الفنانه زينب السجينى

بنات زينب السجينى بين الواقع والحلم : فراشات فى أردية من نور

Invalid Displayed Gallery

بقلم: محمد كمال

يختلف الحصاد الإبداعى النهائى بكل ضروبه تبعاً للرؤية الفلسفية الكونية على الصعيدين العقلى والروحى ، حيث تتمايز صياغة المبدعين للواقع الإنسانى المعاش ، إعتماداً على تباين الجغرافيا التى ينتمون إليها عن مثيلاتها فى البقاع الأرضية الأخرى ، والتى تمثل مصباً لروافد زمانية ومكانية وعقائدية مغايرة ، بمايؤكد خصوصية المشهد ومنابعه التراثية حسياً وحدسياً .
وتبدأ جدلية الإشتباك مع ذلك الواقع من الجنوح صوب استنساخ مفرداته ، وحتى مغادرته إلى عوالم غير مرئية ، مروراً بالمنطقة الرابضة بين الصورة والتصور ، حيث يتجلى فيها الصراع مع قوة أسر المرئى ، عبر محاولات حثيثة لإعادة إنتاجه .. وفى ذلك النطاق ترتحل عملية الخلق من الإنتباه إلى الغفوة ، ومن اليقظة إلى الحلم ، بشكل ترددى غير منتظم ، مما يؤدى إلى طباعة البصمة الإبداعية على وجهى الحائط الفاصل بين البث والتلقى .
وربما لو دققنا ملياً فى أعمال الفنانة الكبيرة زينب السجينى ( 1930م ) ، سنجد أنها تفترش أرض الواقع دائماً ، كى تستل منه الخيوط التى تغزل بها مسطحها التصويرى ، ورغم هذا فهى ترتكن إلى نزعة مجازية نسبية ، تدفعها لإلقاء عبائتها الخيالية على المفردات المرئية المحسوسة ، وهو مايؤهلها لبناء عالمها الخاص داخل مجال مغناطيسى يمارس فعل الجذب الكلى الخاطف للمشاهد بصرياً ووجدانياً ، على جسر من الألفة العقلية لعناصر الرؤية ، سعياً للكشف عما وراءها ..
وأعتقد أن تلك المساحة التى تلعب فيها الفنانة بفرشاتها منذ زمن طويل ، هى ماتمكننا من الإصطلاح على منجزها ب ” الواقعية السحرية ” ، حيث تستخدم فيها الواقع كمنصة إطلاق لمنطاد الخيال الذى يسرع فى العودة إلى نقطة البدء ، ليشرع فى المروق ثانية نحو آفاق الحلم اليقظ .. وقد ظلت زينب السجينى مخلصة لهذا النمط الأدائى فى جل مشوارها الفنى ، حتى وصلت إلى حالة من التوحد مع مفرداتها عند قمة المنحنى التعبيرى ؛ فأصبحت لوحاتها لاتخطئها العيون ، ولاتضل الأفئدة طريقا إليها ، وقت عبورها على الصراط الواصل بين الذاتين الفردية والجمعية ، لذا فإن عروضها الأخيرة تعد امتداداً لمنهجها الإبداعى النامى رأسياً ، على محورى الخامة الوسيطة وعناصر التكوين ، حيث تستخدم عادة الألوان الزيتية والإكريليكية على التوال ، فى إطار ارتكانها الدائم إلى معطيات الواقع المرئى ، من خلال الأمكنة المتنوعة التى تحولها إلى أبسطة وبرية ، تنثر عليها مفرداتها المعهودة ، من الطيور والأسماك والدواب والأشجار والمراكب والأثاث والبحار والأنهار والكثبان الرملية ، وغيرها من مكونات الطبيعة الجامدة والحية ، إضافة إلى الأنثى كأهم ركائز المشهد لديها ، والتى تدفع بها غالباً إلى بؤرة الصورة ، ثم تحيطها ببقية العناصر ، بعد الإنتقال من الخاطر إلى الفكرة التى تدخل بها مباشرة حيز التنفيذ ، حيث تطل من نافذة الواقع على فضاء الخيال ، وتبدأ فى نسج الإثنين معاً على سطحها التصويرى كاللحمة والسداه ..

