الرئيسية | فنون جميله | البدر… والبدور – للكاتب محمد مستجاب

البدر… والبدور – للكاتب محمد مستجاب

البدر… والبدور

تصورت أن دخولي عالم البدر والمبادرة أمر سهل, حيث يمكن لي أن أبدو ذا قدرات لغوية فائقة, حينما أتجول حول البدر بصفته قمراً مكتملاً ناصع التألق في استدارة خدود (ثريا… بنت خالتي) في البوادر الأولى – أي المبكرة – لانفتاح حواسنا الصبيانية على الوجود, إلا أن بدر البدور قطعت الطريق على تجوالي حاملة قفص البداري فوق رأسها, وأصوات البداري تزقزق في شغب صغير ينبهك فوراً أنها تحاول الخروج من مرحلة الكتاكيت إلى عالم الدواجن ذات الأعراف والأجنحة المتداخلة الألوان, ولم أكن أدرك – أنا ورفاق مرحلة بوادر شبابنا – أن الأمر يخصنا نحن بالذات, ولاسيما أن حاملة القفص المفعم بالبداري كانت تتراقص في تناغم دقيق وقد غطت جزءاً من خدودها بكف يدها, أنظر إلى عيونها التي تدفع أهدابها كي تبدو بالغة الحرج حياء مما يبدر من الذين يهوون أكل البداري عند غروب الشمس بالذات, وذلك ما جعلنا نحسّ الآن بأن المبادرة المبكرة في العلاقات الإنسانية قد خلعت أرديتها اللغوية الجميلة حينما بدأت تؤدي دوراً آخر تحت سطوة المصطلح السياسي المعاصر.

إلا أن أموراً أخرى بدأت تدفعني للوقوع فيما أنا فيه, فنحن الكُتّاب الذين يشار إليهم بالبنان – لا نستطيع استخدام كلمة (بدرة) لأنواع المساحيق التي تسري على الخدود لتدفع بالجمال الأنثوي إلى أرق أنواع التجميل: أقصد الجمال, كما يستخدمها كل أنواع وجوه البشر في إعادة صياغة الملامح لحساب الشخصيات في الأدوار والشخوص التمثيلية على المسرح وشاشات السينما والتلفزيون, وعندما أواجه الكتابة – المقال أو القصة – فإني أحاذر استخدام لفظ البدرة لبعده الواضح عن اللغة الفصحى, فإذ بي أجد البدرة – بكل معانيها في المساحيق – تحتل موقعاً مميزاً في المعاجم العربية, كما أن البداري ليست الكتاكيت فقط, بل إنها تشمل أيضاً كل ما تثمره النباتات والأشجار في بوادر موسمها, ونحن في قريتنا نستدرج البداري كي تغطي بالامتنان صغيرات السن من الزوجات حينما تضع أولى نتاج للتواصل, وأن البدري من الزرع والضرع – أي النبات والحيوان – ما بدر به الزارع أو المربّى أول زمانه, مع أن أي فرد يحمل اسم (بدر) فإنه يرتبط مباشرة بالقمر المكتمل, أو امتنانا لموقعة بدر (غزوة بدر الكبرى) الشهيرة في تاريخنا والتي وقعت فى السابع عشر من شهر رمضان بين بوادر المسلمين من المهاجرين والأنصار – وكانوا قلة (313 رجلا) والمشركين المناوئين لديننا الإسلام الحنيف – وكانوا كثرة (950 رجلاً) ليحقق أجدادنا أقوى وأرقى بوادر الانتصارات في بدر التي تقع في الجنوب الغربي من المدينة المنورة.

ومن الحزن الشخصي الذي يخصني أني ضيق الصدر بالمدن الحديثة, والتي تخلو من البدر, فأضواؤها – الثابة أو المتراقصة مع إضافة ألوان الإنجاز العصري المتقافز في الأجواء وفوق الأبنية حالت بيننا وبين تلك المتعة الكبرى التي تسترخي فيها حواسك في ألفة مع الفطرة الكامنة فيك, لتشهد البدر – حينما تهجر المدن ذات الأضواء الضاجة – وهو يشرق في هدوء الشجن الساري بين الجوانح, حيث يمكن لك – دون أن تفتح فمك – أن تتجول في ليالي القمر, لتبدأ الأمنيات القديمة في التحليق تحت إيقاعات هائمة في صوت أم كلثوم داعية حبيبها للسهر معا, المشكلة – أنني – حينئذ – على البحر أو التلال أو مشارف الوديان – ما أكاد أستنيم بخيالي إلى ليالي القمر حينما تهلّ, حتى تبدأ (بدْرة) قريبة أمي في اختراق المشهد لتصل إلى فرن الخبيز بالمرح المعهود فيها, والتعليقات التي لو رصدناها لأخذت معنى غير مريح من عصر انخفاض حرارة الأفراد لتظل مرتبطة بالأفران فقط, أو السيد بدير – ذلك الممثل المشهور بشخصيته المتميزة والتي تفح بالفكاهة, حتى لو كانت شخصية الصعيدي المصري قليل الذكاء ابن عبدالرحيم بيه كبير الرحيمية قبلى, وكل منهما شخصية كاريكاتورية مفتعلة لاقت استحساناً وشهرة, بل وقام كثير من أهلنا في الصعيد بتقليدها دون اهتمام بما فيها من اصطناع, إلا أن البدر يمكنه – إذا استطعت أن تنفرد به في الآفاق الممتدة – سوف يغسل وجدانك من أي حقد أو شر, بعض الوقت حتى يغيب البدر في أحسن الأحوال

كلمات لها معنى

أي أدب تتم كتابته تحت تأثير الجوع, فإنه يقع بين براثن الأنيميا والحزن, حتى لو كان الجوع إرادياً أو أمراً طبياً.
أعظم خائن في التاريخ هو أنا, فما أكاد أبدأ في صناعة مكيدة أو نسج مؤامرة, حتى تندفع إلى سطور كتاباتي كل أنواع الخداع لتتركني خارج النص أهيم بنظراتي في استكانة شاعرية.
كل الغيوم تشعر بالحرج حينما تحول بين زهرة وبعض الأشعة المقبلة من الشمس.
محمد مستجاب