الفنان مراد شعبه

للفنان عادل مقديش

Picture 1 of 38

Mourad Chaaba

الفنان مراد شعبه، ولد في عام 1970. ينتمي الرسام المستشرق الحديث. بعد دراسة الهندسة الزراعية درس التصميم في أكاديمية الأزياء “مكني” حيث التقى عادل مقديش، ثم أستاذ الرسم التحليلي، الذي تدرب وتشرف عليه. وتتميز بالفعل في المشهد التصويري التونسي إتقانه الفني الكبير. بعض تشبهه جلال بن عبد الله. المرأة هي مركز اللوحة عند مراد شعبه. هذه المرأة التي يريد أن تكون شخصية محورية في لوحاته. أشكال سخية من الجسد الأنثوي. ويتم التعبير عن كل شيء هنا بتواضع لا حصر له، مع شعور إنجازه من الوضوح والجودة. وزن الماء والأحلام، لوحات مراد شعبه عبارة عن صور، محكمة، النص أعلاه مترجم بغير دقه الى العربيه بواسطة ترجمة جوجل.

For the amateurs of painting, Mourad Chaaba is undoubtedly one of the artists who make the best progress in recent years. An ever more refined brush, even more stripped colors and an expression that combines aesthetics and depth. His exhibition, which has just opened at the Galerie Sémia Achour in Soukra, reveals this year an affirmation of his talent in the same line devoted to the woman bathing in happiness, but also the beginning of a new series of Portraits of more interrogative women, metallized. A new track that seems to be digging in front of the painter, like that of the horses that he had tried successfully a few years ago.

Disciple of Adel Megdiche, he offers us a new vision of the woman, often installed in a register of seduction, playing music or quite simply, his attitudes. This year, Mourad Chaaba goes even further, leaving his brush to restore us, more women, less vaporous, more metallic, but always expressive and attractive. The gesture is precise, the line is fine and the composition, harmonious.

On the track of the great Tunisian painters of the last century, Mourad Chaaba advances with great talent. His works must not miss a collection that counts.

 

الفنان عادل مقديش

artist adel megdiche

تلقى عادل مقديش تكوينه بمدرسة الفنون الجميلة بتونس، وأقام بمدينة الفنون بباريس سنة 1977، كما أنه درّس بالرباط ثم بعد عودته إلى تونس درّس بمدرسة الفنون الجميلة بتونس، وبالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس. بدأ عادل مقديش بإنتاج أعمال تجريدية ثم جنح إلى الرسم السريالي. وهو يرسم على أوعية مختلفة من الخشب إلى القماش إلى البردي. ويسيطر على أعماله فنّ الخطّ. حصل عادل مقديش على الجائزة الكبرى لمدينة تونس سنة 1982، والجائزة الوطنية للفنون والآداب سنة 1997. كما أنه حصل على الصنف الثالث من وسام الاستحقاق الثقافي سنة 1993، ثمّ الصنف الرابع من وسام الجمهورية سنة 1996.