وقد تلتقط مشهدها بشكل عكسى ، بادئة من البناء الثانوى حتى تزرع إناثها فيه كأجنة فى رحم الصورة .. واللافت للنظر أن بنات زينب السجينى يحملن سمتاً شكلياً منسجماً ، وكأنهن ينتسبن إلى سلالة عائلية واحدة ترفض التزاوج مع أخرى ، برغبة من الفنانة نفسها ، بما يكشف عن محرك نسوى خلف كواليس المشهد ، تستثمر به فطرتى الأمومة والطفولة بداخلها فى آن ، لذا نلحظ التفاوت العمرى فى بناتها ، حيث يبدأ من البكارة الطفولية وحتى النضج الأنثوى الذى لايخل أيضاً من مسحات البراءة ، وربما يشير هذا إلى حضورالعامل الذاتى عند زينب داخل الصورة ، فى حركة ترددية مستترة ، تحاول من خلالها استحضار عذوبة ينابيع النشأة الأولى ، كى تكسب المشهد مذاقاً عفوياً طازجاً .. فإذا تأملنا ملامح بناتها ، سنجد أن قاسماً جينياً مشتركاً يجمعهن خلف هيئة وراثية متطابقة ، ويبدو هذا فى أجسادهن السمراء النحيلة ، ووجوههن المصرية الأفريقية ذات الشفائف الغليظة والأنوف المفلطحة والعيون اللوزية ، والمتوجة بشعور مجعدة تتدلى على رقاب منتفخة ، تعلو صدور طفولية ضامرة ، وأخرى نسائية ناهدة ، وثالثة تهم بالنتوء من وراء فساتين بيضاء بارقة ؛ فظهرن جميعاً كفراشات فى أردية من نور .
وعند هذه النقطة المحورية على منحنى الأداء ، تتجلى ميول زينب لتصوير جنتها الخاصة على الأرض ، عبر معاودة إنتاج مرئياتها فى ثوب مغاير للواقع ، رغم متانة ارتباطها به .. ومقارب للحلم مع أنه لم يدركه بعد ، وهى البحيرة الدافئة التى تسبح فيها مفردات ” الواقعية السحرية ” بين ضفتى الحقيقة والخيال ، بقدرات مهارية من الفنانة على تضفير السردى بالبصرى ، والحكائى بالتصويرى ، موشكة على الإقتراب من أجواء ” ألف ليلة وليلة ” التى ألهمت كثيراً من مبدعى ذلك التيار شرقى الأصول .. ففى عمل ” بنات فى الشرفات ” _ تسمية الأعمال من وحى الكاتب _ تحشد الفنانة مجموعة من إناثها فى تراكيب أحادية وثنائية وثلاثية ، داخل شرفات معمار خشبى قديم يطل على شاطىء مائى يرسو عليه قارب خشبى من نفس نسيج البناء المعمارى الذى يسبح فى فضاء نورانى يشبه ومضات الحلم ، وهنا نلمس تصعيداً درامياً إضافياً فى ثنايا المشهد ، عبر الأردية البيضاء للبنات ، والزهد اللونى المعهود فى أداء زينب التصويرى ، حيث يسيطر على التكوين الترابى والأخضر والأزرق والأبيض ، بما يتيح الفرصة لدوران الموسيقى الداخلية للعمل ، وتناغمها مع مثيلتها الخارجية ، ومن هنا يصدر رنين ” الواقعية السحرية ” عبر مداعبة الوتر المشدود بين وتدين ، أحدهما مرشوق فى صدر المرئى المحسوس ، والآخر مغروس فى بطن الحلم الإرادى المسكون بذلك البناء الرأسى المتواتر ، والذى تكرركلياً وجزئياً فى عملى ” أحاديث البنات ” ، ” العصفور العاشق ” .
وبتكوين أفقى فى عمل ” سمكة على المائدة ” تلملم الفنانة بناتها جلوساً حول مائدة خشبية ، تتوسطها سمكة فى طبق أخضر ، إنصبت عليها كل العيون بين دهشة ووجوم .. بين ترقب واشتهاء ، والعمل غارق أيضاً فى سيل من الأبيض المنير ، بما يدفع به إلى أحشاء الحلم ، منطلقاً من حيز مكانى محدود ، وبتركيز على السمكة كبطل للمشهد يكشف عن ترميز شعبى مزدوج ، يجمع بين الخير والخصوبة ، سيما مع الحضور الأنثوى الطاغى ، ممتزجاً بمعادل خفى من البراءة الطفولية ، وهو مايرتحل بالصورة إلى مساحة مغايرة من ” الواقعية السحرية الشعبية ” . ثم ترسّخ الفنانة لهذا الفكر البصرى فى عمل ” الشبكة ” لثلاث من البنات يتنازعن شبكة صيد على شاطىء البحر ، بينما ظهر عند المستوى الثانى للمشهد بنتان فى حضن قارب ، أما الأفق فقد بدا بين ذراعيه مركب شراعى تتقاذفه الريح ، والعمل كذلك يتحرك بندولياً بين الواقعى والرمزى .. بين الأسطورى والشعبى . ثم تتكرر نفس الآلية فى عمل ” فرحة الصيد ” الذى تبدو فيه ثلاث بنات على الشاطىء ، إحداهن تمسك بسمكة وعلى وجهها بهجة القنص ، بينما اعتلت الفرحة الحذرة وجهى الإثنتين الأخريتين ، وقد ظهرن جميعاً بفساتيهن البيضاء المنيرة ، كلحام مألوف لدى زينب بين الواقع والحلم .. بين اللذة القصصية والمتعة البصرية .
