الرئيسية | فنون جميله | الحاسوب … والمؤامرة – للكاتب محمد مستجاب

الحاسوب … والمؤامرة – للكاتب محمد مستجاب

الحاسوب … والمؤامرة

ما كان لي أن أقترب من هذه المنطقة المرعبة لولا بعض الوساوس التي انتابتني إزاء المؤامرة الكبرى التي ينسجها الأصدقاء ضدّي، بداية الأمر: أشار أحدهم أن أستعين بالكمبيوتر أو الحاسب الآلي أو الحاسوب للحصول على أي معلومات أحتاج إليها، وهي مسألة تضعني في موقع عصري يناسب تطلعاتي التي أخفي معظمها عن كل الأصدقاء، بعدها – ولأسباب لا أميل إلى الإفصاح عنها (تتعلق بقدراتي المادية أو اللغوية أو النفسية) – ابتسم أحدهم وهو يغمرني بمشاعره الفيّاضة ليفاجئني بأنه سوف يقدم لي جهاز كمبيوتر على أحدث طراز: هدية متواضعة تعبّر عمّا يكنّه لي من تلك المشاعر المُشار إليها، وخلال انغماسي في الإحساس الجارف بالامتنان، قادني إلى الركن الذي يقبع فيه هذا الكائن العصري الهادئ المستكين، وفور أن رفع عنه الغطاء، وسحب مقعده، وبدأت أصابعه تعابث أزرار قواعده، سألني مبتسماً: ماذا تريد؟ اضطربت قليلاً وحاولت تجميع أشلاء أيّ سؤال، كنت بالغ السعادة حينما نجحت في صياغة السؤال المأمول: ما أكبر عاصمة في العالم؟ فإذ بالحروف تتسابق إلى شاشة الجهاز يرافقها سهم صغير يتقافز بين تلال مربعات المعلومات: لندن ثم طوكيو، موسكو، فالقاهرة، أحسست بالفخر العارم حيث سبقت عاصمتي الغالية باريس وبكين وروما، وأين واشنطن عاصمة الامبراطورية الأمريكية المهيمنة على العالم المعاصر؟ إنها في ذيل القوائم، سألت صديقي وأستاذي: إذن لماذا يقولون إن نيويورك هي أكبر مدن العالم؟ ضحك ونظر في وجهي وقال: أنت سألت عن العواصم فقط، بدأت حينئذ أنتبه إلى اعتقاد راسخ في مخّي يجعل العواصم دائماً هي أكبر المدن، ونيويورك ليست عاصمة بالمفهوم الرسمي والإداري، فبدأت أجمع المتناثر من إدراكي وألوذ إلى ركن بعيد، كان صديقي وأستاذي أيضاً – لايزال يبتسم.

لكني – وكالعادة – استعدت لياقتي الذهنية بعد احتفالية نقل الحاسوب إلى بيتي، ما أريده من معلومات – مهما كانت – ينهمر على ساحة المخ، عناصر تكوين الكون وحركة الأفلاك وتواريخ ميلاد عظماء الموسيقى والرياضة والفلسفة والاكتشافات العلمية والكشوفات الأرضية (أقصد الجغرافية في وسط إفريقيا وجنوبها وقارات أستراليا والأمريكتين) وروّاد فنون المسرح والسينما واغتيالات الزعماء والانقلابات وأشهر حدائق الحيوان، وتكوينات المخ أو الحنجرة أو المعدة أو الأقدام أو العيون أو القلوب، وأخطر الجواسيس وأعظم نوادي القمار والمراهنات والوصول إلى المتعة القصوى، ظللت أفـرش مساحة عقلي لاستقبال هذه المعلومات الهادرة لا أملك سوى الانبهار الصامت إزاءها.

