الرئيسية | فنون جميله | الحلبة والحليب – للكاتب محمد مستجاب

الحلبة والحليب – للكاتب محمد مستجاب

الحلبة والحليب…

خلال حالات الشغب – أو التمرّد – الطفولية: كانت أمي – وأمك أيضًا – تقوم بتهديدي بأن تسقيني الحلبة إن لم أمتثل لأوامرها, وقضيت دهورًا حتى اتضح لي أن هذه الصياغة المريرة بالعقاب تنسحب في جميع أركان حياتنا المتناثرة: المدارس الابتدائية المبكرة تمهيدًا لمراحل مدرسية أخرى غير مبكرة, فترات الرياضة الصباحية, مناطق أو أقسام الشرطة والأوراق الرسمية, أثناء جني القطن أو جمع كيزان الذرة علنًا وسرًا, التسلل إلى دار السينما حتى لا يعرف أهلنا – في تلك الأيام – أننا نحب الملاهي, وأحيانًا كانت كلمة الحنظل تحل في صيغة التهديد مكان الحلبة, هذا النبات – الحلبة أقصد الذي تتطلب الدراية به بعض النضج كي تفرق بينه وبين نبات البرسيم, فهما متشابهان تمامًا, وإن كانت أوراق الحلبة الخضراء الغضّة تسري فيها خطوط ناعمة لا يسهل إدراكها, كما أن صفرة تحيق بأزهارها بالغة الرقة, تمهيدًا للنضج إنتاجا لبذور الحلبة المرة الشهيرة, والتي يعترف بها مختلف الأطباء والمعالجين والدجالين والمهيمنين على شئون بيوتنا: علاجًا لأنواع عدة من الأمراض. ويذكر داود الأنطاكي في (تذكرة أولي الألباب), مجموعة من تلك الأمراض تحتاج إلى كل التخصصات الطبية (تحلل سائر الأورام, ومتى طبخت بالتمر والتين والزبيب ومزج ماؤها بالعسل, أذهبت أوجاع الصدر المزمنة والقروح والسعال والربو وضيق التنفس, كما تحلل – أي تخفف – المغص) و(الجلوس في ماء الحلبة بعد نقعها يسهّل الولادة للحوامل), ومع زبيب الجبل تمنع تولد حشرات الجسد (ولا أحب أن أسجلها هنا). كما أن الحلبة إذا نُقعت في ماء الورد عالجت الدموع والحمرة وبقايا رمد العين, مع أهمية دقيق الحلبة الذي يصلح الكلى وينشط الكبد, وعشرات الأمراض المختلفة الأخرى في الفم والبلعوم والشرايين والأهداب والآذان والعنق والرُكب (جمع ركبة), وأعضاء عدة ليس من السهل الوقوع في مأزق الكتابة عنها, حيث لابد لنا من الخروج من الحلبة المريرة المعالجة والمنتشرة مشروبًا ذا طعم جميل يميل إلى المرارة في البيوت والمقاهي والنوادي في بلادنا – إلى الحليب الذي تحس بنوع من المتعة المبكرة عندما تنطق لفظه, فالحليب لبن مبكر سلس في فترات طفولتنا عندما ينساب من ثدي الأمومة الدافئ في أفواهنا – قبل أن تلتاث هذه الأفواه بالقهوة والشاي والكركديه والشعارات والاحتجاج والشد على النواجذ غضبًا, وقد يعني الحليب البراءة والتي يمكن لك أن تحس بها – دون لف أو دوران أو مداهنة عصرية – إذا ما زرت منطقة حلايب وشلاتين في جنوب الشرق المصري قريبًا من الحدود السودانية, وقد يكون ذلك اللفظ البريء مصدرًا وراء مدينة حلب السورية المعروفة شمال غرب الشام, وكانت لها شهرة قديمة في الألف الثانية قبل الميلاد, حيث ازدهرت باعتبارها واقعة على طريق القوافل الرئيسي المتجه نحو أرض الرافدين – العراق الآن, وكانت مركزًا لمملكة الحثيين, ثم دخلت مجال بداية الازدهار العربي خلال القرن السابع الميلادي, وظلت حلب عنصرًا أساسيًا في ظروف الاستعمار الأجنبي للمنطقة العربية, السلاجقة والأتراك والصليبيين والمغول والعثمانيين. وقد اشتهرت مدينة حلب بإنتاج الحرير والمنسوجات القطنية والصوفية, والاتجار بالجلود والفاكهة, وأطلق عليها العرب لقب (الشهباء) لسموّها وعلوّ صيتها وشهرتها, والتي وصلت إلى أوجها بفضل أحد أبنائها – الذي ولد ونشأ فيها – ثم اكتمل نموّه ووعيه بالأزهر الشريف في القاهرة, ليكون البطل سليمان الحلبي الذي قام بقتل الجنرال كليبر قائد الحملة الفرنسية على مصر فور عودة قائدها الأصلي نابليون إلى فرنسا, وعوقب هذا البطل العربي الحلبي – فور محاكمته عسكريا – بالإعدام صلبًا على الخازوق بعد إحراق يده اليمنى, ليلقى بجسده بعد ذلك ليكون طعمة للعقبان والغربان, ومازال خنجر سليمان الحلبي الذي طعن به القائد الفرنسي محفوظًا في مدينة كركاسون بفرنسا.