وفى مواضع أخرى يبرز عنصر الحركة محورياً فى بناء الصورة ، مثلما بدا فى عمل “الإسكوتر” لبنتين تمتطيان تلك العجلة الشعبية الشائعة على طريق مدثر بتعاشيق من النخيل الذى بدا متماهياً مع شعر البنتين المجعد ، والمفرود على الجانبين كالسعف ، وقد اكتسب العمل حركية إضافية من خلال حيوية البنتين ، واندفاعهما للأمام بعيون شاخصة وجسدين متوهجين ، وهو ماأماط اللثام عن طاقة المشهد الجسدية ، والمنصهرة مع نظيرتها الروحية المتجلية فى بريق الردائين الأبيضين ، كنور كاشف لستور الحلم .
وعلى نفس المنوال الحركى يأتى عمل ” الصديقتان ” الذى تبدو فيه بنتان تعتليان ظهرى بقرتين فى حالة سباق داخل حقل يسوده الأخضر، بينما لاح فى عمق الصورة بنتان واقفتان بين العشب كزهرتين يانعتين ، والعمل هنا يبرز العلاقة البريئة بين البقرة والأنثى على الصراط الإيهامى الفاصل بين الواقع والخيال ، وربما نستطيع هنا أيضاً إستجلاء الفوران الأنثوى الساكن فى رحم المشهد ، متمثلاً فى اقتران البنتين بالبقرتين داخل حيز المروق الحركى السريع ، وهو ما يمثل معادلاً بيولوجياً لفحولة افتراضية داخل مخيلة الفنانة أثناء زمن الفعل الإبداعى .
وعلى صعيد تعبيرى مختلف تهبط زينب السجينى بانفعالاتها الشعورية إلى درجة شبه منتظمة كموج النهر فى عمل ” سكينة ” ، حيث تلك الطفلة الجالسة فى وضع القرفصاء ، بردائها البرتقالى وشعرها الخشن وجسدها النحيف وعينيها الساهمتين ، وكأنها فى لحظة استحضار للحلم اليقظ على الفراش الذاتى للفنانة ، من خزان طفولتها البكر ، وهو مايتكرر بشكل مركب فى عمل ” العروسة والعصفور ” الذى تبدو فيه بنتان جالستان على أريكة خشبية ، وعلى حجر إحداهما لعبة طفولية فى هيئة عروسة ، بينما علا رأس الأخرى عصفور واقف على عارضة الأريكة ، والعناصر كلها بدت ملتحفة بستارة خلفية من الزرع الأخضر ، جعلت العمل فى مجمله يمثل حالة من استعذاب ينابيع الطفولة الأولى ، عبر شعور نفسى مزدوج ، يتجسد فى حوار داخلى بين الذات والبدن ، وهو ماتنسجه زينب خارجياً على توالها من خلال تلك الثنائية الأنثوية المتمثلة فى البنتين اللتين ظهرتا كتوأم متطابق الشكل تقريباً ، وقد لعب اللون الأخضر هنا دوراً فاعلاً فى بلورة مشاعر الفنانة تجاه ذاتها ، لتبدو وكأنها تبحث فى بنائها التصويرى على صفائها الإنسانى ، برفقة عصفورها وعروستها وخضرتها وردائها الأبيض ، متجهة صوب المنطقة الرخوة الكامنة بين كفى الواقع والخيال .
وقد أكدت هذا فى عملى ” قبلة على خدى ” ، ” عصفور فى صدرى ” .
وربما تنطلق الفنانة من هذا المتكأ النفسى نحو إقامة معبر بين طفولتها وأمومتها ، وهو مايبدو فى عمل ” الغريزة المقدسة ” الذى تظهر فيه أم تحمل إبنتها من وضع جانبى مائل ، فى جو لونى أصفر منير ، على أرض مطرزة بالنبت الأخضر ، والعمل فى تركيبته الشكلية والضمنية يشى بصلة دفينة بين الرافد والمصب . . بين فطرة الطفولة وغريزة الأمومة ، على بساط واقعى مختزل ، يسمح للمتلقى بإطلاق بالون الخيال لاستبصار كنائن النفس ، عبر اشتباك كلى مباغت مع نسيج الصورة . . وتظل الفنانة الكبيرة زينب السجينى تركض بشفافية طفولتها وراء دفء أنوثتها ، من خلال بناتها البريئات النزقات اللائى يقترن فى مشاهد تصويرية أخرى بالخيول والقطط والحمام والعصافير ، ويتسلقن الأشجار وأسطح المنازل ، بحثاً عن ملامح الجنة الموءودة فى بطن واقع مأزوم ، يسعين لتطهيره بأرديتهن البيضاء التى تبوح ببراءة جمعية فياضة ، حتى صرن كفراشات فى أردية من نور .
محمد كمال
دراستى فى مجلة إبداع _ العدد الثامن عشر والأخير _ ربيع 2011م