بعدها بأيام – ولم يكن سهلاً أن أصحب صديقي الكمبيوتر معي – سافرت كي أشارك في مجاملة زواج الابن الثالث لأحد أقاربي، كنت من قبل أسرع إلى هذه المواقع خارج العاصمة الكبرى: القاهرة، فأقع بين أحضان الأفراح والأشواق واستعادة الذكريات مع أهمية الخراف المشوية ومداعبات الغوازي ورقصات التحطيب والانفعال الجارف بالأصوات ذات الشجن البرّي وهي تتسلل مع حسن العاشق كي يلتقي المعشوقة الفاتنة نعيمة، وتأتي دقات الطبول وقد حملت في إيقاعها فتنة أنغام الربابة كي نحتضن العريس ذا الكفوف المصبوغة بالحنّاء إشارة إلى عصر جديد – ومتألق، وكانت (النقطة) ذات الأوراق النقدية المرفوعة في الهواء تعلن القيمة الكبرى لصاحبها ذي الشأن الواضح، وبينما يداهمنا الانشراح خلال هذه المنافسات المثيرة للمشاركة: تنطلق العيارات النارية لتنهمر في شراراتها الزغاريد، فلا يلبث معظمنا – مهما حاولنا التظاهر بالرصانة والثبات – أن يخترق الجموع ليرقص بالعصا، وينقط بالنقود، ويرفع من صوت الحماس الفوّار داعياً للعروسين بأجمل وأسعد حياة.

لكني – هذه المرة – عانيت كثيراً، فقد ظلت أزرار الحاسوب تتلمّس أصابعي وتحول بينها وبين متعة التصفيق أو إعلان الإعجاب والمتعة، كما أن السهم الصغير الذي يتقافز بين المعلومات على الشاشة الصغيرة اخترق السماوات وكمم إطلاق الرصاص، وخنق الزغاريد وأحال إغراءات بطون وعيون الراقصات إلى خربشة فوق حوائط الجمجمة، كان الفرح تعيساً والرحلة جافّة، والإحساس بالقلق يغلق نوافذ سيارة العودة، فسقط حسن دون أن يصل إلى نعيمة، وظل أبوزيد الهلالي جالساً أمام التلفزيون رافضاً أن يكمل رحلته إلى دياب بن غانم، ثم لم يلبث بطلنا الهمام أن بدأ يشكو من آلام المفاصل، لقد توقف الهلالي عن السير والركوب.

وفور أن عدت إلى بيتي، فتح لي الحاسوب ذراعيه ليحتضنني، وجلست بجواره دون أن تمتد أصابعي لأزراره، أحسست برغبة حارقة أن أكتب عن الحنّاء، وكادت أصابعي تمتد إلى الكمبيوتر لكنها تجمّدت، وقفت إلى المكتبة، بدأت أصابع عقلي تتحرّك، يدي تمتد إلى الكتب، وعقلي يقلب في أركان عالمي الخاص الذي لا تحتويه الكتب: الحنّاء شجرة معمّرة متساقطة الأوراق اسمها العلمي.. كانت الحناء قد هربت من الاسم العلمي وتحوّلت إلى دقات طبول بين كفوف العرسان – الذكور والإناث، كما أن زوجة خالي ظلت شغوفة بتضميخ معصم يدها اليمنى وبطن كفّها اليسرى بالحناء – لماذا؟. لا أعرف، ولاتزال الحنّاء عنصراً أساسياً في تطهير أو تنظيف ثنايا أجساد الراحلين، وعندما تتراقص الأنثى – حافية – يظل الخلخال اللامع يشي بفتنتها الفائقة، كما أن تجّار الحنّاء – في الريف المصري – يظلون يتجوّلون أغراباً من الغجر بين البيوت ليقدّموا مع الحـنّاء المشورة الواجـبـة في التزيين والتجميل والعلاج – والنصائح التي تثير الاستحياء والنظرات العاتبة.

بعدها أصبح مناسباً أن أسارع – شاكراً – بإعادة الحاسوب أو الكمبيوتر إلى صديقي وأستاذي، كي أستعيد نفسي متلمّساً المتعة في جولات بين الكتب وسنوات العمر وعبث الأمنيات وطقوس الأحباب، واتساع البراري وحركة المخ المتقافز بين عناصر الدنيا دون نظام معروف، لأكشف عن تلك المؤامرة التي دبّرها لي أصدقائي.

محمد مستجاب