يعد الفنان التشكيلي التونسي عادل مقديش، من أبرز الفنانين على الساحة العربية و الذي نشط لمدة تفوق الثلاثين عــاما دون انقطاع ولد عادل مقديش في مدينة صفاقس من الجمهورية التونسية سنة 1949 أقـــام عديد المعارض في تونـــس و خارجها, هو فنان أنتج عديد الأعمال الفنية المتميزة حيث تعد مواضيعه رصدا لذاكرة البشر تبدّلت من خلالها خاماته و تنوعت مرجعياته بين مرجعيات تاريخية و أخرى شعبية تنسج الذاكرة الجماعية وفق قصص و مدلولات بصرية و رمزية.
سوف نكتفي في هذا المقال بإعطاء لمحة تخص جانبا من جوانب بحثه الفني في علاقة مباشرة بتحديد مرجعياته المختلفة و للإطلال على “طقوسه الفنية” الخفيـــة و التـــي تعد قنطرة ذاكرته البصرية هو فنان مؤمـــن بتقـــاسيم الزمــــان، من ذكـرى و تذكــــر وتذكار، هو يذكرنا دائما بأن “الذاكرة البصرية” في التشكيل التونسي لها موقعا هاما، بحيث أن بعض التجارب التشكيلية التونسية و العربية المعاصرة جعلت منها إطارا مرجعيا ونقطة اشتغال تستند فيها على معطيات وثوابت ثقافية متغيرة راسخة في الأذهان، وتستوحي منها عناصرها التشكيلية الأكثر تعبيرا عن روح الأصالة و الإبداع، إننا نعني هنا بالذاكرة البصرية، ذلك الرصيد الهائل التاريخي والمتحوّل من مخزون فكري وبصري، موثق في الأذهان، والذي يجد موطنه الفعلي في البنية الثقافية الشعبية للفنان، على هذا النحو يمكننا الحديث عن تمثلات بصرية محددة، تبدأ بأشكـال ورمـوز أكـثر إغراقا في الرمزية، لتنتهي بأشكال و تصاوير تشخيصية نابعة من عمق التراث المحلي أو العربي الإسلامـي، مرورا بالصور الذهنية و الحُلمية الشخصية أو الجماعية المتخيلة.
رسمَ عادل مقديش فضاءات الذاكرة و جمع شخوصه من فضاءات الحلم, من أزمان ماضية من حروب, من تاريخ متحوّل, من حكايات شعبية مروية للجازية الهلالية …هذه هي مدارات الذاكرة البصرية المتخيلة للفنان عادل مقديش المتواترة على أعماله الفنية و التي أشهرها في عديد المناسبات بقوله:” لـــــــــــي ذكرى اليمة مع الروم و الأتراك و الأسبان و قبائل بني هلال الزاحفة و لي أيضا معاناة الإفرنج”[1] و يضيف قائلا ” أرسم خصوبة عليســة على جلود البقر المقدس أنحت وجه جـــوغرتا في أسواق الأفراس البربرية، حفرت على جدران المعابد الإفريقية رسم السفنالساحلية و أشرعتها المنسوجة بشعر النساء (…) كل رسم لي ومضة البرق في السماء أفريقية و أجراس الخيول الآتية تعزف خيوط الألوان لولبية على كف أندلسية في ليلة زفافها”[2].
من ثمة، فإن الاشتغال التشكيلي وفقا للزخم المرجعي الذي تمنحه هذه الذاكرة قد شكل دوما مجالا للإبداع لدى ثلة مهمة من الفنانين التونسيين وحذا بهم إلى البحث المضني والغني عن مواطن انغماس العمل التشكيلي في تربته المحلية، كما أن ارتباط الأعمال الفنية بالأساطير و الحكايات الشعبية في أعمال الفنان عادل مقديش له مكانته الخاصة في الوجدان الشعبي ، فالموروث الثقافي تتلاقى فيه الأصالة مع الحداثة في جمع بين خبرة الفنان ومعرفة بمفهوم الموروث وحفاظه على الهوية، وأشكال الإبداع الفني الأصيل.
لقد تراوح المخزون البصري للفنان عادل مقديش بين موروث شعبي ذا علاقة مباشرة بحكاياتنا الشعبية المتداولة مثل (مجموعة هلاليات لسيرة بني هلال) حيث نجد أن الرسم قد تلاقى بالحكاية الشعبية فارتسم على شكل صورة مروية، لصورة الجازية الهلالية، ورسوم أخرى تستند على طابــع غرائبي بمسحة من الخيال وذلك في الفترة الممتدة بين أواخر السبعينيات و أوائل الثمانينات وتواصلت إلى حدود التسعينات لكن بتغيير جزئي ,حيث نجد الفنان عادل مقديش يؤسس عالم تحكمه التصورات الغريبة و الغير مألـوفة تصـورات سريالية في رسم الجازية الـهلالية وأبو زيد الهلالي. كذلك نجد مخزونا تاريخيا و حضاريا شمل الحضارة الإسلامية (الزخرفة و الحروفية) و الحضــــارة الفــارسية و مخزونا فنيا يتوافق مع السريالية أو المافوق واقعية أحيانا, حيث نجد أن الشبكة الرمزية التي يُدخل فيها الفنان عادل مقديش موضوعاتـــه الفنـــية هي شبكـة، شائكة ومعقدة بحيث أن التمـــائم والطـــلاسم و الرموز تدور معظمها حول قضايا إنسانية وجودية خالصة، مما يجعلنا نزعم بأن “الصورة المجازية” التأريخية أحد المحاور المركزية لهذه الذاكرة ومنبع خصب من منابعها،. لكن كيف تتم هذه العلاقة بين الرســـــم و طرائق الاستحضار للصور المروية ووفقا لأي تناول وانتقاء؟

