الرئيسية | مقال | الأدعياء رغم تخصصهم في الفلسفة

الأدعياء رغم تخصصهم في الفلسفة

بقلم: طلعت رضوان
لاحظ د. جابرعصفور أنّ د. حسن حنفي (مثله مثل أي مفكر عربي) يضطر إلى أنْ (يهجر الدفاع عن حرية الفكر بالمعنى المطلق .. ويتخلى عن تأكيد حق الاعتقاد بوصفه مبدأ أساسيـًـا من مبادئ الدولة المدنية، وتبريره هو الدفاع عن حق الاجتهاد بالمعنى الضيق والمحدود، والمقصور على دائرة مذاهب التأويل الديني المعتمدة من الأغلبية التي يعيش بينها).

والسؤال هو، لماذا تراجع د. حنفي؟ والسؤال بصيغة أخرى: لماذا اتــّـكأ (على المرجعية الدينية) للدفاع عن نفسه في مواجهة خصمه؟ حيث أنّ رئيس جامعة القاهرة (عام1977) أدلى بتصريح لمجلة المصور (عدد16مايو77). نصح فيه د. حنفي بعدم الحديث للصحف، خاصة مع صدور توصية داخل الجامعة، بعد قضية نصرأبوزيد بأنْ لا يتكلم الأساتذة (بشأن خلافاتهم العلمية في الصحف) .. وبعد (نصحيه) رئيس الجامعة، نشرتْ المجلة نص الرسالة التي وجهها د. حنفي إلى عميدي كلية أصول الدين ردًا (على الاتهام التشهيري الذى أذاعه أمين جبهة (علماء) الأزهر.

وذكر حنفي أنه في رسالته اهتدى بتقاليد الفلاسفة الدينيين) .. وأنّ الخلاف دار حول حديث نبي الإسلام: إنّ أمتى ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة .. والفرقة الناجية هي من اتبعتْ سنتي .. والفرق الأخرى هالكة (تفاصيل ذلك ورد في كتاب عصفور بعنوان (ضد التعصب) الصادرعن هيئة الكتاب المصرية- مكتبة الأسرة- عام2000- من ص309- 313).

وبعد انتفاضة شعبنا في شهر طوبة/ يناير2011سمح العسكر للأصوليين بتكوين أحزاب ذات مرجعية دينية، رغم مخالفة ذلك للقوانين التي أصدرها العسكر. ومن بين آليات التضليل التي مارستها الثقافة المصرية السائدة، أنّ الأصوليين هم الجماعات الإسلامية (سواء من يعملون في العلن أو تحت الأرض) وبالتوازي مع هذا الخط ترفع من شأن البعض لمجرد أنّ (فلان وفلان) يحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة، في حين أنّ قراءة كتاباتهم تضعهم في صفوف الأصوليين، من بين هؤلاء د. حسن حنفي، إذْ وأنا أقلب في أرشيفي وجدتُ مقالا لسيادته في صحيفة القاهرة (23 /3/2004) يُدافع فيه عن حق الإخوان المسلمين في تكوين حزب سياسي شرعي. وهى دعوة تـُـناقض وتـُعادى آليات الدولة الليبرالية/ العلمانية المُختلفة جذريًا عن آليات الدولة الدينية.

من المُتفق عليه في العلوم السياسية أنّ الأحزاب تتأسّس على برنامج يستهدف تحقيق مصلحة جميع أبناء الوطن من خلال تعظيم التنمية الاقتصادية في مجالات الزراعة والتصنيع والعلوم والتكنولوجيا، في حين يدعو د. حنفي إلى توريط شعبنا في صراعات دولية تقودها وتضع وقودها الولايات المتحدة الأمريكية، مثل قوله (تحرير الأرض المحتلة في أفغانستان والشيشان وكشمير) بنص كلمات سيادته. أي أنه يدعو إلى إحياء مشروع جمال الدين الإيراني الشهير بالأفغاني الذى كان يُروّج لتزييف الولاء الوطني إذْ كتب (لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم) (العروة الوثقى 26/7/1884).