ثم يدخل الحلب معنى آخر حين يقال: حلب الدهر أشطره, أي جرب أموره المختلفة خيرها وشرها, فهو حالب, وهي حالبة, وأعتقد أن ذلك يعني أنه – وأنها – تحت هذه الصفة الحالبة, أصبحا صاحبي خبرة, فإذا قيل (احلبوا معهم) أي كونوا أنصارًا لهم, وبالتالي فإن حالبت أحدًا فإنك تباريه – أو تناصره وتعاونه, فإن تحلب المائع – أي فاقد الصلابة – فإنه يصبح سائلاً, ولذا فإن العرق إن تحلّب فإنه يسيل على الجلد أو البشرة الإنسانية, فإذا ما تحلب الفم يكون الروال مقصودًا, لكن العين إن تحلّبت فإن الدموع تبدأ بالتعبير عن الحزن والشجن, مع أن العيون قد تتحلّب – دموعًا – وابتهاجًا أيضًا.

وقد حاولت تفادي الاستحلاب بصفته مصدرًا مقلقًا يتجاوز ما قد يأمر به الأطباء من استحلاب بعض الأقراص العلاجية لالتهاب الزور أو الحنجرة, أو ضيق التنفس, لكن الذي استشرى في مختلف المجتمعات هو استحلاب مواد مخدرة معينة مثل المورفين والأفيون, وبالتالي فإن استحلاب الذكريات – هروبًا من هذه التعاسة المريرة – أفضل حينما أجد نفسي على شاطئ نهر النيل, فتقوم الذاكرة باستحلاب قدرتها لتشع في الوجدان شجنًا يتسلل من حياتي المبكرة وسط الحقول وعلى شواطئ الترع, فأزداد اختناقًا – تحت سطوة هذا الاستحلاب – من جو المدينة الضاجّة الصاخبة ولو اكتسبت الهدوء.

كلمات لها معنى

لم أفطن لذلك – بالرغم من ذكائي, الحق يتكون عندنا من حرفين الحاء والقاف, وهذان الحرفان بالذات لا يمكن نطقهما في اللغات الأوربية والأمريكية.
كل الحيوانات المرنة النشطة الجميلة: لا تنطح ولا تعض وتمعن في الأفق كثيرًا: الغزلان والظباء والشياه (دون الخراف) والأرانب وكل الأمهات حينما يصبحن جدّات.
الأبواب التي تصدر أصواتًا مقلقة عند فتحها, تعبّر عما يجيش بصدرك إزاء عائلتك, أو ما يجيش بصدر عائلتك ضدك.
الفرق بين الليل الطويل والقصير: الهم والغم والقلق, عناصر تعويق حركة الزمن فيهما.
محمد مستجاب