لقد سعى عادل مقديش في تكوين فضاءاته التشكيلية إلى التسجيل وليس التسجيل بمفهوم التمثيل و إنما تسجيل اللحظات الإبداعية الفنية الخاطفة التي تمرّ على كل فنان في أوقات لا نعرف تحديدها، فينهل منها كل فنان مبدع ما استطاع، ولعل إنجازاته الخطية الغرافيكية تقدم قيمة الإبداع وما خلـّـفه التصور المتفرد, فأعمال هـذا الفنان ذات خصوصية فنية لا على مستوى الإنجاز فحسب, بل و على ما تحققه من صدى تخيلي وإيحائي يطل على الوهم الذي ينشئ التصورات الجديدة للواقع المتخيل, ليجعلنا نفكر بالمجازات البصرية الواقعية من “أحلام اليقظة” لتتحول إلى مفاهيم لا يحدها حاجز عن المتلقي الذي قد يتعامل معها في الحقيقة، كنفيسة من نفائس التعلق بالصورة الما فوق واقعية . فعادل مقديش يؤسس فضاء، و يجعل من عملية تأويله عملية صعبة و ذلك نتيجة تشعب الدلالات داخل نفس الفضاء، حيث يقوم بإقحام عديد الرموز داخل نفس الفضاء بكل حرفية ويجعل من التأليف بينها هدفا في تكوينه وهذا ما يثري العمل الفني في مجمله ويجعله منفتحا على مجال تأويلي شاسع فرسوماته الخطية في رسم الجسد مثلا، تألفت بمنحى غرائبي. حيث يقدم لنا أنسجة من الخيــال تنسج الجســد بمبدأ تشكيله على نحو غرائبي, فيحاول جمع ما تبقى في ذاكرته ليؤثث فضاء المتعة, متعة الذاكرة و الذكرى في تقص حقائق الجسد.
وفي أعمال أخرى تتفرغ الكتابة من طاقتها التركيبية ومن إمكاناتها الدلالية اللغوية لتغدو بذلك كيانا سابقا على اللغة والتواصل أو متجاوزة لهما، أي جسدا حرفيا يتسربل بإمكاناته الحرة في الانزواء خارج كل منطق أو مقصدية تعبيرية مباشرة. حيث نجد ذلك التلاقح الذي يتم بين تشكيله للحرف وتشكيله للجسد بطابع تأليفي و تفاعلي ، بحيث تنمحي الحدود بينهما ويأويان إلى مجال حركي وفضائي واحد. بيد أن هذا الحضور “التشخيصي للحرف ليس أبدا حضورا للغة، بل تغييبا لها واحتفاءً لا بجوهرها وإنما بجانبها المادي المحسوس بصريا. فتتحول لديه العلامة الخطية من علامة مقروءة إلى علامة لا محددة وغير قابلة للتفكيك. إنها تغدو مجرد شكل،أي تخطيطا مجردا ومطلقا.
كما تمتزج رسوم الفنان عادل مقديش بطابع حلمي أحيانا فرسوماته الليلية (أجساد مرسومة في زمن الليل) تخضع أحيــــانا إلــى جانب كبير من العتمة والانفراد في فضاءات أسطورية ويقول الفنان عادل مقديش في هذا السياق فــي إحــدى معــارضه بــمركز الثــقافي الفـــرنسي بالربـــاط ” أنطلـــــق في رسوماتي من مثيولوجيات و من أساطــير شعبيـــة و مــن خرافات الطفولة و من الـلاوعي الجماعي و من فزع التمزق الذاتي بين الحلم و الواقع و بين التقسيم الزمني في محاولة لتوحيدها في واقع و احد (…) حيث تلتحـم كل مقومـات و مــدارك الــذات في تعاملها الديناميكي مع المحيط المتحرك”[3]

جاءت رسوم عادل مقديش من أمـاكن ارتسمت في الذاكرة بأحلى الألوان، من أحـــلام و حكايات، تمد الإنسان بذاكرة الإنسان. حيث احتلت بعض الشخصيات لوحاته و اتخذت موقعا هاما في تصور الفنان فنلتمس تشكيلا سرديا يرسم الشخصيات والأبطال، وفي هذا السياق من الكلام يقول وحيد السعفي في حديثه عن أعمال الفنان عادل مقديش: ” طاف مقديش في عالم من الذكرى ، هذه الجازية ، وهذه بلقيس و هذه ولادة تمنح قبلتها من يشتهيها , هذه عبلة ذات لثام يقبلها صاحبها ثلاثا في اللثام” [4] ثم يضيف قائلا في نفس السياق: “جــازية اللوحـــة لا تقود الحملة بـــل يقودها الركاب و الأميرة ذات الهمة لا تحكم في الناس بهمة وبلقيس لا تخضع لأمرها سليمان وهدهده عنبر و الكاهنة طيف لا يصيب الغائر بسوء ، و عليسة لم تنحر الثور قربانا لما أرست عند الساحل و لم تملك الأرض الجـــــلد و امرأة شاعرة لا تسحر شاعرها و لا تسلب عقله البالي المرأة هنا أسيرة الرسام يحفر في وجهها قصة الزمان”[5].

و من هذا المنطلق نلاحظ محاولة عادل مقديش صياغة الحدث الروائي لبعض القصص و النظر في تفاصيلها كحدث ذا أبعاد فنية، تقوم على تداخلات عدة ، بين القصص ورموز تشكيلها، في سبيل الوصول إلـى رؤية فنية جديدة، وهذه الخصوصية الفنية ليست إلا وسائل إيضاح يعتمدها الفنان في “سرد لوحاته” داخل حياته الفنية بكل بساطة تركيبية، فيها المغامرة التشكيلية المعقدة ترتبط ارتباطا وثيقا مع حكايات الأساطير.

أعمال الفنان عــادل مقديش: جدل بين المرجعية التاريخية والذاكرة البصرية
حسّان بنرحومة – تونس- من كتـــــّاب موقع بوّابــتي