وكرّر ذات المعنى كثيرًا فكتب (إنّ المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلاّ في دينهم واعتقادهم) (العروة الوثقى 14/8/1884) أما أخطر ما روّج له الأفغاني فهو قبول الاحتلال الأجنبي وعدم مقاومة الاستعمار تأسيسا على قاعدة (الرابطة الدينية) التي ألحّ كثيرًا في الترويج لها وإقناع الشعوب بها فكتب (هذا ما أرشدنا إليه سير المسلمين من يوم نشأة دينهم إلى الآن، لا يتقيّدون برابطة الشعوب وعصبيات الأجناس، وإنما ينظرون إلى جامعة الدين. لهذا نرى المغربي لا ينفر من سلطة التركي، والفارسي يقبل سيادة العربي، والهندي يذعن لرياسة الأفغاني، لا اشمئزارعند أحد منهم ولا انقباض) (العروة الوثقى 28/8/1884).

ومن المتفق عليه (كذلك) أنّ أي حزب سياسي يُخاطب ويُعامل المواطنين على أساس انتمائهم الوطني وليس على أساس انتمائهم الديني .. وقيام أي حزب على أساس ديني هو تأجيج لرماد الاحتقان الديني .. وإذا كان الأصوليون المسلمون يُدافعون عن قيام أحزاب إسلامية، فإنّ الأصوليين المسيحيين سوف يُطالبون بقيام حزب مسيحي (تردّدت هذه الفكرة أحيانــًـا من بعض المسيحيين) وهذا لوتم فهو مخطط خطير سوف يؤدى إلى تقسيم أبناء الوطن الواحد على أساس معتقداتهم الدينية. أي تفتيت الأساس المبدئي الوحيد للوحدة الوطنية .. وهو هدف رئيسي للاستعمار العالمي، أي زرع بذور الانقسام بين الأمة المصرية، من خلال إعلاء شأن الذاتي (الدين) على حساب (الموضوع) أي الوطن الذى هو المُشترك الواحد والوحيد لأبناء أي شعب.

الأحزاب السياسية تنطلق من قاعدة (العقد الاجتماعي) الذى يصيغ البشر بموجبه القوانين التي تحكم علاقتهم بعضهم ببعض وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة. في حين أنّ الأصوليين المسلمين يؤمنون بشعار الإخوان الذى وضعه حسن البنا (الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا) وهو شعار يوحى بأنهم يمتلكون تفويضًا إلهيًا، يُـكـفــّـرون بموجبه كل من يختلف معهم .. وليس بمُستبعد (في حالة سيطرتهم على البرلمان) أنْ يُصدروا التشريع الذى طالب به مرشد الإخوان الأسبق مصطفى مشهور عندما صرّح (بوجوب فرض الجزية على المسيحيين في الدولة الإسلامية. وإعفاء المسيحيين من الخدمة في القوات المسلحة) (الأهرام ويكلى 3- 9 إبريل 97) أي أنّ المسيحيين مواطنون درجة ثانية .. وليس لهم حق المواطنة .. وليس لهم حق الدفاع عن الوطن.

يعترف د. حسن حنفي أنّ محمد عبده هو مُحرر برنامج الحزب الوطني للعرابيين، ومع ذلك فإنه (أي حسن حنفي) يتجاهل البند الخامس من لائحة الحزب الذى نصّ على أنّ (الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني (أي أنه ليس حزبًا مرجعيته دين واحد) فإنه مؤلف من رجال مختلفي الاعتقاد والمذاهب .. وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها مُنضم لهذا الحزب) (مذكرات الزعيم أحمد عرابي- كتاب الهلال – مايو1989ص 113).

