الرئيسية | فنون جميله | الجورنيكا ما بين بيكاسو وفريدة خليل

الجورنيكا ما بين بيكاسو وفريدة خليل

بقلم الفنانة منة الله أبو علو

فريدة خليل..فنانة تشكيلية واعدة, ولدت في بيرن ,بسويسرا,1986, نشأت في أسرة دبلوماسية سياسية مما أعطي لها فرصة التواجد في مجتمع مناسب ثقافياً وأجتماعياً ليعمق شخصية إنسانة عندها ما يساعدها من موهبة إلاهية وحس مرهف, إلي جانب ظروف نشأتها التي أتاحت لها المجال للسفر المستمر مما فتح لها ابواب البحث في الأفق الواسعة لتري فيها كل ما هو جديد و مثري لروح أنسانية في حالة استعداد فطري لتصبح فنانة صادقة, وكل هذة الشفافات الفكرية الثقافية والبصرية المتراكمة جعلت منها منذ إلتحاقها بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة فنانة ذات نظرة مختلفة وأفق مزين بفكر مرتكز وعميق

ثم بدأ تدعيم هذا الفكر والموهبة بالدراسة الأكاديمية والتوجية والأرشاد المنهجي في قسم الجرافيك وعام بعد عام وبعد التخرج عام 2009, بدأت تتبلور ملامح فنانة جديدة تطفو بذاتها وأحلامها ومكنونات صدرها في سماء الفن التشكيلي, وحين شعرت بوغز مما يثور بداخلها من صراعات بين كل يريد ان يخرج إلي ما أبعد من حدود ذاتها, قدمت لنا أول معرض لها “الجورنيكا ميكس” في جاليري “هانفَنِنها” بالزمالك, هو رحلة أستكشاف خيالية في العناصر التي شكلت العمل الأصلي الأسطوري والدراما الأنسانية

“الجورنيكا” لبابلو بيكاسو التي أظهر فيها أن الفن ضرورة من ضروريات الحياة, وأن فلسفة الفن للفن هي فلسفة غير صحيحة وليست واقعية، ولكن الواقع أن الفنان المبدع الحقيقي يتأثر كثيرًا بما يدور حوله من ظروف أجتماعية وسياسية، ويكون ذلك هو “المثير” لفنه وإبداعه.

وأظهرت فريدة أن الأنسان وأن طلب السلم لا الحرب فلابد وأن يبدأ بنفسه أولا وأن الفكرة من “الجورنيكا ريميكس” بدأت عام 2005 عندما شاهدت فيلم بعنوان “مصور الحرب”، كان عن حياة المصور جيمس ناشتوي، وكيف حاول وقف الحرب بإلتقاط الصور وإظهار الحقيقة للشعوب في جميع أنحاء العالم

أما الفنانة فقد أستخدمت تقنية الكمبيوتر جرافيك (الفوتوشوب) بجانب إدخال عدة خامات متنوعة (كالباستل ,الألوان المائية ,الحبرالصيني ,الأقلام ,الكولاج), قامت فكرة لوحاتها علي العناصر الشكلية التي إستخدمها بيكاسو في “الأسطورة ” – الجورنيكا- لكنها وضعتها في رؤية مختلفة ومعاصرة وأسفل كل لوحة تعليق كتابي مقتبس من أعمال أدبية مختلفة لتساعدها علي التعبير عن أفكارها مثل “قصيدة البوردة للأمام البوصيري” وقصيدة “مطهرة القلوب” للأمام مولد والأناشيد الصوفية “الشاذلية” وبعض كتاباتها الشخصية.. فالمعرض كالكتاب لابد وأن تقرأ الجملة المكتوبة أسفل كل لوحة حتي تغوص في أبعاد العمل

لوحة (أخطأ وأحاول مرة أخري) والتي أخذت عنصر الوردة دليل علي الأمل في المحاولة, فمهما فشل الأنسان فلابد وأن لا ييأس أبداً من المحاولة مرات أخري, ووضع الوردة باللون الفاتح في منتصف العمل الفني لتؤكد علي أهمية ما تريد ان توصله الفنانة من خلال هذه الوردة من معني مباشر للمتلقي علي خلفية داكنة اللون لتعبر عن روح الخطأ والتناقض مابين لون الوردة والخلفية ليؤكد علي التضاد بين اليأس والمحاولة لفعل ما يصح و مكتوب عليها جملة (أخطأ و أحاول مرة أخري)باللغتين العربية والأنجليزية فمهما أختلفت اللغة, المعني هو المهم

لوحة (أقترب مني الموت) تأثرت من حيث التكوين بفرانشسكو دي جويا في لوحة ” تري دي مايو” ومانيه في لوحة ” محاكمة ماكسيميلان ” وأختارات وضع صور لجنود بلاستيكية كالموجودة في لعب الأطفال لتقول أنهم حقيقون في الحرب لكن خياليون في حياتها فهي تراهم في الأفلام المصورة وأفلام الكرتون, إلي جانب أستخدامها لجملة توضيحية من كتاب”أورينتاليزم” للكاتب الفلسطيني أدوارد سعيد – يعبر فيه عن نظرة الغرب للشرق- وتقول(في خضم كل ذلك أقترب مني الموت)

لوحة (مالي وجود إلا سواك) أستلهمت أسم اللوحة من الأناشيد الصوفية “الشاذلية” وأما الجملة التعبيرية من قصيدة “مطهرة القلوب” وتقول(إن تتحقق بصفاتك تمد … يا أيها العبد بأوصاف الصمد…بالذل و الفقر تحقق تظفر…بالعز و الغني من المقتدر) واللوحة تضع بعض عناصر “الجورنيكا” الأصلية كالبورتريهات الجانبية في اطار الخيال العلمي, هذا الخليط التقني والفكري والبصري يعبرعن ما تريد البوح به فتتدمج الفنانة بين الفن التشكيلي و الأدب في عمل واحد متكامل و معاصر من حيث الأفكار والعناصر والتقنيات

وتقول فريدة ” أنا دائما أحببت هذا العمل العظيم لذلك فكرت في وضع “جورنيكا” متوازية مع جميع مصوري الحرب المشاهير مثل جيمس ناشتوي، فإنها ستكون بمثابة تذكير لنفسي أنه لا يزال هناك حرب في العالم ، وأنني محظوظة جدا لأني لا أعيش مع أية مشاكل من هذا القبيل..والغرض من هذا الحدث ان تذكر نفسها قبل أي شخص أخرعلي فكرة “إذا أردت وقف الحرب،لابد أن أبدأ بنفسك أولا,وتناشد الأنسان مهما كان شكله أو عرقه أو لونه أو ديانته ان يتوقف عن الانانية و النفاق وأنه يجب ان يكون صادقا مع نفسه وأن يكون كريم، لطيف، وقبل كل شيء، متواضع وعندما تبدأ كل نفس بنفسها سوف تصحح الدائرة حولها من عائلة واصدقاء و هكذا,لأن ما يهم حقا هو عندما نموت علينا أن نأتي إلى الله بقلب سليم محض من دون أي أخطاء لكن هذا صعب جدا ، بل يصل الي درجة الصراع”

و تضعنا فريدة بمعرضها أمام أنفسنا لنتسائل..من الذي قال ان الحياة ستكون سهلة؟