الفنان عــادل مقديش
الفنان عادل مقديش

يعد الفنان التشكيلي التونسي عادل مقديش، من أبرز الفنانين التونسيين على الساحة العربية والذي نشط لمدة تفوق الثلاثين عــاما دون انقطاع, ولد عادل مقديش في مدينة صفاقس من الجمهورية التونسية سنة 1949. أقـــام عديد المعارض الفردية والجماعية في تونـــس وخارجها.
أنتج عادل مقديش عديد الأعمال الفنية المتميزة والتي يستند في انجازها على مرجعيــات تاريخيــة وأخرى مستمدة من الموروث الشفوي ومن الذاكرة الجماعية وفق حكايات تكتنز في طياتها مدلولات بصرية ورمزية متنوعة ساقها الفنان إلى فضاءاته على نحوه الخاص.
من خلال عملية مسح بصري لبعض اللوحات للفنان عادل مقديش, نلتمس ذلك التوظيف المكثف للرموز والإشارات الإيحائية التي تعد محور ذاكرته البصرية, حيث يقدم أعمالا فنية، يستند في انجازها على “مرجعيات تراثية” من خلال عملية التذكر, هو يذكرنا دائما بأن “الذاكرة البصرية” للموروث الثقافي والاجتماعي في التشكيل التونسي لها موقعا هاما، بحيث أن بعض التجارب التشكيلية التونسية المعاصرة جعلت منها إطارا مرجعيا، تستوحي منها عناصرها التشكيلية الأكثر تعبيرا عن الأصالة والإبداع، و إننا نعني هنا بالذاكرة البصرية، ذلك الرصيد الهائل التاريخي والمتحوّل من مخزون فكري وبصري موثق، والذي يجد موطنه الفعلي في بيئة الفنان، على هذا النحو يمكننا الحديث عن تمثلات بصرية محددة، تبدأ بأشكـال ورمـوز أكـثر إغراقا في الرمزية، لتنتهي بأشكال وتصاوير تشخيصية نابعة من عمق التراث المحلي أو العربي الإسلامـي، مرورا بالصور الذهنية والحُلمية المتخيلة.
رسمَ عادل مقديش فضاءات الذاكرة وجمّع شخوصه في فضاءات الحلم, من أزمان ماضية من ملاحم, من تاريخ متحوّل ومن حكايات مروية للجازية الهلالية, هذه هي مدارات الذاكرة البصرية للفنان عادل مقديش المتواترة على أعماله الفنية والتي أشهرها في عديد المناسبات بقوله:” لي ذكرى اليمة مع الروم والأتراك والأسبان وقبائل بني هلال الزاحفة ولي أيضا معاناة الإفرنج” (1) و يضيف قائلا ” أرسم خصوبة عليســة على جلود البقر المقدس أنحت وجه جـــوغرتا في أسواق الأفراس البربرية حفرت على جدران المعابد الإفريقية رسم السفن الساحلية وأشرعتها المنسوجة بشعر النساء (…) كل رسم لي ومضة البرق في السماء أفريقية وأجراس الخيول الآتية تعزف خيوط الألوان لولبية على كف أندلسية في ليلة زفافها”(2) .
من ثمة، فإن الاشتغال التشكيلي وفقا للزخم المرجعي الذي تمنحه هذه الذاكرة قد شكل دوما مجالا للإبداع لدى ثلة مهمة من الفنانين التونسيين وحذا بهم إلى البحث المضني عن مواطن انغماس العمل التشكيلي في تربته المحلية، كما أن ارتباط الأعمال الفنية بالأساطير والحكايات الشعبية في أعمال الفنان عادل مقديش لها مكانتها الخاصة، حيث تتلاقى فيها الأصالة مع الحداثة في جمع بين خبرة الفنان ودرايته العالية بتوظيف عناصر الموروث الشعبي.
لقد تراوح المخزون البصري في اللوحة للفنان عادل مقديش بين موروث شعبي ذا علاقة مباشرة بالحكايات الشعبية المروية المتداولة مثل مجموعة هلاليات المنجزة لسيرة بني هلال, فارتسمت أعماله على شكل صورة مروية لصورة الجازية الهلالية، وبين موروث بصري يتستند على طابــع غرائبي فيه مسحة من الخيال وذلك في الفترة الممتدة بين أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينات وتواصلت إلى حدود التسعينات لكن بتغيير جزئي, حيث نجد أن الفنان عادل مقديش من خلال هذه التجربة يؤسس عالما تحكمه التصورات الغريبة والغير مألـوفة تصـورات سريالية في رسم الجازية الـهلالية وأبو زيد الهلالي, كما نجد رسوما أخرى تنهل من المخزون التاريخي والحضاري الإسلامي فتنبع مدلولاتها من توظيف مكثف للزخرفة, مع اقتراب اللوحة أحيانا من اللوحة الحروفية .
كما نجد أن الشبكة الرمزية التي يُدخل فيها الفنان عادل مقديش موضوعاتـــه الفنـــية هي شبكـة شائكة ومعقدة بحيث أن التمـــائم والطـــلاسم والرموز تدور معظمها حول قضايا إنسانية وجودية خالصة،مما يجعلنا نزعم بأن “الصورة المعكوسة ” للحياة اليومية أحد المحاور المركزية لهذه الذاكرة ومنبع خصب من منابعها لكن كيف تتم هذه العلاقة بين الرســـــم وطرائق الاستحضار للصور المروية ووفقا لأي تناول وانتقاء ؟