كما يعترف د. حسن حنفي أنّ الإخوان المسلمين دخلوا الحياة السياسية من الباب الخلفي بالالتفاف أو التنسيق مع حزب الوفد مرة ثم مع حزب العمل مرة أخرى في الثمانينات .. وطبعًا فإنّ حزب الوفد أخطأ عندما وافق على التعاون مع الأصوليين، لأنّ قيم وآليات الليبرالية والعلمانية تمنع التعاون مع جماعة تزعم أنها سياسية في حين أنها تستهدف إقامة دولة دينية .. وبالرغم من ذلك أصرّ حنفي على دعوته ويرى إمكانية الجمع بين من يرون أنّ البشر هم المُشرّعون لعقدهم الاجتماعي .. وبين من يرون أنّ الله فوّضهم في الحديث باسمه فكتب (يستطيع الإسلاميون مع الليبراليين تكوين جبهة عريضة مع باقي القوى السياسية).

فهو يرى إمكانية الجمع بين المُتناقضات، أي الجمع بين المؤمنين بالتعددية الفكرية .. وبين المُتشبثين بالفكر الأحادي. بين المؤمنين بمبدأ تداول السلطة في العصر الحديث، وبين المُتمسكين بتاريخ الخلافة الإسلامية، رغم كل آثامها وجرائمها ضد (جماهير المسلمين الخاضعين لحكمها) ورغم أنّ الخلافة الإسلامية لا تنتقل فيها السلطة إلاّ بالقدر الإلهي (الموت الطبيعي) أو بالانقلابات الدموية .. وبين المؤمنين بحق البشر في الاختلاف بل وحقهم الطبيعي في الخطأ (الآنى) الذى قد يكون هو الصواب في المستقبل .. وبين المُتشبثين بمقولة الخطأ المطلق والصواب المطلق، أي بين المؤمنين بالنسبي والمُتشبثين بالمطلق. بين المؤمنين بقانون التغير .. والمُتمسكين بالثبات. بين المؤمنين بالتحضر .. وبين المُدافعين عن قيم البداوة. بين من يعيشون الحاضر بكل معطياته الثقافية والعلمية .. وبين الحالمين بالعودة إلى كهوف الماضي، رغم تخلف (ماضيهم) في مسيرة التطور التاريخي للبشر .. بين المؤمنين بالمبدأ الذى نهضتْ على أساسه الشعوب المُتحضرة، أي مبدأ الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وبين من يتمسكون بسلطة الفقيه أو الإمام.

وذكر د. حنفي أنّ الأحزاب المصرية لاوجود لها في الشارع السياسي ولا تـُمثل إلاّ أصحابها .. والسبب أنهم مُتهمون بالفساد .. وإذا كانت الفلسفة تـُعلم طلابها رفض التعميم، فكيف وقع أستاذ الفلسفة فيه؟ أفهم أنْ يكون الاختلاف مع الأحزاب حول البرنامج أو أسلوب إدارة الحزب، أما التركيز على (الفساد) فقط، فليس هو العامل الأساسي والوحيد لعزلة أي حزب عن الجماهير. صحيح أنّ الفساد يُـشكل أحد الأسباب .. ولكن انصراف الجماهير عن أي حزب له أسباب أخرى لم يتعرّض لها د. حنفي، لعلّ أهمها قدرة الحزب على اقناع الفلاحين والعمال وصغار الموظفين ببرنامجه، أو فشله في ذلك .. وبالتالي أصبح بلا قاعدة جماهيرية.

