الرئيسية | فنون جميله | البغل – للكاتب محمد مستجاب

البغل – للكاتب محمد مستجاب

البغل…

ظللت أتجوّل بين تضاريس دماغي, قاصدًا أن أستريح على حجر أو صخرة أو مقعد, أتنسم خلالها روائح اللغة العربية المتهادية كالغزلان في آفاق رمال خيالي, فإذ بالاسترخاء يسحب قدرتي على التصوّر, لأمعن في مشهد سمعت عنه, ولم أشهده خلال ملايين الأعوام التي مرت من حياتي: بقعة سوداء تتحرك بين ألوان الرمال الباهتة, ثم لم تلبث هذه البقعة أن تتماوج لتصبح مجموعة حيوانات هادئة تحمل مالا أفهم, كي تصعد التلال في طريقها إلى مالا أدرك, إنها مجموعة بغال, والآفاق الممتدة تفتح لها إيقاعات الحركة المتناغمة, والشمس في طريقها للغروب, تبتسم ساخرة مني, فقد عملت – أثناء أعوام كفاحي المبكر – في مكتب واحد من المحامين, ومن بين الدعاوى القضائية, كانت قضية تعويض – مع عقاب – لواحد اتهم المدعي بأنه (بغل), إنها لغة لعان – أو ملاعنة, إذا ما تبادل طرفا الدعوى السبّ بالاعتداء اللغوي. ويشارك الحمار البغل في هذا الاتهام, كما يشاركه في حمل الأسفار والحقائب والمرتحلين, إلاّ أن الحمار لا يمكنه الصعود بين الصخور مثل البغل, أما الجمل, فإنه يظل ذا إيقاع في الحركة الهادئة, التي يتفادى بها أي صعود أو هبوط, حتى أن من يرد أن يتسع خياله منا فعليه أن يعرف أجمل سر إبداعي في الشعر العربي, حينما تمعن أو تمتطي جملاً, يفتح جمجمتك هادئة للهواء الطلق المنساب همسًا بين العشاق, حتى لو كانت القصيدة فخر فرسان الانتصار. ومن موروث التجارب القروية عندنا في صعيد مصر, أن الجمل يرفض أن يقفز ليتخطى قناة ماء أو قطعًا له عمق لا يحول دون تجاوزه أي حصان أو حمار أو بغل أو خروف, كما أن البغل لا يشارك في مباريات المناورات الرياضية المرحة – أو الجادة – في احتفالياتنا الصاخبة الخاصة بالزواج أو النجاح أو استقبال أصدقاء قادمين من بعيد. كل ذلك والبغل يظل هو الوحيد, الذي حمل الأسفار واللفائف والحقائب, ليصعد الجبال والتلال في مناطق البرانس – بين فرنسا وإسبانيا, أو منطقة (الألب), بين إيطاليا وسويسرا, أو بين مرتفعات مناطق الشام والعراق والجزيرة العربية واليمن, والاتجاه شرقًا حتى يطل على منطقة البحر العربي من فوق تلال أقطار الإمارات والكويت وقطر والبحرين, تمهيدًا لأداء رحلاته الفريدة بين وفوق تضاريس إيران وأفغانستان وباكستان والهند, وهو ما تسلل إلينا في أنواع من رحلات شاقة, خدمة للأنبياء والمجاهدين والصالحين والرحالة, الذين كانوا وراء إحساسنا الإنساني بأن البغل هو أكثر الكائنات المعروفة قدرة على اختراق السحب, وبوادر الطوفان من رياح وأعاصير, إنقاذًا للبشر.

ومع ذلك, فإن البغل يؤدي – في الوقت ذاته – دورًا ساخرًا في روايات سرفانتس تحت قيادة دون كيشوت, ثم لم يلبث أن انتشى البغل في موسيقى الإسبان المتسللة من بين الأديرة في الجبال إلى الوديان وشواطئ البحار, كما قام البغل بدور مؤثر في الوقائع المرحة – وقد تكون المريرة أيضًا – في موروثنا العربي, أي في ألف ليلة وليلة, حينما عاد شهريار إلى قصره, تاركًا حصانه, وممتطيًا بغلاً, كي يداهم الخيانة الزوجية المعروفة والممهدة لظهور شهرزاد في حكاياتها الأثيرة – رحمة وتهدئة, ثم تمهيدًا لظهور أرقى وأعظم نص شعبي معروف في العالم.