لقد سعى عادل مقديش في تكوين فضاءاته التشكيلية إلى التسجيل وليس التسجيل بمفهوم التمثيل وإنما تسجيل اللحظات الإبداعية الفنية الخاطفة التي تمرّ على كل فنان في أوقات لا نعرف تحديدها، فينهل منها كل فنان مبدع ما استطاع، ولعل إنجازاته الخطية الغرافيكية تقدم لنا قيمة الإبداع وما أنتجه التصور المتفرد, فالأعمال الخطية الغرافيكية لهذا الفنان ذات خصوصية فنية لا على مستوى الإنجاز فحسب, بل وعلى ما تحققه من صدى تخيلي وإيحائي يطل على الوهم أحيانا, ذلك الوهم الذي ينشئ تصورات جديدة للواقع المتخيل, ليجعلنا نفكر بمجازات بصرية واقعية تتشكل على نحو صور تبرز “كأحلام يقظة” ولتتحول إلى مفاهيم لا يحدها حاجز عن المتلقي الذي قد يتعامل معها في حقيقة الأمر كنفيسة من نفائس الصورة الما فوق واقعية
فعادل مقديش يؤسس فضاءات فنية، و يجعل من عملية تأويلها عملية صعبة وذلك نتيجة لتشعب الدلالات داخل نفس الفضاء، حيث يقوم بإقحام عديد الرموز بكل حرفية ويجعل من التأليف بينها هدفا في تكوينه وهذا ما يثري أعماله الفنية في مجملها ويجعلها منفتحة على مجال تأويلي شاسع.
وفي أعمال أخرى تتفرغ الكتابة من طاقتها التركيبية ومن إمكاناتها الدلالية اللغوية لتغدو بذلك كيانا سابقا على اللغة والتواصل أو متجاوزة لهما، أي جسدا حرفيا يتسربل بإمكاناته الحرة في انزوائه خارج كل منطق تعبيرية مباشرة. حيث نجد ذلك التمازج العجيب الذي يتم من خلال تهجين الحرف والجسد بحيث تنمحي الحدود بينهما ويأويان إلى مجال حركي وبصري واحد. بيد أن هذا الحضور “التشخيصي للحرف” ليس أبدا حضورا للغة، بل تغييبا لها واحتفاءً لا بجوهرها وإنما بجانبها المادي المحسوس بصريا. فتتحول لديه العلامة الخطية من علامة مقروءة إلى علامة بصرية لا محددة وغير قابلة للتفكيك إنها تغدو مجرد شكل أو تخطيط .
كما تتضمن رسوم الفنان عادل مقديش طابعا مثيولوجيا أحيانا فرسوماته الليلية ( أجساد مرسومة في زمن الليل ) تخضع في كثير من الأحيان إلى جانب كبير من العتمة والانفراد في فضاءات أسطورية يمتزج فيها الوعي باللاوعي كما تحضر خرافات الطفولة والقصص المروية فضاءاته و يقول الفنان عادل مقديش في هذا السياق فــي إحدى معارضه بمركز الثــقافي الفرنسي بالرباط :” أنطلــق في رسوماتي من مثيولوجيات ومن أساطير شعبيـة ومن خرافات الطفولة ومن الـلاوعي الجماعي ومن فزع التمزق الذاتي بين الحلم والواقع وبين التقسيم الزمني في محاولة لتوحيدها في واقع واحد (…) حيث تلتحـم كل مقومـات ومــدارك الــذات في تعاملها الديناميكي مع المحيط المتحرك” (3)
جاءت رسوم عادل مقديش من أمـاكن ارتسمت في الذاكرة بأحلى الألوان، من أحـــلام وحكايات، تمد الإنسان بذاكرة الإنسان. حيث احتلت بعض الشخصيات لوحاته واتخذت موقعا هاما في تصور الفنان فنلتمس تشكيلا سرديا يرسم الشخصيات والأبطال، وفي هذا السياق من الكلام يقول وحيد السعفي في حديثه عن أعمال الفنان عادل مقديش: ” طاف مقديش في عالم من الذكرى ، هذه الجازية ، وهذه بلقيس و هذه ولادة تمنح قبلتها من يشتهيها , هذه عبلة ذات لثام يقبلها صاحبها ثلاثا في اللثام” (4) ثم يضيف قائلا في نفس السياق: “جــازية اللوحـــة لا تقود الحملة بـــل يقودها الركاب والأميرة ذات الهمة لا تحكم في الناس بهمة وبلقيس لا تخضع لأمرها سليمان وهدهده عنبر والكاهنة طيف لا يصيب الغائر بسوء ، وعليسة لم تنحر الثور قربانا لما أرست عند الساحل ولم تملك الأرض الجـــــلد وامرأة شاعرة لا تسحر شاعرها ولا تسلب عقله البالي المرأة هنا أسيرة الرسام يحفر في وجهها قصة الزمان” (5).
ومن هذا المنطلق نلاحظ محاولة عادل مقديش صياغة اللوحة الفنية كحدث روائي يستمد حضوره من بعض القصص الشعبية كحدث ذا أبعاد فنية بالأساس، يقوم على تداخلات عدة ، بين القصص ورموز تشكيلها، في سبيل الوصول إلـى رؤية فنية جديدة، وهذه الخصوصية الفنية ليست إلا وسائل إيضاح يعتمدها الفنان في “سرد لوحاته” .