أستاذ الفلسفة مع (الأنا) المسلم:

قد يندهش البعض من ترويج أستاذ الفلسفة د. حسن حنفي لإقامة حزب على أساس ديني .. ولكن قراءة كتاباته تؤكد أنه لايُخفى أصوليته الإسلامية. فقد أصدر كتابيْن في بداية الثمانينات امتدح فيهما الانقلاب الفاشيستى في إيران بقيادة الآيات الذين سرقوا ثورة الشعب الإيراني ضد حكم الشاه الذى صار جنة مفقودة بالقياس إلى نار الخومينيين .. وفى كتابه (مقدمة في علم الاستغراب) نصّ على أنّ (الأنا) هي (الأنا المسلم) أما (الآخر) فهو الغرب .. وأسفر عن توجهه الأصولي الإسلامي أكثر عندما كتب في توضيح هدف كتابه (إنّ مادة علم الاستغراب هي من جهد (الأنا) وإبداعه .. وليست من إفراز (الآخر) وقيئه) وفى الهامش يكون أكثر سفورًا في عدائه لفلاسفة الغرب، فذكر بعض أسماء الفلاسفة الذين يرى أنّ انتاجهم مجرد (قيئ) فكتب (وذلك في كتابات اشبلنجر، هوسرل، برجسون، توينبى، جارودى وغيرهم من الفلاسفة المعاصرين).

(أنظر كتابه: مقدمة في علم الاستغراب- الدار الفنية- القاهرة- عام 91ص22) أي أنّ هؤلاء الفلاسفة (مع الاحتفاظ بحق الاختلاف معهم بأسلوب نقدى رفيع) بالإضافة إلى قائمة (الفلاسفة المعاصرين).

بنص كلامه يجب أنْ نتجنب كتاباتهم .. والنتيجة هي الانعزال التام عن كل إبداعات البشر سواء في العلوم الإنسانية (خاصة الفلسفة) أو العلوم الطبيعية .. وإذا كان سيادته يرى أنّ (الأنا) هي (الأنا المسلم) فماذا أضاف لتراث التخلف الذى ردّد هذه المقولة على مدارعدة عقود؟ أليست هذه المقولة بضاعة قديمة من انتاج واحتكار الأصوليين؟ وإذا كانت (الأنا) تـُقاس على المعيار الديني، فهل يجوز(أوهل نقبل) أنْ يكون المعيا عند المسيحيين هو(الأنا المسيحي)؟ وإذا كان شعبنا مُتعدد الأديان، فإنّ (الأنا المسلم) ينفى المختلف معه دينيًا ولا يعترف له بحقوق المواطنة، وإنما يُطبّق عليه أحكام ما يُسمى (أهل الذمة) وفق التراث الإسلامي، وهذه الرؤية تتطابق مع رؤية الأصوليين المسلمين الذين يتفقون مع سيادته حول تعريف (الأنا) وأنه (الأنا المسلم) بينما الليبراليون والعلمانيون والمؤمنون بمصر الحضارة والتعددية يتمسكون بالمنهج العلمي الذى يُعرّف (الأنا) على أساس الهوية القومية .. وبالتالي (في حالة شعبنا المصري) فإنّ (الأنا) هي (الأنا المصري) لأنها هي التي تجمع وتوحّد شعبنا رغم تعدد أديانه بل وتعدد مذاهبه ومعتقداته.

ولعلنا نتعلم من تجارب الشعوب، حيث أنّ (الأنا) التي تتأسّس على الانتماء الوطني هي التي وحّدتْ أبناء الوطن الواحد فحققوا التقدم والرقى (أوروبا، الهند، اليابان إلخ) بينما (الأنا) التي تتأسّس على الانتماء الديني هي التي فرّقت أبناء الوطن الواحد (انفصال باكستان عن الهند بدعم وتأييد وتحريض من بريطانيا- نموذجًا ، وفصل جنوب السودان عن شماله لإصرار النظام الدكتاتوري على تطبيق الشريعة الإسلامية حتى على أهل الجنوب- نموذجًا ثانيًا) والنتيجة هي التبعية والانحطاط والتخلف، وهى النتيجة التي تخشاها قوى التقدم والتحضر، وهى القوى التي تحمل شعلة التنوير، وتـُحذر الشعوب من خطورة وصول الأصوليين (في أي دين) إلى كرسي الحكم.