الرئيسية | فنون جميله | التجريد والجراد وهلم جرا – للكاتب محمد مستجاب

التجريد والجراد وهلم جرا – للكاتب محمد مستجاب

التجريد والجراد وهلم جرا

ما كدت أجرّد نفسي من أهوائها كي أطير في عالم الجراد, حتى فوجئت بأن الجو يستلزم الانتباه للجرائد أيضاً, فإذا أردت أن أستريح, فسوف يكون مناسباً الاسترخاء على جريدة نخيل تمهيداً لجولة طيران جديدة, لكن الفخ الأخطر هو أن أقع في مأزق التجريد الذي يسلب العمل الفني – والأدبي أيضاً – حواسّه وقدراته الوجدانية كي يدرك معناه بالذهن فقط, وهو ما يؤدي إلى محاولة إدراك – أو فهم – معنى التجريدية بصفتها مذهباً لايزال سائداً في أنواع الإبداع, إنه الاتجاه الحديث الذي يقوم على تصوير فكرة الفنان – أو شعوره – تصويراً لا يعتمد على المحاكاة لموضوع معين مع استخدام الألوان أو الأشكال الهندسية أو الأنغام الموسيقية, لاحظ أن ذلك التعريف يضع في الاعتبار اللوحة التشكيلية, مع أن التجريد استشرى في القصيدة والقصة بشكل طافح يحتاج إلى أن نتوقف هنا بحثاً عن الجراد أو الجرادتان (رجاء عدم التصحيح), وهما – الجرادتان – جاريتان كانتا تتغنيان في الجاهلية – قبل عصر الإسلام – في قصر عبدالله بن جدعان, وذات ليلة متأججة مجردة من الانتباه العقلي: قام الشاعر الشهير أمية بن أبي الصلت الثقفي بإلقاء قصيدة امتدح فيها ابن جدعان الذي رآه ينظر إلى الجاريتين في نهم يكاد يصل إلى حد الافتراس, مما أدى بسيدهما – ابن جدعان – بإهداء (الجرادتان) الجميلتين إليه, أود أن أشير أنني ظللت شديد الحرص كي لا أخضع (الجرادتان) للإعراب, إنه نوع من التجريد أيضاً.

وأزعم أن الأجيال الجديدة من أهلنا لم يروا الجراد إلا مرسوماً في كتب الحشرات أو أسيراً – في حالة تحنيط – على لوحات المتاحف, أو في مشهد تصويري خلال جحافله التي تغزو كثيراً من المناطق في هجمة مفاجئة – أثناء النهار المضيء ليتحوّل المشهد إلى ظلام, شـاهدت ذلك وأنا صبيّ سائم في حـقـول وبراري قريتي ديروط الشريف وسط صعيد مصر, وفي لحظات يداهم الجوّ نوع من الالتياع أو الحزن الصارخ على دقات الصفائح, العيال والرجال يتصارخون على الإيقاعات المقلقة مطاردين لأسراب الجراد الكثيفة التي – وقبل أن تنتهي من قراءة هذا المقطع – تكون قد جرّدت كل مزروعات الأرض من خضرتها, لتصبح المساحات المترامية بلقعاً أو يباباً قاحلاً, الإحـساس نفسه الذي يداهـمـني خلال إمعاني في لوحات أو قصائد عدة من الفن الحديث, لكني لا أعلن ذلك كي أظل مثقفاً عصرياً.. وذكياً أيضاً.