عادل مقديش ، ثنائية ،زيت على قماش 64*53 صم 1984

هلاليات 2 ،أكريليك على قماش، 100*140 صم ، 1985

عادل مقديش حروف فارسية أكريليك على قماش 160*65 صم

لوحة عليسة ،أكريليك على قماش، 150*100 صم
—–
1 رياض العلوي ، جريدة الأنباء 16 سبتمبر 1981
2 نفس المرجع
3- عادل مقديش، ملحمة الحلم و الواقع، جريدة بلادي 20 مارس 1983
4- وحيد السعفي ، نص رحلة الجسد الجمال ، دار اليمامة للنشر 2002
5- نفس المرجع
———-
حسّان بنرحومة
باحث تونسي

 

المزيد من اعمال الفنان عادل مقديش

 

 

فن النار بين المنفعة والابداع التشكيلي المعاصر

بعيدا كلّ البعد عن كونه انجازا يدويا تقليديا، يعتبر الخزف فنا ابداعيا يحقّقه الفكر وتتمثّل قيمته في كونه تأليفا بين ملكتي العقل واليد وقدرتهما على اخراج ما في المادّة الى حيّز الفعل، ويمكن تصوّر الخزف منذ البداية كتفكير يبلور مشروعا سواء كان المشروع منطلقا من مرجع بصري واقعي أو منطلقا من حاجة نفعية. فبالنسبة للخزف في مفهومه العام هو فن من فنون النار فالبداية تكون ترابا وماء و نارا ثم التأليف الذي هو تموضع المادة حول هذه المكونات ثم الانتاج الذي ينتجه هذا التأليف ثم الطلاءات والألوان بدرجاتها الضوئية وتنوعاتها النسيجيّة وفي هذا المسار تكون الطينة ومعالجاتها مختارة حسب الهدف المراد الوصول اليه.
واذا اعتبر الخزف حرفة من التراث فانه وبعد أن ظلّ ولفترة تاريخيّة طويلة يلبّي حاجيات الناس اليوميّة النفعيّة والمعيشيّة ولم يلعب الخزّاف دورا وسطا في تلمّس تلك الحاجة اليوميّة والحاجات العاطفيّة والروحيّة حتّى استتبّ الأمر للحرفة الميكانيكيّة ذات الصياغات المتعدّدة في الشكل والمظهر وكان لابدّ من ايجاد سبل وسلوكيات فنيّة وتقنيّة تخرج هذه الحرفة من مأزق منافسة لا جدوى من المضيّ فيها بين الحرفي والخزاف ولعلّه ما دفع بالخزاف المعاصر ولاسيما الفنان التشكيلي الى البحث عن صياغة خطاب عصري يتجاوز من خلاله اشكالية التقليدي النفعي والحاجة نحو التجديد والتطوير الفني.
وانه لمن البديهي أنّ يكون الخزف ضرورة من ضرورات الابداع الفني اذ مثّل أرضيّة خصبة وذاكرة ملهمة للمبدع ليتمثل في جوانب كبيرة من الابداع الفني المعاصر وهوما جعله يزداد عمقا وثراء وتأثيرا في الاخر حينما يكون موسوما بالأصالة وهنا نستحضر قول الفنان الناصر بالشيخ: “ان الأصالة هي أن تكون في حالة وفاق مع الفترة التاريخيّة التي تعيشها ومع طبيعة الأرض التي أنبتتك فاذا كنت وفيا لهذه المعطيات كان انتاجك أصيلا”.
وعليه، فقد تعامل الفنانون التشكيليون مع تراثهم وتمخّضوه بين المحافظة عليه بمختلف جوانبه من خلال استحضاره في الأثر الفني وبين البحث أو محاولة التجاوز للخصوصيات التقنية المتعارف عليها بمواكبة التطورات الفنية الغربية، فهل هي علاقة تأثر وتقليد أم هو بحث الفن التشكيلي التونسي عن استقلاليته وطابعه الخاص من خلال استحضار معالم الهوية والاصالة واستحياء التراث؟ كذلك هل التدليل علي الهوية واثباتها يكفي تحقيقها من خلال اقحام هذه العناصر التراثية؟
تكون الاجابة هنا، بما أن العمل الخزفي الحرفي هو نتيجة لفكر وارادة نفعية تبعها انجاز يدوي بالات وادوات ومواد فهو بالضرورة يحتوي خصائص فنية لا تبتعد عن الانتاج الفني الجمالي وبإمكانه أن يتحوّل من تراث قد يكون مآله النسيان الى أساس للإبداع، وقد مثل فن الخزف أحد أهمّ الفنون التي نشطت في علاقة مع الفن التشكيلي الحديث والمعاصر. ويبدو من خلال التجارب الفنية المتنوعة والمختلفة في فن الخزف التونسي أن الفنانين الخزافين قد قاموا بمحاور كثيرة تضمنت قيما فنيّة وجماليّة نمّت الثقافة الفنية البصريّة وعمّقت الاحساس بالهويّة من غير أن تقيّد الفنّان، وقد مثّلت الأدوات النفعية منطلقا للفنان التشكيلي المعاصر لصناعة دلالاته في مجال فن الخزف وأعطت دفعا لتطويره وسنعرض في هذه المداخلة تجربة الفنان “خالد بن سليمان” هذه التجربة التي عبرت عن الهوية واستمدت جذورها من مقومات الذاكرة الشعبية والدينية لينخرط الخزف التقليدي بالتالي في سياق الفن الحديث بأدوات أصيلة نابعة من صميم الثقافة الشعبية وتعقيداتها الرمزية ومقوماتها الاسلامية.
