الرئيسية | فنون جميله | التمر… من آل تيمور… حتى تيمورلنك – للكاتب محمد مستجاب

التمر… من آل تيمور… حتى تيمورلنك – للكاتب محمد مستجاب

التمر… من آل تيمور… حتى تيمورلنك

مفاجأة حالت دون تحريك قلمي وعقلي بعض الوقت, التمر هو المرحلة التالية بعد نضج البلح ليصبح الرُّطب ثم يتتمّر, أي يجفف, وهو ما يستطيب الصائمون تناوله – في بطء – عندما يستهلّون الإفطار فور أذان المغرب الرمضاني الكريم, إلاّ أن التمر في تاريخي الشخصي المفعم بأنواع البلح: هو المرحلة السابقة قبل أن يصبح البلح بلحًا, وكنت أعاقب من أمي – أكثر من أبي – حينما يستبين لها أنني انتزعت التمر من سباط النخيل, وقد استشرف اللون دون النضج, سبع نخلات ذات أنواع متعددة من البلح في ساحة بيتنا الريفي ذي الحوائط المنحنية – في حنان – على بقايا الجريد والسعف الناشف, وبين تمر المعاجم اللغوية وتمر الأحقاب الأولى من عمري, ظل تمر البلح يستقبلني حتى بعد أن هاجرت من قريتي إلى القاهرة (سوق البلح في السبتية: الحي الشهير) ثم إلى أدفو وإسنا وأرمنت وكوم أمبو والواحات وبلاد النوبة: حيث يصفو التمر ويشف, ويمكنك إذا أمعنت في واحدة من هذه التمور أن ترى النواة كامنة في الجسد اللدن الذي تجاوز مرحلة الرطب, والذي يثير في النفس اشتهاء مهما كنت شبعان.

ويذكر داود الأنطاكي في تذكرته الشهيرة لأولي الألباب أن التمر هو المرتبة السابعة في نضج ثمر النخيل, وهو كثير الأنواع يتجاوز الخمسين صنفًا, وأجوده ما ينشأ في البلاد الحارّة اليابسة (أي التي تتضاءل فيها درجات الرطوبة بما تعنيه من تشبّع الهواء ببخار الماء), كنخيل المدينة الشريفة (أي المدينة المنورة) والعراق ومصر, ويعالج التمر أمراض الصدر والسعال المزمن, ويستأصل مكونات البلغم والفالج (الشلل) وآلام المفاصل – خصوصًا إذا أُكل على الريق, ولا أستطيع أن أترك نفسي مستدرجًا في غابات تمور الأنطاكي بما فيها من أنواع علاجات أمراض تداهمنا في العصر الحديث, حتى أتمكن من دخول عالم آل تيمور, وأولهم أحمد تيمور (1871-1930م) العالم اللغوي المصري الذي عاش ورحل في مدينة القاهرة, وهو من أصل تركي, كان ثريًا شغوفًا باقتناء الكتب والمخطوطات النادرة, وكان يجمعها من أنحاء العالم العربي, وقد بلغت مكتبته ثمانية عشر ألف كتاب ومجلد تعد قسمًا مهمًا من دار الكتب الشهيرة في مصر, ومن مؤلفاته (التصوير عند العرب) و(ضبط الأعلام) و(أبو العلاء المعرّي وعقيدته). ثم قام أبناؤه ومحبّوه بإصدار كتابه: المعجم الكبير للكلمات العامية, بل إن تأثير هذا العالم العربي لم يكن في اقتناء وتأليف الكتب فقط, فقد أثمر في بيته وأسرته شقيقته عائشة التيمورية ذات النشاط الثقافي الاجتماعي المبكر, ثم ابنيه محمد تيمور, وقد رحل عام 1921 وقد استشرف ثلاثين عامًا من عمره القصير – يرحمه الله – ويعتبر من عناصر مؤسسي الأدب القصصي والمسرحي في مصر, ثم محمود تيمور الذي يعد من أشهر كتّاب الرواية والقصة القصيرة, ولعله الأشهر أيضا فيمن تضمنته كتب مقررات دراسات الأدب والنصوص العصرية في المدارس العربية في القرن العشرين, وقد شاءت ظروفي أن أشهده في هدوئه ورصانته خلال الأعوام الأخيرة في مجمع اللغة العربية, وقد رحل عام 1973م – يرحمه الله – فبكى على فراقه كل أعضاء وخبراء وموظفي وعمال المجمع اللغوي, إذ كان مفخرة لنا جميًعا, ثم كان تتويجًا لآل تيمور الذين ندر من نجد هذا الإنجاز الثقافي والفكري والسلوكي في أسرة واحدة مثل هذه الأسرة التيمورية, وكأني بهذه الجملة أعتذر أن أخرج من هذا الإحساس والحسّ العربي الراقي, إلى تيمور آخر هو تيمورلنك, ذلك الفاتح المغولي الذي ولد قرب سمرقند في وسط آسيا, ويعرف أيضًا بتيمور الأعرج, وكان يدّعي أنه من سلالة جنكيزخان, غزا فارس (إيران الآن) وجنوبي روسيا والهند, ثم اكتسح بلاد الشام, ودمّر مدينة حلب (التي استباحها لمدة ثلاثة أيام من النهب والتخريب), ثم استولى على دمشق (فأخذ طائفة من أفضل علمائها وأمهر صنّاعها وفنانيها ونقلهم إلى سمرقند), ثم عاد فزحف على بغداد للمرة الثانية, بعدها زحف إلى آسيا الصغرى وهزم العثمانيين في موقعة أنقرة (1402م) وأسر سلطانهم بايزيد, ثم توفي – تيمورلنك – آخر الأمر أثناء غزوه للصين, اتركوني أخرج من هذا العالم المشتعل المرهق حتى أعود إلى أنواع من التمور المريحة.

