الرئيسية | فنون جميله | الشيطان – للكاتب محمد مستجاب

الشيطان – للكاتب محمد مستجاب

الشيطان

اللّهم احمني من نفسي – ومن النفوس الأخرى – خلال اختراق أحراش هذه السطور, ثم أثناء قراءتها أيضا, فأنا لا أقصد أن أكشف عمّا يدور في مجالات خطوط شيطان – هذا العصر القائم بالذات – وطاقات قدراتها الضاغطة الناعمة الشرسة الملتهبة الواضحة الغامضة, إنما أود أن أتراقص في الآفاق الواسعة حتي أرهق ثم ألوذ بالنوم: طيبًا هادئًا.. وبريئا, محاولاً ألاّ أتذكر أن شر البليّة ما يضحك, إنه نوع من السلوان الذي ألجأ إليه بين شر.. وآخر, أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وفي كل مرة أتثاءب حتى لا أمعن في أمور قد تقودني إلى دوائر الضيق والاختناق, فأظل مبتسمًا تلك الابتسامة التي نسعى إليها ونحن نتسلل هروبًا من الملل, أو الديون, أو ممارسة الوشاية والنميمة, أو الإمعان في عيون أنثى جميلة تظل ابتسامتها أكثر رقة.. وخطرًا, حتى أن ذكاءنا العصري يظل يفتح كل خطوط دوائر التواصل المحتملة, دون الانتباه الكافي كي ننجو من تلك اللحظات الواخزة – بالغة المتعة – والتي بسببها نزل جدنا العظيم – آدم – مع قرينته جدتنا الجميلة حواء – من الجنة, فظل إبليس الغاوي المشكك, المثير للارتياب, والذي ينفث في دفء الرغبة: عدم الاطمئنان, يهوّم في صدري وجمجمتي, وكلما واجهته في ذكاء عنيف أبى واستكبر, ويظل يضحك مثيرًا تلك الأمنيات الشرسة الملتهبة المقلقة, فيلفحني لهيب يحرك الحكايات والأقاصيص والمعارك والمواعظ, ليكتشف شهريار أن القصاص من زوجاته الخائنات مع عبيده يلزمه بأن يتزوج ظهيرة كل يوم عروسًا جميلة, ينهي حياتها.. مساء كل يوم أيضًا, وينام قرير العينين تحت سطوة متعة الانتقام, ثم تأتي شهرزاد, تلك الروائية الأديبة المبدعة الحكّاءة الهادئة, لتظل – في ابتسامة الأنثى التي نسعى إليها جميعًا – تحكي له تلك الحكايات والأقاصيص والمغامرات والمسلسلات ذات الحلقات الليلية المتوالية, حتى يدرك شهرزاد الصباح فتتوقف عن الكلام المباح, حيث يكون شهريار قد وصل إلى مرحلة التثاؤب تمهيدًا للدخول في عالم النوم ذي الأحلام الممتعة, وبعد أن تمسح شهرزاد على وجهه في حنان يتدفق بالموسيقى الهادئة العذبة, تتركه نائمًا, وتتوقف الحكايات كلها عند هذه اللحظات الإنسانية الفنيّة الدافئة, ونظل نحن – القراء أو المشاهدين أو المستمعين- في كل العصور ننتظر استكمال الحكاية في الليلة التالية, ويكون الشيطان قد استغرق في النوم أيضا, دون أن يدرك شهريار, أو شهرزاد, أو الشيطان, ما يجول في خاطر واحد مثلي, أكثر شيطانية من كل أنواع الشياطين, حين يكون الجواب الخاص بهذا القرار الموسيقي سؤالا لم يسأله أحد سواي: أين كانت تذهب شهرزاد بعد أن يستغرق شهريار في النوم, رجاء عدم الإجابة..!!