وخالد بن سليمان هو فنّان تشكيلي تونسي ولد سنة 1931 يمارس فنّي الرسم والخزف وقد تلقى تكوينا اضافيا في فن الخزف بمدرسة “ماسانا” ببرشلونا بين سنة 1977 و1979 كما تشبّع من تقنيات الخزف الياباني بين سنتة 1982 و 1983 وشأنه شأن العديد من الفنانين التشكيليين المعاصرين توصّل الى التوقيع على خطابه المعاصر من خلال رؤيته الخاصّة مستغلا الأدوات النفعيّة من أقداح وأواني وأوعية للأكل وجرار أو مزهريات والتي كانت مطيّته للإبداع الفني وقد تميزت خزفياته باستيعاب وصهر ملامح التراث مع روح العصر، فكانت مزجا بين العقيدة والخط والرسم واستغلال المعطيات البيئية والنفعية بأسلوب تعبيري فيه من الجمالية والفن المعاصر وما لجوؤه بفكره ووجدانه الى الخزف التقليدي وخاصّة الأدوات النفعيّة مثل الأقداح والأواني وأوعية الأكل انّما يعبّر عن موجة عالمية نشاهدها اليوم تشير الى البحث عن عالم جديد وبسيط غير معقّد يعيد الى نفسه الاتزان وشفافية الحس والوجدان، غير أنّ تعامله مع الخزف المعاصر لا يعني التخلّص من الماضي ولا يعني التنكر للتراث وانما هو تطلّع يحافظ على الخصوصيّة دونما انغلاق على الذات.
هكذا عمل الفنان على استنباط الماضي العريق لفن الخزف وتطويعه ليحاكي العصر من خلال تفاصيل أعماله الخزفيّة والتي استعار تفاصيلها من أعماق التراث الشعبي ليحوّلها برؤيته الفنية والتشكيلية الى عالم له منطقه الخاص، فقد حول ما هو نفعي استعمالي الى حامل فني بثّ فيه ابداعه كما شحنه برؤاه الفنية التي تجمع بين الحرفة والفن، هكذا خلق روحا جديدة ألبسها للتراث الخزفي ليحاكي المادة والأصباغ اللونية حتى لا تبقى لصيقة بالماضي ولكن لتستمر عبر المستقبل فعكس فيها شخصيته ومع أنه اعتمد على الأشكال التراثية والمفردات الدينية والعقائديّة الا أن الفنان اعتمد في انجازها على التبسيط والتجريد والرؤى التشكيلية المعاصرة. فمن الشكــل العادي المتداول يبدع الفنان عملا فنيا مبدعا، فيتحول هذا الشكل من رمز تراثي إلى همزة وصل بين الفنان ذاته وخاماته واختياره لها ليست عملية نهائية في حد ذاتها، فاختيار خامات جديدة يجعل عمله أكثر عمقا و شمولا” .
يبحث “بن سليمان” عن صور جديدة للصورة النمطيّة للأواني والأقداح، فقد جدّد الصورة البصرية لشكل الانية والقدح والجرّة وليس الأداة في حدّ ذاتها فجعل منها حاملا لفكره وفلسفته الفنية وهي محاولة منه للولوج بها الى رؤية معاصرة عبّر من خلالها عن ارتباطه بتراثه العقائدي الذي يعبر عن حالة من التوحدّ بين مخيلة الخزاف الإبداعية وبين روح الذاكرة الجماعيّة والانساني قاطعا مع التكرار ما جعل الأقداح والأواني تتعدّى حدود استعمالها اليومي البسيط لتتحوّل الى علاقات جماليّة تربط بين فكر وفلسفة الفنان نفسه للتحوّل الى قيم جماليّة وهو ما نلاحظه في هذه الصور.
تحمل خزفياته رؤية متجدّدة ومتطورة لفن الخزف حاملة لأنماط الحوار الفني في مجال تقنية المادّة واللون وهي في ذات الوقت تحمل حلولا بصريّة جديدة لشكل التجربة الخزفيّة التقليديّة وقد استجابت لسلاسة فكريّة وتقنيّة حققت تميزا ابداعيّا استمدّ مكوناته وفلسفته التعبيرية من الأشكال اليوميّة والنفعيّة ومن المخزون الناهل من الذاكرة التراثية باعتبارها الرمز المادي، الحسي والمعنوي فأخرجها من واقعها الصامت الى واقع جديد يطرح شكلا بصريا ظهر فيه التلاقح الفكري والوجداني في إطار الحضارة العربية الإسلامية التي أحلّت فنون النار وأعطتها مكانة سامية وأكرمت الخزافين ولعله ما جعل الفنان يخوض هذا المضمار من أجل رد الاعتبار لما هو نفعي وبسيط ومتداول والارتقاء بها إلى مستوى العمل الفني دونما تجاوز تجلياتها الشكلانيّة البسيطة، فلم يبحث الفنان عن التجديد الشكلي إيمانا منه بجماليتها الضاربة في أعماق التاريخ والقادرة على التجلي وفق خصوصيتها الطبيعية، وسعى الى استعادة تلك الحركات العريقة لصانع الفخار فيكرّر النموذج المتداول للقدح و الفنجان و الطبق…وأبدع فيها من خلال تحوير مظهرها بواسـطة الطلاء و” المينا” وسحر العلامات التراثية ذات الصبغة الدينية.