ولقد عثرت – بمتعة نادرة – على أول متخصصة عربية في فن الولادة, متجاوزة ما تقوم به القابلات (أو الدايات في العامية المصرية) من مرحلة الخبرة إلى الرقيّ العلمي, إنها تمرهان جليلة, (وقد رحلت عام 1899م) خريجة مدرسة القابلات التابعة لقصر العيني (أشهر كلية طب وأقدم مستشفى في مصر), وقد وضعت خبرتها وتجربتها المؤسسة على العلم في كتاب عنوانه (محكم الدلالة في أعمال القبالة).

إلا أن الشجرة المعمّرة وموطنها إفريقيا الاستوائية, والتي اشتهرت الهند – نعم: جنوب آسيا – بزراعتها ورعايتها وتصديرها, إنها التمر هندي, الشهيرة في كل البلاد العربية مشروبًا له لذّة خاصة, تجده في المقاهي وقاعات الاستقبال ومع الباعة المتجولين, ولايكاد بيت يخلو من حب بعض أهله للتمر هندي, الغني بالأملاح وفيتامين (ب), ويميل إلى المرارة رغم ارتفاع نسبة السكر به, ويتصف بقدرته الفائقة على الإنعاش, والإحساس بالمتعة, وهو ما يتركه في وجدانك التّمير: تلك الطيور الصغيرة الجميلة, والتي ترفرف حول الأزهار بطريقة منسابة بالغة العذوبة, ولسانها أنبوبي بين أخضر برّاق وأزرق وأسود وأرجواني وبني وبرتقالي أصفر, وتنتشر في وادي النيل, في المناطق ذات النباتات الوديعة التي لا أشواك فيها, وهو ما يساعدني على الإحساس باللذة الطفولية القديمة, بعد أن استدرجتني مصادر التمور إلى مناطق شائكة, لم يكن سهلاً أن أتفاداها, مع أني مازلت – حتى آخر هذه السطور – أسعى كي أتسلق واحدة من نخلات منزلنا القديم, وصولاً إلى لذة قديمة, قد أطلب من أحد الأطباء أن يكتب التمر – والوصول إلى التمر – في تذكرة علاجي – أقصد علاجنا, في عصرنا الحديث, والذي اضطربت فيه كل أنواع التمور.

كلمات لها معنى

هل يمكن لك أن تعود فتتمتع بمشهد ثمار أشجار التوت أو التين أو الموز إذا ما طارت ورقة مالية في الهواء فوق هذه الأشجار…وغابت في الأفق??
غريبة: كليات جامعية للحقوق, ولا توجد كليات للواجبات, حتى التعليمات المدرسية التي كانت فوق غلاف الكراسات, وتبدأ بالأمر أن ننام مبكرا ونستيقظ مبكرا, لم تعد تجد لها موقعًا على أي كراسات بالمرة.
لعل القطط تظل الحيوان الوحيد الذي يستثير فينا الإحساس بالأسرة, وإلاّ…كيف تفسّر مواءك التلقائي حين تداعب طفلك – لاسيما إن كان حفيدك – في فراشه??
محمد مستجاب