الرئيسية | فنون جميله | الشرط – للكاتب محمد مستجاب

الشرط – للكاتب محمد مستجاب

الشرط

حاولت مرارًا – مبتسمًا في سعادة راقية – أن أخفف من هذا التشابك في مقص أصابع الوزراء بين الشريط – إيذانًا ببداية افتتاح المشروعات – والشرطة تنبيهًا ألا تتحرك إلاّ في الحدود المسموح لك بها في الاحتفال, محاولاً أن أستبعد الشريط من شرائط تضميد الجروح المبكرة, الناجمة عن اللّهو الصبياني بين تضاريس مسقط رأسي, حتى أنني – ذات مرة – اصطدمت دماغي في كبوة مؤلمة على شريط قضبان السكة الحديدية متعرضًا لمداهمة القطارات, ولقد ظللت – ربما بسبب أي من ذلك – لا أستطيع أن أرفع عيني عن التشريط المؤثر في أصداغ حواة استخراج الثعابين, والهيمنة على العقارب ونساء الغَجَر والنَّور, ليترك تلك الندوب – أو الندبات – التي تشير إليك أن تفهم نوعية هؤلاء العابرين قبل انتشار بيانات البطاقات الشخصية في هذا العصر.

وأخطر أنواع الشروط ما يعرفه الرحّالة والمتجوّلون وعشّاق السفر: إنك تدخل أي مكان بشروط المكان, سواء الشروط المعروفة في المساجد والأماكن الدينية, أو في دور الأوبرا والفنون, أو حتى قاعات عزف الموسيقى, أو بعض أماكن المتعة الراقية في احتفاليات دبلوماسية – مثلاً – بالامتناع عن التدخين أو عدم ارتفاع الصوت مع مراعاة ارتداء الملابس المناسبة, والسلوك المناسب أيضًا, أي السلوك الرصين الهادئ, والرقيق أيضًا.

ومن المقلق لك – ويسبب لأعصابك توترًا يحيل وقتك لعذاب مرهق, أن تتجاوز – أو تخترق – أو تتلاعب لفًا ودورانًا حول هذه الشروط, حيث تستخدم قدرات منصبك أو موقعك أو قدرتك الفائقة في الخروج إلى ما لا يتناسب مع المكان. ولعل أول مرة واجهت فيها ذلك كانت في قطار الصعيد أثناء عملي في مشروع السد العالي بأسوان, عدم التدخين, بعدها تعوّدت أن أتشمّم – أو أتنسّم – ما لا يعلن – أو يعلن – من تلك الشروط, وبسبب ما يعلن وما لا يعلن من مثل هذه الضوابط: تمتلئ قاعات المحاكم في قضايا المسافة بينهما, مع أن الشرط نور في الموروث الإنساني للسلوك, إلا أن مثل هذه الأمور المدوّنة في العقود وإيصالات الأمانة تخضع – في كثير من الأحيان – للتغيرات النفسية والاجتماعية لطرف من الأطراف, ويداهم بنودها تفسير أو تأويل قد يجد صدى مؤثرًا في النتائج, ولقد تمنيت أن أوفق وأنجح في تطويع شروط حياتي الواقعة دائمًا في المسافة المروّعة بين ما أريد وما أستطيع, وأنت كذلك يا صديقي, حيث نعاني دائمًا مما يقال في اللّغة – أي لغة…والعربية بالذات – أشرط نفسه لكذا: أعدها وطوّعها وهيأها لهذه التبعات – المؤقتة أو الدائمة, ولذا فإن اللغات كلها – أيضا – تمتلئ بأدوات الشرط: تلك الألفاظ التي تستعمل لترتيب اللغة لتصل إلى الأسلوب المنضبط المؤثر (مثل: إنْ – بتسكين النون – ومَنْ ومهما وإذا ولو…), وحتى في حالات التمنِّي والسعي لتحقيق الآمال – ومعظمها غير معلن – فإن الشروط تبرز دون أدوات وألفاظ الشرط, ليت ولعلّ وأرجو وآهِ: آهٍ يا قلب عليك أن تخفف الشجن حين تلقاها حتى لا تندفع إلى سلوك غير مريح معها.

