الرئيسية | فنون جميله | الجسر – للكاتب محمد مستجاب

الجسر – للكاتب محمد مستجاب

الجسر

ظللت المليون عام الأولى من عمري, والتي قضيتها في قريتي, لا أجسر على أن أتصور أن كلمة (جسر) تعني المعبر أو الممر أو القنطرة, والتي تكثر في منطقتنا, حيث تلف وتدور وتخترقها: ترع الديروطية والشريفية, ثم شرقاً الإبراهيمية, وغرباً بحر يوسف, إنها منطقة زاخرة بالجداول والترع والقناطر والكباري, غير أننا حين نستخدم كلمة (جسر) فإنها تعني مباشرة: المنطقة المجاورة للشاطئ, غرب الجسر – بالنسبة لنا – هي تلك المساحة الشاسعة بالغة الشاعرية من وادي بحر يوسف, والتي تقع فيها عدة قرى أشهرها دشلوط التي ينتمي إليها الشيخ محمود أبو العيون شيخ الأزهر الشريف في أواخر الأربعينيات, لكني – حين تحركت من قريتي إلى القارات المصرية الأخرى, فوجئت بأن الجسر يعني المعبر والممر من شاطئ إلى آخر, ليبدو سهلاً أن أفهم – في حدود عمري ذاك الوقت – رواية (جسر على نهر درينا) لليوغسلافي إيفواندريتش, والتي حاز بها جائزة نوبل العالمية في الأدب عام 1961, لاحظ أن تصنيف أندريتش بأنه يوغسلافي قد أصبح مجازياً بعد أن تفككت يوغسلافيا الآن وعادت إلى تصارعها الدموي بين مختلف القوميات والعقائد, ثم هناك العمل الروائي السينمائي الشرس والجميل: (جسر على نهر كواي) والذي أخرجه دافيد لين الشرس, وقام بالدور الأول الأمريكي وليم هولدن, مع أن الدور الأول الحقيقي كان للممثل الإنجليزي إليك جينيس الذي قاد فيلق الجيش الغربي المحاصر – في جنوب آسيا – بالجيش الياباني, حيث – بصفتهم أسرى في المعسكر المختنق – نفذوا إنشاء جسر على نهر كواي, وكان هؤلاء الجنود البريطانيون هم الذين استخدموا في التجربة الأولى لعبور النهر فوق الجسر, ذلك الذي قامت القوات الغربية بمهاجمته وتدميره دون اهتمام بأهلهم ومواطنيهم العابرين عليه, والفيلم ضد الحروب ونواتجها المروعة, أما الجسر الآخر – الشهير جدا – فقد كان الخاص بموقعة (وولترلو) في الحرب العالمية الثانية, والذي قام بتمثيله النجم – الشهير جدا أيضا – روبرت تايلور, وقد أنتج هذا العمل عام 1940 في أثناء الحرب العالمية الثانية, أما (جسر الأشرار) فهو فيلم لا يذكره أحد, أنتجته سوريا عام 1972, وقام بأداء أدواره طاقم مصري على رأسهم الراحل فريد شوقي, لاحظ أن الذاكرة السينمائية – والتلفزيونية أيضا – التي تهيمن على أنواع الجسور هي الظاهرة المعاصرة التي وقعت فيها – أنا – دون أن أستدرجك – يا صديقي – إلى جسر قصر النيل في القاهرة, حيث لا أحد يربطه بكلمة جسر, إنه الكوبري الذي يربط وسط العاصمة بحديقة الأندلس, والتي قامت فيها الآن دار الأوبرا المصرية ذات الجمال المتألق, وخلفها مباشرة جسر صغير: كوبري الجلاء, الذي يربط مدينة القاهرة بالجيزة لتصبح (العاصمة الكبرى), هذا الجسر كان يحمل اسم الراقصة الشامية (بديعة مصابني) والتي لا تعرفها الأجيال التي جاءت بعد ذلك, وكانت ذات شهرة في إقامة الحفلات, إلا أن كوبري قصر النيل كان أكثر وقعاً في فؤادي شخصياً, حينما عانيت من فشل – أو خيانة – لبطلة قصة حبي المبكرة في العاصمة خلال الخمسينيات, كانت حالات الانتظار الفقير – والرومانسي – هي الجسر الحقيقي الذي دفع بالرؤى والأمنيات إلى القفز في الهواء لتسقط في النهر, إلا أن السلوان كان في كوبري المعاهدة, وهو الجسر الذي أقيم عام 1936 فوق ترعة بحر يوسف ليربط منطقة قريتي غرباً وشرقاً, وقريباً منه تشمخ قناطر ديروط بالغة الجمال الهندسي المتعدد الترع والجداول التي تتفرع منها شمالاً وغرباً وشرقاً, كي أذهب إلى هذه القناطر – حتى الآن – كي أستقبل شروق شمس ديروط, مع قليل من ذكريات مراحل الصبيانية, والتي كانت أكثر دسامة ونشاطا وتواصلاً من مرحلة القاهرة, حتى الآن, لقد كانت أم الجسور التي عبرت عليها, وامتلكت موقعا للإقامة قريباً منها…

كلمات لها معنى

سوف أنصحك نصيحة هي الحاسمة في حياتك, تلك التي أثرت في حياتي بشكل عميق ومؤثر, آهـ…. لقد نسيتها الآن, سأحاول أن أتذكرها.
حاول – حين تسترخي فوق مقعد على الشاطئ – أن تظل عيونك تتهادى فوق المياه ذات الأمواج الناعمة, ثم عليك أن تنتبه أن ذلك لن يستمر طويلاً, دعك من العواصف والأعاصير وعيون زوجتك, أنا لا أقصد ذلك, ارجع إلى فراشك أفضل.
دعك من إحصاء ثروتك من نقود, وكن مثلي, أي تستر في ظلال الصفر, الرقم الوحيد الذي لا ظلال له….
محمد مستجاب