غير أن الأثر الذي تتركه جحافل الجراد في الجو والأرض والنفس يتساوى في كثير من المعاني بعد كل تجريدة يقوم بها رجال الشرطة – سراً أو علناً – على ديارنا أو تجمعاتنا بحثاً عن أعداء لهم لا يعلن عنهم عادة, وربما تكون من باب النـشاط الوظيفي إثباتاً لقدرتهم الفائقـة على السهر حماية لشئوننا, دون الاهتمام بالمعنى اللغوي الخالص للتجريد, يقولون – في اللغة – جرّده من ثوبه: أي عرّاه – ويعني تركه عارياً, وجرّد الجلد: نزع عنه الشعر, وجرّد السيف من غمده – أو المسدس أيضاً – استله, ثم هناك بعض التخفيف في المعنى حينما يرتبط التجريد بالقطن ليصبح محلوجاً, وهناك استخدام للتجريد – لم يعد يستعمل الآن: جرّد القوم: سأل القوم فرفضوا منحه أو أعطوه كارهين, لقد حلّ (الابتزاز) مكان هذا النوع من التجريد, والذي عاد ليصبح (جرداً) أي إحصاء ما في المخزن أو المتجر أو الحانوت أو المزرعة من أدوات وآلات وبضائع, موظفو الحكومة وشركات التجارة والمصانع والورش يعرفون ذلك آخر كل سنة مالية.

أما المجرود فهو الذي اشتكى بطنه من أكل الجراد, أو انتفخ من قراءة الجرائد, فإذا جاءت كلمة المجرود صفة للنص أو الكتاب فالمقصود: عرّاه من الضبط, أما إذا انجردت السنبلة: خرجت من لفائف قمحها (والمعنى: – بالنسـبة لي غير واضح), فإذا انجرد شعر الفرس: أصبح قصيراً, أما إن كان هذا (الانجـراد) خاصاً بالسـير يكون المقصود أن الفرس جدّ في سيره وامتد وطال أو تقدم الحلبة مصمماً أن يخرج منها, وهو ما جعل للفرس الأجرد أو الجرداء قدرة على الفوز في السباق أو أي أنواع من الصراع – سلماً أو حرباً, واللبن الأجرد: لا رغوة فيه, وربما يقصدون به اللبن الخالي من الدسم, أما القلب الأجرد فهو – مثل قلبي وربما مثل قلبك أحياناً – ليس فيه غش أو غلّ أو حقد, مع أن ورود هذا النوع من الجرد بصياغة الجارود يؤدي إلى معنى المشئوم, والعام الجارود فهو المُقْحط شديد اليباب والقفر, رجاء عدم التوسع في هذه المسألة حتى لا نجد أنفسنا – تحت وقع ما يجري – مطالبين بالمعنى الواضح لجارودي, الفيلسوف الفرنسي المعاصر والمناضل الذي أوقف فكره للدفاع عن الإسلام وحضارته, ويحول بيننا وبين المساس به ارتباط اسمه باللغة الفرنسية التي تجرّدنا من إدراك معناها لجهلنا المطبق بها (أتكلم عن نفسي), مع أنك لا تعرف – من ناحية أخرى – أن الجارودية فرقة زيدية تنسب إلى أبي الجارود زياد بن المنذر.

ومن باب الهروب – إزاء كل ما ورد – فإن التجريد يفضي بنا إلى الجريدة: إنها غصن النخيل المعروف, والذي تصنع منه الأقفاص والمقاعد (الخاصة بالشرفات والمنتديات والشواطئ) والأسرّة – جمع سرير – الفقيرة, وكانت الجريدة تعنى – ذات عصر – دفتر أرزاق الجيش في الديوان (أي كشوف المشاملة لبيانات استحقاقات الجنود), وهو ما أدى بالجريدة أن تهبط من فوق النخيل لتعيش فترة في أرزاق الجنود لتصبح – بعد ذلك – الصحيفة اليومية التي تنشر الأخبار والمقالات والفضائح والتعبير عن العدل والدفاع عن الفقراء, دعك من الابتزاز الآن حتى لا أكشف لك أن تجمّعاً أدبياً ظهر من فترة قريبة أصدر مطبوعة هزيلة بعنوان (الجرادة), وعليك أن تقرأ الموضوع من الأول مع تجريد نفسك من أهوائها: أو بعض أهوائها.

محمد مستجاب