وأخطر ما أنجب الشرط هو الشرائط, شرائط فتيلة السراج, والمصباح الذي ضاغطته كهرباء أضواء العصر الحديث حتى كاد يدخل مجال الاندثار, وشرائط تسجيلات أجهزة الإرسال في الصوت ثم الصوت والصورة, ليس الإرسال فقط, بل وأجهزة المراقبة والتجسس وجمع الأدلة ضد الآخرين, إدانة أو كشفا للأسرار, أو الابتزاز أو حتى في مجال المتعة التي انتشرت في العصر القائم, حينما أمتلك ما يسعدني من شرائط تخص حياتك وسلوكك, دون أن يكون لي هدف آخر سوى متعتي الشخصية العصرية البائسة.

إلاّ أن صياغة أي شرط قد تتحول إلى مشرط بالغ القدرة على الاختراق, ليصبح المبضع الذي يستخدمه – بالعقل – ذوو القدرات التحليلية في العلوم والفلسفة والاقتصاد, لكن أرقى اختراق لهذا المشرط – المبضع – يظل في أيدي الأطباء ليصلوا إلى مكامن الداء ومنابع الأذى في الجسد الإنساني سعيًا لتحديد عناصر ووسائل العلاج, وهو ما استفادت به أجساد أخرى في الحيوانات والطيور والزواحف, ما نعرفه وما قد يظل بعيدًا عن عيون ومدارك أمثالنا غير المتخصصين, حتى أن معظم الحقائق الثابتة الآن في كتب الطب والعلاج تخضع للحركة الأولى لهذا المشرط, والذي بدأنا حياتنا به خلال التجربة الإنسانية المبكرة: الختان – أو الطهارة في المصطلح العامي المنتشر في أقطارنا – دون أن ننسى حين نفتح الراء بلا تسكين ليصبح الشرْط: شَرَطًا, يصبح المعنى بالغ الرقة: إنه العلامة, ومنها جاء الشرطان: نجمان يقال لهما قرنا الحمل يظهران أول الربيع, إشعاعهما البعيد بالغ الرقة بعد منتصف الليل, لكنهما – مثل الأمور الجميلة – والمريحة – لا يستمران في مجال رؤيتنا كثيرًا, مثل كل الآمال والأمنيات التي تشع داخلنا – أو أمامنا – بعض الوقت, ثم تخبو أو تغرب, لكي نقع من جديد في شروط الحياة ونتائجها, نتحملها شريطة أن نكون ذوي مبادئ رقيقة وراقية, تبعدنا عن الشريط, أقصد الحبل المفتول حولنا, والذي تستعمله الشرطة المحلية, أو الإنتربول: الشرطة الدولية, أو الأخطر من كل أنواع الشرطة ذات السطوة المبتسمة: الزوجات, أمهات عيالنا وجدات أحفادنا.

كلمات لها معنى

كل أنواع السيول تترك في نفسك أثرًا مؤثرًا: أمطارًا كانت أو مياه أنهار أو تنفيث بواطن آبار, الأكثر تأثيرًا, بعض نقاط الدم الأحمر في وجه أنثى.
الأطلال تمر علينا في رومانسية رقيقة خلال القصائد والأغاني, جرِّب مرة أن تشهد أطلال فترة صبيانية من حياتك حينما – دون قصيدة أو أغنية – تقف كابية وحيدة مهجورة تشي بقصة حبك الأولى, قصيدة ضاغطة دون التعبير عنها لغة باللسان.
قد يكون ممتعًا أن أهرب من سداد مبالغ قليلة مديون بها, لكن الأخطر أنني – الهارب من السداد – أفاجأ بنفسي أدفع أضعافها حين أزور – دون تمهيد – صديقًا قديمًا في منطقة بعيدة, أحس أنه محتاج, ويرفض هو الاعتراف بما أفكر فيه, دعك من أنه يأخذ المبالغ, إرضاء لي فقط, ومبتسمًا أيضًا.
تعطلت سيارة الركاب الضخمة على شاطئ البحر الأحمر قبل الوصول إلى مدينة الغردقة بساعات, الشمس تغرب, وآفاق المياه الهامسة جذبتني كي أجلس على صخرة, هيام مفتقد في المدينة, أصلحوا السيارة بعد ساعة, وعانيت كثيرًا حتى أستجيب لصراخ السائق تنبيهًا لمواصلة السفر, نظر لي السائق في غضب مختنق, رافضًا إدراك ما أنا فيه.
محمد مستجاب