ولذا, فإن الشيطان استطاع بأنواع من الحيل والمناورات والأساليب الرقيقة الحالمة أن يتسلل أو يداهم أو يصادق الآمال والأمنيات الخاصة بي أو بكم, حيث تنجح عائلتي المتعددة الأفراد والبيوت في إخراج البنات من حقوق الميراث الشرعي بمنحهن مبالغ مالية هزيلة مقابل تنازلهم عن استحقاقاتهم – حتى لا يدخلوا في دوائر إرهاق المطالبة, في الوقت الذي يقوم فيه أينشتين – ذلك الرياضي العتيد – بالكشف عن الطاقة التي تنتج عن الكتلة المضروبة في مربع سرعة الضوء ليهتز أهلي – أقصد العالم الإنساني كله – أمام مشهد تدمير هيروشيما ونجازاكي, ويظل تاجر البندقية الشكسبيري – شيلوك – بسطوته الشريرة متراقصًا هامسًا بمعاهدته الشاعرية التي استولى بها على كل أجزاء روح بطل المسرحية, والواردة من تراث مسرحي وأدبي في العالم كله, قام فيها الشيطان بأداء أدوار أغرقتنا بالمتعة: قائد جيش من الأبالسة, أو وحش قبيح جدًا, أو مهذب هامس يبث الفتنة والفوضى, نشاطه – بالدرجة الأولى نحن البشر – الذين نساعده حتى نواجه كوارث النهايات, وسلاحه الإغراء بالثراء وتحقيق رغبات الجسد والنفس, يتقافز في كل الجماعات البشرية لينتجوا الشوك والشر والغرور – في كتاب (الجحيم) من الكوميديا الإلهية لدانتي, وفي الساحر العجيب للإسباني القديم ديلا باركا, وفي الفردوس المفقود لجون ميلتون, وأحيانا يتخلى الشيطان – بعض الوقت – عن شراسته فيظل يبكي آلامه في الدكتور فاوست, ليتعدد بعد ذلك داخل إمكاناته وقدراته الشريرة, لنراه في مشاهد رقيقة تؤدي إلى جهنم في الأدوار التي قام بها ممثلون عرب مشاهير: فريد شوقي ومحمود المليجي ونجمة إبراهيم, مع توزيع بعض أدوار الشر الهزيل – أو الخفيف – على مسرح يوسف وهبي أو مسرحيات نعمان عاشور وسعد الدين وهبة, ليتناثر الشر في الأداء الفني الحالي إلى نوع من المكر الذي لا يثير الانتباه إلى الشيطان الكامن وراءه, مما أدى بالشيطان إلى أن يسعى – لاستهلاك قدراته الشريرة – في اختراق جوانح أصحاب القدرات القيادية الاحتفالية ليقوموا باختراق البلاد الصديقة المجاورة, دعك الآن من النموذج المروع, والذي أدى بنا – في السنوات المتوالية الأخيرة – إلى أن نفزع من النوم, ومن اليقظة, ومن الصداقة, حتى أن الشيطان العصري أجهد إجهادًا أدى به إلى أن يبحث عن مكان آخر ليستريح فيه, لاحظ أني كلما مررت بجوار مصرف – بنك – أو فتحت صفحة حوادث جريدة, أو استمعت إلى أغنية ذات موسيقى صارخة, أبدأ أنا الآخر – كالشيطان المشار إليه – أسعى بحثًا عن مكان بعيد, في تلك الآفاق الممتدة الخاوية, كي أضع ذراعي تحت رأسي.. لأرتاح.. وأريح أيضًا.

كلمات لها معنى

أود – مخلصًا – أن أمنح جائزة نوبل في الطب النفسي المعاصر لهذا الذي ابتكر الكلمات المتقاطعة التي تفشت في الصحافة الآن.
– أخطر ما يمكن أن يواجهك: أن تسلك طريقًا يؤدي بك إلى الحقيقة, فتعتورك – أو تعترض طريقك حقائق عديدة أخرى.. وتظل في الطريق.. تسلك فقط.

– الخرائط الجغرافية تظهر على شاشة التلفزيون في حالات الحروب والوقائع الدموية.. والنشرة الجوية فقط.

– لاتزال الألوان المتعددة للزهور تأخذ بريقها ونصاعتها وتشع بجمالها حينما تكون في موقعها الأصلي ذي الأوراق الخضراء.. بمجرد اقتطافها تفقد كل هذه العناصر, لكننا لا نريد أن نعلن ذلك.

محمد مستجاب