الرئيسية | فنون جميله | إشكاليات النقد التشكيلي العربي بين المحاباة والتبعية والتجديد

إشكاليات النقد التشكيلي العربي بين المحاباة والتبعية والتجديد

فالحداثة موجة والعوم ضدها مخاطرة، فاما الغوص حتى تمر من فوق رؤوسنا, فنظل في القاع واما العوم فنكون من الناجين لنحتل مرتبة من مرتبات الحياة المعاصرة. لايمكن تجاوز الحداثة ومعارضتها الا باستيعابها. الناقد الغربي يرى الفنان مجرد وسيط قادر على ان يكون ناجحا او فاشلا في استحضار عمله الفني في نوع من الوضوح الذاتي غير المتكلف.ان اتباع التوسط عند الناقد العربي بين طرز الحداثة وآلياتها المتبعة في الغرب وبين الموروث العربي وضغوطاته على الفنان النازع نحو التجديد والحداثة، هو الحل الاكثر توفيقا في تشخيص العمل وايجاد مقارب موضوعي يتيح له تحقيق الخطوة الاولى في فهم عملية البناء الفني، وتحديد دور الفنان في هذا البناء، فالفن ليس وصفا او تعبيرا عن حالات شعورية بقدر ما هو عملية خلق تتوفر فيها شروط اساسية اهمها توفر العقل الخالق لدى الفنان ونضوجه والمامه بالتقاليد الفنية التي انحدرت اليه من الماضي، فالفنان ينفعل للموضوع ويترجم انفعالاته من خلال اتباع اساليبه الفنية، ذلك ان كل عمل فني منجز قادر على ان يرينا شيئا نبصره بالعين وشيئاً اخر ندركه بالبصيرة.
يقابل ما ذكر تنشط ظاهرة اهمال وتهميش وتقليل قيمة النقد الفني من عند الفئات المثقفة والفنانين انفسهم، اذ لامراء في ان اية مقاربة نقدية للعمل الفني ، ولاي فنان، سيحملنا، محمل الجد للبحث عن سبل التعثر والارتجاج الذي يشكو منه هذا الحق المهم من حقول الثقافة، فنحن نعرف بان الفن التشكيلي باعتباره واحدا من الاجناس الثقافية كفيل بان يضطلع بادوار طلائعية في المساهمة برسم صورة لكل الاحداث والوقائع، وبامكانه ان يتجاوز مرحلة التعبير عن القائم والثابت والجاهز الى مرحلة تجسيد القادم والمتوخي، والنقد الفني في الوطن العربي يعيش الحيف ، حيث عدم الاهتمام به كباقي مكونات الثقافة التي يلفها التهميش، ولعل مكمن الداء يعزى الى العلاقة المتوترة بين الفنان والناقد من جهة والى الطرح السياسي لما هو ثقافي في البلدان العربية، من ثمة نجد مسوغا حقيقيا لازمة النقد ، وهي ازمة الثقافة العربية ككل والتي تعاني من مشكلة اعتراف داخل البنية الفكرية، فالنقد الفني بالرغم من مرور عقود كثيرة على دخوله الى المجال الثقافي فانه مازال يبحث عن شرعية فعلية تسمح له بالانتقال والتفاعل والتداول.
وهذه الحال في النقد التشكيلي العربي يمكن استشفاف خباياها ومعالمها من خلال الغياب الكبير للمتخصصين في هذا المجال الحيوي، وتحول الكثير من الادباء والشعراء الى الاخذ بزمام الامور لسد هذا النقص الكبير، كما ان العديد من النقاد على قلتهم لا يراعون المسافة بين بنية اللغة وبنية الصورة، اذ لاتزال افكارهم مرتبطة بمفاهيم اللغة العاجزة احيانا امام آنية المشهد، ومع هذا الغياب الذي تزامن مع سيادة المنطلقات والمفاهيم التقليدية القديمة التي لم تعد صالحة للعصر بعد ان فقدت فاعليتها، وكذلك عدم استقلاليتها وخصوصيتها، واصبحت عملية وصفية جامدة مبنية على الادعاءات المعرفية واللغة الصحفية الفضاضة، تبقى الشرائح التشكيلية والثقافية بعيدة عن هذا المجال الحيوي، حيث تتزامن عملية الغياب مع حالة التهميش لماهو بصري في زمن الصورة وزمن البث والقنوات الفضائية للتقبل والادراك.

في ظل هذه الوضعية القائمة والمحيطة بفنونا التشكيلية في السياق الثقافي العربي، تنبجس اقامة المعارض والفعاليات التشكيلية، هنا وهناك كمنطلق اساس للشعور بنوع من الدفء والتواصل بين الفنان وذاته وبينه وبين محيطه، ولكن بعيدا عن رقابة الناقد الفني الذي يشكل حضوره هاجسا معرفيا وهما ثقافيا يمكنه من اعطاء الفن التشكيلي اصالته الراهنة، ذلك ان الفنان التشكيلي واينما كان لايمكنه ان يقدم شيئا، او يستوعب تراثه دون هم ثقافي يساهم في الاشارة اليه الناقد الفني، ذلك ان الناقد الجيد قادر على استحضار الاشكال الجمالية داخل وحدة العمل الفني التي تليق بالعذاب والشقاء والالم والفرح الذي ينطق به الوضع البشري . يسعى الناقد ان لايكون الفنان بمنأى عن الرقابة والملاحظة، وان لايكون بعيدا عن من يفك شفرة توتر العمل وصراعاته القائمة بين مقومات كل عالم على حدة، وان لايكون ايضا بعيدا عن المنشط الحيوي الذي يخلق الترابطات ويحقق ابعاد انسجامية ما بين الفنان وصنيعه الفني من جهة وبين الفنان ومحيطه من جهة اخرى، عبر ما ينسج من مقولات نقدية ايجابية، تساهم في تحقيق كينونة الفنان وفنه معا.

فالنقد الفني هو اللغة الثانية بعد لغة الفنان التي تحول الحساسية العاطفية عند الاخرين الى حساسية فنية خاصة بالمبدع عندما يمتلك القدرة على تجسيد الانفعالات وتنظيم العواطف، وهي ايضا كفيلة بان تعيد صياغة العمل الفني وتعطيه مكانته وتكشف ابعاده، باعتباره خطوة اساسية واجرائية، ووسيلة ضرورية لضمان التطور الايجابي للفنون، وبدون مثل هذه اللغة، يظل الفن في احيان كثيرة بدون رئة التواصل مع الابداع، وبدون نبض يشار اليه للقيم الجمالية التي يحتضنها العمل نفسه، كما يظل العمل الفني غير مستفز من قبل تأويلات الناقد وتفسيراته وشروحاته وقدرته في استنطاق العمل، ويكتشف ما في دواخله بين الاصالة، بما تطفح به من رموز تراثية وحضارية وثقافية محلية وعالمية ، وبين المعاصرة، التي باتت تتجاوب مع مجمل التيارات ومختلف التجارب العالمية. من جانب اخر فان الناقد يقدم للفنان تحصينات تنبع من الارادة والمعرفة التفصيلية بالاشياء فكريا وتقنيا، وينبهه الى ظاهرة التكرار والابتذال والاستهلاك والاسفاف، لهذا لايمكن تصور ابداعا مؤثرا بدون اسهامات نقدية واعية وفاعلة، على اعتبار ان الفن لغة بصرية تواصلية سابقة للكلام متجاوزة حدود المكان والزمان، ومن خلالها يتم التعبير عن ذاتنا الوجودية، في اساليب شكلانية، تختلف في محتواها من حيث رصد المفردات الفنية التشكيلية.

جريدة المدى