من هنا نلاحظ أن الفنان قد قلّص تلك الهوّة بين الصورة البصرية التقليدية لهذه الأشكال النفعية والرؤية الحاضرة لفن تشكيلي يتخطى جمود الصنعة ويفكك القيم التقليديّة في تقنية تشكيل وصياغة الشكل واعادة تركيبه برؤية معاصرة مع المحافظة على الروح الأصيلة لمادّة الخزف دون الانسلاخ عن الهوية المحليّة مما صبغ أعماله بصبغة فلسفيّة وجماليّة تتمازج فيها مادة الطين مع الألوان الصباغيّة والأكاسيد وتقنيات الحرق بشكل جدّ مدروس ومتقن كما تتمازج فيها على حدّ السواء القيم الفكريّة والجماليّة والفلسفيّة لتأكيد الصورة المعاصرة للخزف والتي تواكب المتغيّرات الفنيّة العالميّة وبقدر ما نلاحظ فيها بعدا روحيا يعكس أبعادا روحية، فلسفية وصوفية تتراءى لنا من خلال هذه الأقداح البيضاء بياض العـاج والتي ترتسم عليها لمسات عريضة سوداء تحمل عبارات دينية وصوفية يزدوج فيها الفعل التشكيلي بين الرّسـم والخزف ونستحضرنا في هذا الاطار مقولة الفنان الحبيب بيدة:” يمكن اعتبار التعامل مع الحوامل التراثية تحوّلا معرفيا في مجال البحث عن شخصية متميزة” فتعامل خالد بن سليمان مع هذا الموروث إنما يعكس وعي هذا الفنان بقيمته الجمالية، الروحيّة، الفكرية وحتى الفلسفية خاصة بعد اطلاعــه و تشبّعه بالتقاليد العريقة للخزافين اليبانيين، حيث اكتشف معهم التبعات الروحية للفعل الإبداعي وتعلّم كيف يحيا الانجاز الفني كمجاهدة وتدرّج صوفي، وكيف يعي ما يتضمنه فن الخزف من معاني بالنسبة لروح شعب من الشعوب”.
ان الأشكال الخزفية “لبن سليمان” تبحث بين طبيعة القطعة الخزفية كمكوّن نفعي ولّدته الحاجة الانسانيّة والحرفة وقيمتها الجمالية التي استخلصها الفنان في صورة بصريّة جديدة تحاكي واقع العصر. فلم يسلبها خصوصيتها التقليدية بل تمثل دوره الابداعي في ايجاد صورة جمالية جديدة يتناغم فيها الشكل مع اللون والسطوح والملامس الناعمة مضيفا لها أفكاره وفلسفته التي صاغها من خلال الرسوم التي صاغها من خلال الطلاءات التي تؤكّد اهتمام الفنان المتنامي بالدلالات البصرية والتراثية في بيئته المحيطة مستمدا أفكاره من عقائده وتراه الشعبي والتي خصّها بالمساحة الأكبر من حيث السرد البصري لمكونات قطعه الخزفية التي لم تخرج بها عن الصياغة التقليدية للأواني والأقداح الخزفية الا أنه لم يقف بها ضمن دائرة النمطية الحرفية في انتاجها وتعدي حدود هذه الصنعة الى ابداع تشكيلات مميزة لعب التحوير والتبسيط والتجريد والرسم في تشكيلها دورا مهما وصبغها بسمته الشخصية الفنية ما أعطاها سمة جديدة ارتبطت بالفنان نفسه.
من هنا تكون تجربة الفنان” خالد بن سليمان ” واحدة من بين التجـارب الفنية المعاصرة في فن الخزف ببلادنا، لما تحمله من تأصّل وتميّز كيف لا وهو الباحث في أصالة الموروث ولايزال يمارس عملية البحث لتستحيل خزفياته الفنية كنتاج لصراع الخزاف مع مادة الطين وداخل هذا الصراع الفكري والحسيّ تبرز خصوصية المبدع التعبيرية في إطار نظرة استيتقية ذاتية تنطلق في تشكلّها من “تفكير اليدين”، التي تتصارع مع المادة التي طوّعها وفق رغباته الحسية والذهنية على حدّ السواء. وهكذا هي تجربته انما هي فعل متأصّل فيه من الإبداع الفني والجمالي بقدر ما فيه من محاكاة لروح الموروث ونهل من الذاكرة الجماعيّة في حركة لا تعبّر عن تقديس المخزون التراثي وانما عن كونه محرك للعمليّة الابداعيّة التي تبحث عن السموّ بمادة الطين نحو عالم الروح. هكذا تزاوجت البيئة ومعطيات الموروث الشعبي والمعطيات التشكيلية الحديثة لتحقيق أثر فني تشكيلي معاصر له خصوصيته المتفردة المسكونة برغبة عارمة لتأكيد وجود فن متميز، وذلك من خلال تحقيق المعادلة الهمة “التراث والمعاصرة” وختاما يمكننا القول أن الفن والحرف التقليدية بأنواعها والتي تتم بأسلوب يدوي ستظل باقية مادام العنصر البشري موجود بفكره ووجدانه.
المراجع:
• الناصر بالشيخ1978، الهوية التشكيلية في العالم العربي، حبيبة النهدي، 2009.
• عن نشريّة المعرض السنوي للفن التونسي المعاصر، مركز الفن الحي لمدينة تونس، ديسمبر 1985.
• الحبيب بيدة، مقال صادر في جريدة الصحافة بتاريخ 25 أفريل 1989.
• الهوية والابداع في الصناعات التقليديّة اليوم، نصوص جمعها وقدمها محمد محسن الزارعي، منشورات المعهد العالي للفنون والحرف بقابس، 2005.
• Ali Louati, L’aventure de l’art moderne en Tunisie, SIMPACT, 1979.

عواطف منصور، جامعيّة وباحثة في الفنون التشكيليّة
أستاذة بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقصرين، تونس

Invalid Displayed Gallery