الدّق .. الدقيق – للكاتب محمد مستجاب


الدّق .. الدقيق
أثناء تجوالي بين كثبان الثقافة والكتب والأعراف والتقاليد, مع قليل من الاسترخاء تحت ظلال أجمات المعاني: كادت النيران تدق, والجملة ـ هنا ـ مكتومة ـ تحت سطوة هذا الدق الذي يميل العامة إلى التعامل به, متجاوزين بذلك المعنى المعهود في دق الطبول والدفوف وأجراس المعابد والإنذارات ـ في عصور ما قبل الرادار ـ حتى ينتهي الأمر إلى دق الوشم في معاصم الأيدي وذقون العذارى ـ وخدودهن أيضا, لكن الذكور استخدموا فن دق الوشم ليصبح معبراً عن انتماءاتهم وقدراتهم الخاصة والتي جعلت كثيرا من الأسود والنمور تمرح فوق الأذرع والصدور وبعض الخطوط في المناطق المرتفعة من الجبهة: أسفل منابت شعر الفودين مباشرة, لكنك ـ إن استخدمت اسم المرة من الدقة: دقة ـ فسوف يسعدك أن تتذكر أيام كفاحك عندما كُنا نتحايل على تنوع الغذاء الفقير بالدُّقة ـ رجاء ضم الدال, والبعض يفتحها ـ وهي الخليط المعروف الممزوج بالخل والفلفل والشطة والنعناع الذي يثير الرغبة في الالتهام ولأنك ـ عزيزي القاريء ـ من دقتنا, فإنني أعني أنك من نوعنا أو من أترابنا أو من نفس الفرقة البشرية التي تدرك المقصود بهذا التعبير, ومع ذلك فإن المجيد في صناعته يطلق عليه: الدِّقي ـ بكسر الدال, ثم لم يلبث النجارون أن استحوذوا على هذه الصفة فأصبحت علما عليهم, بل على نوع خاص من النجارين الذين يجيدون صناعة الصنف الراقي من الأثاث والتحف والمشغولات التي من بينها (الأرابيسك) الشهير, وهو ما لا يخضع له نجارو السواقي والأبواب والطبالي والموائد العادية, ولعل حي (الدقي) الشهير في الجيزة بمصر يحمل اسما لواحد من هؤلاء النجارين ذوي المهارة, حتى ولو كان (الدقي) قد اشتهر بضم الدال ليفصل الحي عن صاحبه.

فإذا ما خضع الدَّق ولتكرار المقاطع (مثل جر ـ وجرجر), لتنشأ (الدقدقة) فإنها تعني الذكاء الفطري والقدرة الفائقة للشخص (المدقدق) في مواجهة الأمور الصعبة, ويطلقون عليه (دقدق), كان ذلك منتشرا في الأفلام المصرية التي تتعامل مع البيئات الشعبية, ولايزال البعض النادر من ذوي القدرات يحظى بلقب المدقدق, مع أن المتخصص في مراجعة الحسابات, أي الذي يرقى عن المحاسب العادي يطلق عليه ـ في بعض البلاد العربية ـ المدقق, وهذه الصفة غير معروفة في مصر وإن كانت حيثيات كثير من الأحكام القضائية تميل نحو استخدام صفة (المدقق) لمن يتولى التحقيق بدقة وذكاء في الأمور القانونية الغامضة, وبالتالي يصبح الإنعام والإمعان في البحث والتمحيص يعنيان هذه الدقة ولو كانت في النظر المتأني للعيون الجميلة بالذات, حتى لو كان ذلك خلال دقيقة أو دقيقتين بصفتهما الصفة الملازمة للوقت العصري الرقيق قبل أن تتجمع ستون دقيقة منها لتصبح ساعة كاملة, أما الدقاقون فهم جماعة تخصصت في بواكير العصر الحديث في دق سنابل القمح وكيزان الذرة, وأحيانا دق الغلال ذاتها ـ ومنها جاءت زقاق المدق لكاتبنا نجيب محفوظ.

ومن الغريب أن الدقيق صفة مطلقة لطحين الحبوب, ويحظى باحترام يصل إلى التقديس المعروف يقسم عليه البعض إثباتا لصدقهم أو لبراءتهم, لكن المعجم لا يلبث أن يجعل الدقيق صفة للرجل قليل الخير, أو الأمر التافه (المعجم يستخدم لفظ الحقير), أو الغامض, وهي معاني مهجورة لا تميل إلى التوسع فيها, إذ كثيرا ما نتشاءم إذا ما دخل ضيف علينا فتساقط الدقيق من الجوال أو الوعاء, كما لا نميل ـ بالمرة ـ أن نرى قطة أو كلبا يحتك بأجولة الدقيق, وربما رش أو نثر الدقيق فجراً في طريق الأعداء كان أمراً يفوق رش الملح رغبة في الانتقام الشرير, وقد كنا نتفاءل ـ أيام الصبيانية ـ حينما نجد فراشة (أبو دقيق) ذات الأجنحة البيضاء تحوم حولنا ناشرة إحساسا طيبا بالأمنيات العذبة ـ المعلنة أو السرية..!!

أما الدق ـ بمعنى استخدام القوة ليس في الطبول فقط ـ بل وفي العقاب أو الفعل الجسيم, فإن الأمور سوف تصل بنا إلى دق العنق, بدلاً من أن نحاول أن نتذكر شاعرنا القديم ـ ابن دقيق العيد ـ الذي فشلت في العثور على أي ذكر له بين آكام دوائر المعرفة أو الموسوعات التي بين يدي, والتي لا تميل إلى التدقيق في كثير من الأحيان.

محمد مستجاب