الخـل – للكاتب محمد مستجاب


الخـل
وفاء.. وحزن تاريخي

تذرعت بالخلال الحميدة خلال محاولتي اختراق أحراش التفكير في (الخل) متفاديا كل أنواع الاضطراب أو الاختلال، وذات مرة زرت أختي ـ في قريتي ـ كي أشاركها فرحتها الغامرة لبنائها منزلاً جديداً يماثل القلاع الشامخة، وقد وصلت سعادتنا إلى ذروتها خلال تحلقنا حول طبلية ترزح تحت ثقل الجدي المشوي، ومن دون أن أقصد ـ أي مع حُسن النوايا ـ طلبت قليلا من الخل ليريق طعمه ـ ورائحته أيضا ـ على شرائح الخيار والبصل والطماطم: من باب فتح الشهية، إلا أن أختي ـ رعاها الله ـ أمعنت في وجهي، كان واضحاً أنها لا تميل إلى استخدام عناصر معينة تذكرها بعصور الجفاف ـ أو الكفاف ـ القديم، فاضطررت ـ حينذاك ـ إلى إلقاء كلمة مؤادها أن الخل هو الخل الوفي الدائم على كل أنواع الموائد والطبالي (جمع طبلية) في مختلف الأمم والعهود والقوميات والشرائح الاجتماعية، وحول جبل (الدرهيب) ـ في الجنوب الشرقي للصحراء المصرية قريبا من شواطئ البحر الأحمر المتعرجة ـ لاحظت أن أفراداً عديدين من قبائل العبابدة والبشارية يحتفظون بزجاجات صغيرة مملوءة بالخل المركز، كما أن الذين يختلون بأنفسهم ـ في وحدة العبادة الصامتة التي يميل إليها العديد من الصوفيين في أعالي الجبال، أو كهان الأديرة المنقطعة بين الآفاق الرملية الممتدة: لا يخلو زادهم البسيط من قوارير الخل، وعندما أصيبت ساق بطل رواية هيمنجواي ـ ثلوج كليمنجارو ـ بالغرغرينا ليصبح معزولاً عاجزاً في خيمته: كانت رفيقته الجميلة تحاول إثارة اشتهائه للحياة بقطرات من النبيذ والخل، وكلاهما ـ النبيذ والخل ـ من مصدر واحد.

وكل بيوت العالم لا تخلو من الخل حتى هؤلاء الذين يذكرهم ظهوره بين المأكولات ـ الحديثة ـ بما لا يحبون أن يتذكروا من ماضيهم، أو حاضرهم.

فإذا ما ابتعدنا عن حامض الخل فسوف يكون مريحاً ـ أو مؤلماً ـ أن نتذكر الخل الوفي ـ بعد كسر الخاء ـ بصفته الصديق الأمين النقي، والنادر أيضا، والذي أصبح ثالث المستحيلات الشهيرة بعد الغول والعنقاء، وهو ما أنتج إحساساً دقيقاً ـ وساخناً ـ بالمعنى الراقي عندما يكون في الفؤاد موقع للخليل الإنساني، والذي كثيرا ما يتسلل ـ هذا الخليل الإنساني ـ إلى أنواع من الحيوانات التي ترقى الرفقة معها حتى نجد أنفسنا مضطرين إلى المقارنة الآسفة بينها وبين صحبة البشر.

إلا أن مدينة الخليل ـ (أثناء محاولتي اليائسة ـ أن نلتقط أنفاس الراحة بعيدا عن آلام الأخبار الوافدة من فلسطين الآن) ـ تحوم في جمجمة العالم لتذكرنا بأنها حملت اسمها التاريخي من احتوائها على قبور سيدنا إبراهيم الخليل ـ أبي الأنبياء ـ وزوجته سارة وبعض أبنائه، وكان اسمها القديم (حبرون) وتقع جنوب بيت المقدس، فهل يمكن لنا أن نهرب بعيداً حتى أدعوكم ـ من باب السلوان ـ إلى مائدة أم الخلول: هذا الحيوان البحري ذي الصدفة الذي يملح ويؤكل، لتنطلق الأقاويل عن قدرته الفائقة في إثارة كوامن النفس، وإن كانت ـ هذه القدرة ـ أقل بعض الشيء من الاستاكوزا، ونحن أبناء الريف نضطرب إزاء الجندوفلي والجنبري وأم الخلول، ونادرا ما ننجح في استطعامها، حيث لا تجد لها في نفوسنا الموقع المناسب خلال موروثاتنا الزراعية والصحراوية والنهرية التي تتوقف عند مخللات البصل والجزر والأسماك الصغيرة، لاحظ أن الخلال هنا تختلف عن الخلال التي تعني الرّطب ـ أي البلح الناضج لدرجة الليونة المعروفة لنا جميعا، كما أن الخلال تعني بقية الطعام بين الأسنان، وبالتالي فإن هذا الموضوع سوف يعود للاختلال كما يختل العصير فيصبح خلاًّ، أو الاختلال الذي يجعلنا نهتز فنفقد التوازن، أقصد الاختلال الشخصي دون التاريخي يا خليلي.

محمد مستجاب