, حيث تجد ذاتك – حينذاك – خواء لا يمكن التعبير عنها إلاّ بصفار النبات ليصبح قابلاً أن يكون هشيمًا في أي لحظة, أو عندما تلجأ إلى أنواع من السوائل الصفراء بحثًا عن عالم وردي.. وهمي.. مريض.

ومع ذلك فإن (الأصفر) حينما يكون صفة مطلقة فإنها تعني المعدن الثمين: الذهب, فإذا أعدت الصياغة الأصفرية لتكون (بني الأصفر) فيصبح المقصود ما أطلقناه نحن العرب لقبًا للروم من سكان آسيا الصغرى والقسطنطينية وما إليها, إلاّ أن تثنية الأصفر إلى الأصفرين: تعني مباشرة الذهب والزعفران, الذهب أنت تعرفه, أما الزعفران فأنت تستخدم لفظه فقط, إنه النبات ذو الرائحة الطيبة من فصيلة السوسن, وربما يكون ذلك مناسبًا كي نوقف السعي وراء مادة (الصفر) حتى لا نقع فيما يعنيه حينما يصبح رصيدك المادي – أقصد المالي – في المصارف بالذات: صفرًا, مع أن الصفر يمكنه أن يخرجك من دائرة الإحراج إذا ما قفز من مؤخرة الرقم إلى مساحة في المقدمة ليزيد إحساسنا بالثراء والمتعة كلما تعددت وحداته, لنترك للصفر تأثيره المعروف في أرقام الهواتف ذات الاتصالات الدولية, بعيدًا عن صفار البيض ودود البطن ودرجة الصفر التي تبدأ منها أمور كثيرة في التجمد والتثلج والرسوب في اختبارات المدارس, والعلاقات الإنسانية أيضًا.

كلمات لها معنى

جبال الجليد تبهرني في اللوحات وشاشة التلفزيون وكتب الرحلات, أرجو أن تذهب إليها وحدك.
رأيتها, الأشلاء والأنقاض والحزن وحطام الأثاث, ظلت تحوم في رقة بالغة الشجن, فراشة بيضاء في دوائر طيرانها أثر لخطوط ناعمة, وساحرة.
السلام ليس مصطلحًا كلاميًا أو إشارة باليد ذات ابتسام على الشفتين, السلام – في الأصل – إحساس بالمشاعر في الوجدان.
الانعزال – أو العزلة – بعض الوقت وراء كل أنواع الإبداع والمخترعات والنظريات, الانعزال التام: كارثة أو مأساة, أيهما أكثر توضيحًا? لا أدري.
الجيوب التي تدخلها النقود تبدأ بوادر الثقوب والتمزق فيها قبل أي جيوب أخرى.
كلما أعدنا صياغة التاريخ, ظل التاريخ يمعن في جهودنا ومحاولاتنا بنوع من السخرية.
لماذا يهيمن الليل على كل الأغاني والقصائد دون إتاحة الفرصة للنهار?
محمد مستجاب