ولقد شاءت ظروفي, أن أسافر إلى جنوب بلادنا المصرية أوائل الستينيات, ومن هناك زرت منطقة النوبة – قبل التهجير الثاني لأهلها النوبيين أيام السد العالي, وكان التهجير الأول خلال بناء خزان أسوان قبل ذلك عام 1902, ثم التعلية الأولى لجدرانه عام 1912, ثم التعلية الثانية عام 1929, ففوجئت بأن الحيوان الأثير, والمنتشر بينهم وسط التضاريس الجبلية, فوق شواطئ نهر النيل, هو البغل – وليس الحمار أو الجمل أو الحصان. كما أن الماعز المتقافز مرحًا بين الصخور والبيوت متوائم تمامًا في حياة لا يتحملها البقر والجاموس المنتشر في مناطق أخرى بعيدًا عن النوبة, ويمكن لك أن تحظى بمشاهدة غزال متسلل اختفاء بين الصخور البعيدة.ولذا يصبح سهلاً أن نترك الاتهام الجنائي الناجم عن وصف لاعن لطرف ضد طرف, بأنه بغل كي يعود إلى ما يؤذينا حينما نعلم بأن البغل حيوان طاهر يأتي من إناث الخيل, مع ذكور الحمير في الأعم. لا يوجد في البغال ذكر وأنثى, ومقاومة البغال للأمراض عالية, وتستخدم في حمل أثقال أكثر من قوتها. إنني أنقل ذلك من الموسوعة العربية, محافظة على مشاعر البغال, ولاسيما حينما يقال: إنه بغل نغل – أي نذل – وقد تساوت كرامة البغال مع الخيول والحمير في النص القرآني العظيم والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة , فإذا كان ثمة تشبيه لعوائق تحول دون الارتياح في حياتك, فلا تقلق, فإن بغل الجسم يعني الغلظة والشدة والتصميم, كما أن البغل صفة قد تطلق على مَن تسير في بخترة والسير السريع, لكني لاحظت أن المراجع لم تذكر أمرًا معروفًا وشهيرًا عن البغال, أنها لا صوت مقلقا لها مثل نهيق الحمير المنفّر – أنكرالأصوات – أو حنجرة مجلجلة من الجمال كانسكاب المياه من الشلالات أو القُلل – جمع قُلة – إنما صوت البغل ناعم, رقيق, ليس نهيقًا ولا ثغاء, إنما هو هذا الصوت الهسيس غير المقلق, الذي حاصر حياتنا من الأصوات الضاجة الحديثة – والقديمة أيضًا. والبغّال – مع أهمية تشديد الغين – هو صاحب البغال, إلا أن منطقة دفن الأموات في بلدتنا (ديروط الشريف) يطلق عليها منطقة البغيلي, وكانت الصفة شعبيًا تحمل تواصلاً نفسيًا مناسبًا بين المدافن ولقب ينتمي للبغال, حتى أنه كثيرًا ما تصاعد صراخ الأب عندنا كي يلوم الابن الذي لا يعجبه السكن الذي أهدي إليه من أبيه: إذهب فاسكن في البغيلي, إلاّ أن الأمور تغيرت في السنوات الأخيرة, فقد زحف أهلنا من بلدتهم عبورًا على كوبري البغيلي – مع إقامة كوبري آخر لا اسم له – ليقيموا مساكن لهم وسط فراغات مدافن منطقة البغيلي, وقد حدث ذلك أيضًا في بلاد عديدة, دون أن يكون ثمة تأثير للبغيلي الذي يقع في منطقتنا فقط, وأصبح عاديًا لدرجة أنه تساوى مع إطلاق (البغلة) – وهي مؤنث لا مذكر في الحياة له – على الألواح الحديدية في الكراكات والبلدوزرات الحديثة, كما أن جزءًا من (النورج) الذي يستخدم في درس نتاج محصول القمح, تمهيدًا لفصل الحبوب عن الدريس, يطلق عليه: البغلة. وهناك أيضًا العمود العريض الذي كان يستخدم في رفع المياه من مصادر المياه العميقة حمل لقب البغل أيضًا, لكن الأخطر من كل ذلك هو أن السيارات والجرارات وآلات رفع المياه بدأت تضع البغال والجمال والحمير والمواويل وأغاني الصبر, أثناء حركة سواقي الري في موقع الاندثار, بعد انتشار ضجيج الموتورات التي أحالت البغل إلى وردة سنفتقد مشهدها قريبًا.

كلمات لها معنى

ليس هناك يا صديقي من هو أفضل منك في العالم, ألا تحس أن ذلك يدفع في بطء معنى آخر شريرًا أنك أيضًا: لست أفضل من أحد في العالم.
الأمر بسيط, ولا نميل إلى الاعتراف به, عندما ينشط الجوع في الجسد تزداد رغباتنا المتوالية في الأكل, ثم في افتعال أي سبب يتيح لنا تناول أي مأكولات, ثم لا يلبث الجوع أن يصل إلى ذروته أو أعماقه, فإذا بنا نعاني هبوطًا نفسيًا يودي بالجوع إلى المهالك, حتى نفتقد الإحساس بالرغبة في الأكل بشكل حاسم, ومؤسف أيضًا, ونعاني بعض الوقت المؤلم في استعادته.
البعض يعتقد أن الليل يبدأ فور غروب الشمس, هذا خارج أنفاق وشرايين النفس, والتي كثيرًا ما تفشل الشمس في اختراق طبقاتها لإعلان حتى ظهور النهار.
فوجئت بأمي تهمس – بالغة الشجن – في وجداني: كل مرة تأتي من العاصمة إلينا في القرية, وتزورني في مقبرتي, وتقرأ لي الفاتحة, في حزن وحب وأسى, ولا تنتبه – أيها الأديب الكاتب – أن أباك ينام في الجزء المجاور من المقبرة, ولا تتذكر أن تهمس له بآيات الفاتحة ولو من باب التحية, حينئذ عدت إلى منطقة المقابر, والجو حار, لكن الأمر لا يمكن تأجيله, وقريبًا من شاهد مقبرة أبي طلبت من الله أن يرحمه وأن يشمله بالعطف.
محمد مستجاب